لا عهد ولا مبدأ للغشاشين والغشاشات

    "التربية الخلقية أهم للإنسان من خبزه وثوبه" سقراط

إن المتأمل في واقع الناس ليجدن أن أغلبهم يمارسون صوراً من الغش لتدبير شؤونهم اليومية وذلك في مختلف مجالات الحياة، في البيع والشراء، في الإدارة، في الزواج، بل حتى في الامتحانات والمباريات، إذ أصبح من نافلة القول أنّ الغش حتى الطفيف منه أضحى مظهرا يوميا عاديا من مظاهر الحياة، لا يستطيع الإنسان تفاديه ولا الحيلولة دونه، وإن دُعِيَ امرئ ما للمشاركة في العمليّة لمصلحة مادية يجنيها أو أمنية غالية يحققها فلن يعترض مطلقا، إنّما يعرض المساعدة عن طيب خاطر وبدون أدنى تأنيب للضمير، والبشر على كل حال بجميع مللهم ونحلهم بملتحيهم و'مكرطيهم'، بذوات الخمار المصونات والمتبرجات المائلات المميلات، ادهن لهم حلوقهم ينسون خالقهم، وكما يقول المثل الشعبي المغربي الفلوس كتشري النفوس وترجع الشارفة عروس، واللي ما عندو فلوس كلامو مسوس.
وقد طال الغش كل منحى من مناحي حياة الناس، لدرجة أن الذين لا يغشون أضحوا قلة قليلية يجوز أن نعتبرهم من أولياء الله الصالحين، وسط مجتمع برمته من الغشاشين والغشاشات والمخادعين والمخادعات،  وماذا بإمكان فئة قليلة نقية تمنعها مروءتها أن تغش أن تفعل وسط مجتمع موبوء بالمخادعين والمخادعات والغشاشين والغشاشات والإنتهازيين والإنتهازيات.
ويعتبر الغش في الامتحانات من أخطر هذه الظواهر على الإطلاق، إذ هي أصل البلاء والبلوى لما لها من تأثير خطير على حياة الإنسان والمجتمع، وهو ممارسة سلوكية ساقطة تنم عن عدم الأمانة والخداع عن عمد ومع سابق الإصرار والترصد، يمارسها كل من ألف واستطاب الرقي على أكتاف الآخرين وسرقة النجاح منهم بطريقة مفيوزية، بدلا من البحث عنه بالجهد الذؤوب وعرق الجبين، وقد لاحظت في السنين الأخيرة تنامي ظاهرة الغش في امتحانات البخالوريا عفوا البكالوريا بشكل رهيب ومخيف، وأضحى الغش اليوم ينتشر  في أوساط التلاميذ والطلبة كانتشار داء السيدا في مجتمع مائع لا ضوابط قيمية وخلقية ولا مبادئ لديه.
فبالإضافة إلى غش الامتحانات، هنالك شكل آخر مقنع من الغش، يمارسه الراسخون في عالم القوالب ويكمن في تمرير مقررات دراسية لملإ الفراغ ليس إلا، دون إعارة أي اعتبار لتعلم المادة الممتحنة، أو تقديم رسالة ماجستير أو دكتورة في موضوع تافه لا يسمن ولا يغني من جوع إلا لفائدة صاحبه، دون أدنى شعور شخصي بالأهمية القصوى والمصداقية والنتائج المميزة التي من الواجب أن يضفيها ذلك العمل من فائدة على حياة الناس.
والغش بالإضافة إلى ما ينتج عنه من ضعف في التحصيل الأكاديمي، هو سلوك خلقي فاسد ينم عن نفس مريضة غير أمينة وغير سوية لا يرقى صاحبها للاضطلاع بأية مهمة تخدم المجتمع كيفما كان نوعها سياسية أو إدارية أو اجتماعية أو تربوية، والمرتبة التي ينالها أي شخص عن طريق الغش بأي شكل من الأشكال هي في الأصل شهادة زور وعلى حاملها إثم شاهد الزور، ومن تـم فإن أي وظيفة ينالها أو مال يحصل عليه بناء على هذه الشهادة المزورة هو باطل وسحت حرام، أما بالنسبة للمجتمع فتجنيه عليه أكبر والوزر أثقل، لما ينتج عن ذلك من عواقب وخيمة تتجلى في تدن المستوى التعليمي وانحطاطه إلى الحضيض، وفقدان الثقة في الشهادات، والتشكيك في كفاءة حامليها، واندحار الأخلاق وتدنيها، وبعث اليأس والقنوط في نفوس الناس المثابرين والمجدين في صمت، ويصدق على هؤلاء الغشاشين قول الشاعر الأندلسي ابن رشيق القيرواني:
أَلْقَابُ مَــــــــــــمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَـــا     كَالـهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخاً صَوْلَةَ الأَسَدِ
وعلى الرغم من خطورة ظاهرة الغش إلا أنها لم تحظ بالدراسة والتحليل اللازمين من لدن المختصين والمهتمين بالمنظومة التربوية بالمغرب، ولا ريب أن التهاون في مكافحة الغش بجميع تجلياته على المدى الطويل قمين بإحداث ثغرات خطيرة ومميتة في المنظومة التعليمية والتي هي على ارتباط وثيق بالبناء الحضاري للمجتمعات.
إن ظاهرة الغش بوصفها شكلاً من أشكال الخيانة تتعارض مع قيمة الأمانة أم الفضائل الإنسانية التي يجب على الفلسفة التربوية العمل على تحقيقها وترسيخ أبجديتها وأسسها في الوسط التعليمي، والمتمعن بعمق في هذه الظاهرة يكتشف أن محرّكها الأساسي هو وهن في الأسس الأخلاقية واضمحلالها في المجتمع ابتداء من الأسرة مرورا بالشارع وانتهاء بالمدرسة، إذ بقدر ما تتقلّص وتضمحلّ الأخلاق بقدر ما يتزايد الغشّ والغشاشون في أي مجتمع، فلا جدوى من علاج لهذه الظاهرة بجميع مسكنات الدنيا من مناهج مستوردة لا تأخذ مبدئيا بعين الاعتبار البعد التربوي والأخلاقي، لكونه يعتبر النواة الأساسية لإقامة البناء على أرضية صلبة ثابتة، ولقد صدق الرسول الكريم (ص) عندما قال: "إن لم تستحي فاصنع ما شئت".