أعمدة السلطة الثلاث: العنف والمال والمعرفة

السماء لازوردية وجبال تبدو على بُعد ووقع حوافر لجواد يقترب، ثم إذا بنا نشاهد راكباً وحيداً يدنو شيئاً فشيئاً وأشعة الشمس تنعكس من مهمازه، إن أي شخص جلس في دار عرض مظلمة وهو مأخوذ بما يشاهده من أفلام الكابوي أيام طفولته يعرف أن السلطة تنبع من فوهة مسدس.
لقد أخرجت لنا هوليوود فلماً إثر فلم شاهدنا فيه راعي بقر منفرداً وهو مقبل راكباً جواداً من حيث لاندري، ثم يدخل في مبارزة مع الشرير، يُعيد بعدها مسدسه إلى حافظته ويذهب ممتطياً جواده ليختفي مرة أخرى في ضباب الأفق، إذن لقد تعلمنا نحن الأطفال أن السلطة تأتي من العنف.
لكن كانت هنالك شخصية خلفية في كثير من تلك الأفلام يجسدها رجل حسن الملبس بارز الكرش يجلس خلف مكتب كبير من الخشب اللامع، هذا الرجل هو نموذج مجسد للجشع والنهم، كان أيضاً ينضح بالسلطة والهيمنة، فهو الذي كان يمول السكة الحديد أو أصحاب الماشية الناهبين للأراضي، أو غيرهم من قوى الشر، إذا كان البطل الكاوبوي يمثل السلطة النابعة من العنف، فإن هذه الشخصية – وهو صاحب المصرف في العادة – كانت ترمز للسلطة النابعة من المال، كذلك كانت هنالك شخصية مهمة ثالثة في كثير من أفلام رعاة البقر يجسدها صحفي أومدرس أو قس أو امرأة متعلمة ممن جاءوا يسعون من الشرق لغاية إصلاحية.
وفي عالم من الرجال الأفظاظ الذين كانوا يطلقون النار أولاً ويوجهون الأسئلة بعد ذلك، لم تكن هذه الشخصية تمثل الخير المعنوي المكافح للشر فحسب، بل أيضاً السلطة النابعة من الثقافة والمعرفة المتقدمة بالعالم الخارجي، ومع أن هذا الشخص غالباً ماكان يخرج منتصراً في النهاية إلاَّ أن ذلك كان يُعزى عادة إلى تحالفه مع البطل صاحب المسدس، أو إلى ضربة حظ مفاجئة كالعثور على ذهب في النهر أو الحصول على ميراث غير متوقع.
إن المعرفة سلطة كما قال لنا فرانسيس بيكون، لكن لكي تنتصر المعرفة في فيلم لرعاة البقر عليها عادة أن تتحالف مع العنف أو المال، وبطبيعة الحال فإن المال والثقافة والعنف ليست هي المصادر الوحيدة للسلطة في الحياة اليومية، كما أن السلطة ليست خيراً ولاشراً، إنها بُعد من أبعاد العلاقات الإنسانية كلها تقريباً، إنها في الواقع المقابل المبادل للرغبة، ولما كانت رغبات الإنسان متنوعة ومتغايرة فإن أي شئ يمكن أن يشبع رغبة شخص ما يكون مصدراً محتملاً للسلطة، فموزع المخدرات الذي يمكنه الامتناع عن إعطائه جرعة للمدمن يملك سلطة عليه، وإذا ما رغب السياسي في أصوات الناخبين فإن هؤلاء يكون لديهم سلطة عندئذٍ، لكن من بين المصادر المحتملة التي لاحصر لها تظل مصادر السلطة الثلاثة التي ترمز إليها أفلام رعاة البقر أي العنف والثروة والمعرفة أهمها على الإطلاق ويتخذ كل مصدر منها أشكالاً عديدة مختلفة في لعبة السلطة، فالعنف مثلاً يحتاج لأن يكون فعلياً، إذ أن التهديد باستخدامه غالباً مايكفي للحصول على التجاوب والإذعان، ويمكن التهديد بالعنف وراء القانون أيضاً، (نحن نستخدم كلمة عنف) في هذه الصفحات بمعناها المجازي، لا الحرفي – لتشمل القوة ( Force) علاوة على القسر المادي، بل إن هذه العناصر الثلاثة جميعاً يمكن استخدامها على كل مستوى من مستويات الحياة الاجتماعية تقريباً، بدءًا من البيئة الخصوصية للأسرة وانتهاءً بساحة السياسة.
ففي مجال الأسرة الخصوصي يمكن لأب أن يصفع طفله (استخدام القوة) أو يقطع عنه المصروف أو يرشوه بدولار (استخدام المال أو ما يناظره) أو –وهذا أكثر الوسائل فعالية– أن يكيف قيم الطفل بحيث يتوق الطفل نفسه للامتثال، أما في السياسة فيمكن للحكومة أن تسجن أوتعذب منشقاً أو تعاقب منتقديها أو تكافئ أنصارها مالياً، كما يمكنها أن تكيف الحقيقة لخلق جو من القبول والرضى.
وكما تفعل آلات الصنع (التي تستطيع صنع مزيد من الآلات) يمكن للقوة والثروة والمعرفة –إذا استخدمت كما ينبغي– أن تهيئ للمرء التحكم في مصادر نفوذ إضافية عديدة أكثر تنوعاً، وهكذا مهما كانت أدوات السلطة الأخرى التي يمكن استغلالها من قِبَل صفوة حاكمة أو من قبل أفراد في علاقاتهم الخاصة، فإن القوة والثروة والمعرفة تبقى أهم هذه الأدوات على الإطلاق، إنها تشكل أعمدة السلطة الثلاثة.
صحيح أن كل تحول أو نقل للسلطة ليس ناتجاً عن استخدام هذه الأدوات الثلاث فحسب، إنما تنتقل السلطة من يد إلى أخرى نتيجة لأحداث طبيعية عديدة، فـالموت الأسود الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر غَيَّبَ في القبور الأقوياء والضعفاء على حد سواء، مخلفاً فراغات عديدة وسط الصفوة فيمن تبقى من المجتمعات، والمصادفة أيضاً يمكنها أن تؤثر على توزيع السلطة في المجتمع، لكن عندما نقوم بالتركيز على الإنسان من تصرفات ذات هدف والتساؤل عمَّا يجعل الناس والمجتمعات تُذعِن لرغبات ذوي السلطة والنفوذ سنجد أنفسنا مرة أخرى إزاء ثالوث العضل والمال والعقل.
وتشمل السلطة، في أكثر أشكالها سفورا، استخدام العنف والثروة والمعرفة بأشمل معانيها لجعل الناس تتصرف بطريقة معينة، 
إن التركيز على هذا الثالوث وتعريف السلطة على هذا النحو يتيحان لنا تحليلها بطريقة جديدة تماماً لنكشف، ربما بصورة أوضح من ذي قبل، كيف أن السلطة يتم استخدامها للتحكم في مسلكنا من المهد إلى اللحد، ولايمكننا، سوى بإدراك هذه الحقيقة، أن نحدد ونبدل تلك التراكيب السلطوية البالية المهددة لمستقبلنا.

ضفاف متوهجة بتصرف عن:
 'تـحول السلطة' لألفين توفلر (1928-2016)  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق