القانون لا يحمي المستضعفين

"كل فرد يحقق مصلحته في الخفاء عن أعين المجتمع أو تكتشفه أعين المجتمع وتشنقه على باب المدينة، وأسوأ ما في الأمر أن تحقيق المصالح في الخفاء لا بد أن يدعو بالطبع إلى نوع من النفاق الاجتماعي الذي ينتهي عادة بأن يرتكب كل فرد في المجتمع نفس الرذائل في الخفاء ويطالب بشنق من يرتكبها علنا، إنها أعظم ملامح الجهل على الإطلاق" الأديب الليبي الراحل الصادق النيهوم رحمه الله
"أنت-على عكس الله-تعتبر الإنسان جثة تزن سبعين رطلاً من اللحم والشحم، أنت-على عكس الله-لا يهمك شيء وراء الجثة ولا تتردد لحظة واحدة في أن تلصق بالإنسان أسوأ ما تعرفه من النعوت، أنت-على عكس الله-تحكم بالظواهر، وتقاتل من أجل الظواهر، وتعتبر جارك مجرد خنزير، لكنه-عندما يموت-تتراجع خطوتين وترفض أن تأكل جثته الطاهرة، أنت في الواقع فكر متناقض إلى حد يدعو إلى الدهشة، والمضحك حقاً أنك تضع هذا الفكر في عداد الفضائل السماوية وتنسبه بالذات إلى الله" الأديب الليبي الراحل الصادق النيهوم رحمه الله
يعتبر مُؤَلَّفُ 'مِحْنَةُ ثَقَافَةٍ مُزَوَّرَةٍ'  للكاتب الليبي الراحل الصادق النيهوم رحمه الله  إحدى الروائع لهذا الأديب الروائي  الفيلسوف الظاهرة، الذي تهكم على الجميع وفضح نفاق الجميع ابتداء من الأسرة مرورا بالمجتمع وانتهاء بالعالم أجمع، ثم جلس في الأخير وحده في من بعدما جف الحبر بين أصابعه، ودب المرض في جميع أنحاء جسده المنهك المتداعي، ثم ما لبث أن غادر هذه الحضارة الفاسدة المتعفنة وحيدا بمدينة جنيف بسويسرا في أواسط تسعينيات القرن الماضي، حيث حلق في الأعالي بعيدا عن نفاق وكذب وانتهازية وجحود  بني البشر، ولم يشيع جنازته التي مرت بصمت إلا نفر قليل من الناس وكثير من الغموض الذي طبع حياته وموته ومواقفه.
من باكورة أعماله في التهكم والسخرية اللذان برع فيهما براعة فائقة، ولا يضاهيه فيهما أي كاتب عربي آخر، تحدث مرة  عن المحتالين من السياسيين ممن يظنون أنفسهم ممثلين للسكان مع من يؤازرونهم من الفسدة من الساسة وحراس القانون، بينما هم في حقيقة الأمر مجرد لصوص ومزورين ومنتحلين لصفات لا تتناسب معهم مطلقا فقال: 
إذا اجتمع خمسة محتالين في المحطة واقترح أحدهم أن يبيعوا القطار للعُمْدَة، وتَمَّ قبول الاقتراح بعد مناقشة بأغلبية الأصوات، وقَبِلَ العمدة أن يشتري لنفسه قطارا فإن ذلك اسمه ديمقراطية، لكنه ليس بِشُورَى لأن المصطلح الأوروبي مستمد من دستور رأسمالي لا يحمي المغفلين، والمصطلح الإسلامي مستمد من دستور موجه لحماية المغفلين قبل سواهم.
والقول بأن القانون لايحمي المغفلين مبدأ رأسمالي لا مَفَرَّ منه لضمان حرية الكسب، لكن المغفل الذي يعنيه هذا القانون ليس هو العُمْدَة، بل هو كل مواطن لا يحمي حقه أو لا يستطيع أن يحميه، ابتداء من سكان المستعمرات إلى الزنوج والعمال والنساء والأطفال والشيوخ، وبموجب هذا التشريع لم يتمكن مظلوم واحد في التاريخ من أن ينال حقه سلميا أمام محكمة رأسمالية، فلم يكن بوسع سكان المستعمرات أن يستعيدوا أراضيهم إلا بمعارك دامية، ولم يكن بوسع الزنوج والعمال والنساء أن يظفروا بحق المساواة والعمل إلا بحروب حقيقية جرت داخل المدن الرأسمالية نفسها تحت سمع وبصر القانون، ولا تزال تجري يوميا حتى الآن.
فالمغفلون أمام القانون الرأسمالي هم المستضعفون الذين فرض القرآن الجهاد من أجلهم، لأن رأس المال ليس شريعة لتحرير الناس من الإقطاع، بل مرحلة متطورة من مراحل الإقطاع نفسه، لا تهمه شرعية الربح بقدر ما يهمه الربح لذاته.
والواقع أن حي بروكلين قلعة الرأسمالية الحديثة الـمُقام على أرض اشتراها المهاجرون الهولنديون من الهنود الحمر بمبلغ قدره خمسة عشر دولارا فقط لا غير، وهي صفقة أسوأ من بيع القطار للعمدة، لأن أحفاد الهنود الحمر الذين تقدموا إلى القضاء الأمريكي مطالبين بتعويضهم من هذه الخدعة ما زالوا يدفعون أتعاب المحامين حتى الآن.

هناك تعليق واحد:

  1. جميل , هذا الرجل احد ابناء عمومتي

    ردحذف