البشرية على مفترق طرق خطير

إلى أمد غير بعيد كانت حياة الكثير من البشر على كوكب الأرض تتسم بالبساطة والكفاف والتكافل الاجتماعي بين الناس، ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي ونتيجة للتطور التكنولوجي ازدحمت سماء الأرض بالمئات من الأقمار الاصطناعية، مرسلة إشارات لاسلكية للحداثة التي صارت تنعم بها حتى أكثر الشعوب تخلفا.
فبواسطة الصور الموحدة على شاشات أجهزة التلفزيون تتشابه الأحلام والأماني من الأمازون حتى جاكارتا، لقد اقتلعت الأطباق المستقبلة والأنترنت لما ترسله الأقمار الاصطناعية، ملايين البشر من حياتها القروية البسيطة رامية بهم في أبعاد فلكية غير مسبوقة، لدرجة أنه لو قُدر لسبع مليارات من البشر أن يصوتوا على الحياة التي يريدونها ويتمنونها لكانت التشكيلة المرتقبة التي تجمع بين فيلا في البحر الكاريبي والرفاهية السويدية حلم الأحلام بالنسبة لها، ولصار العطش لديها يرتبط مباشرة بالحاجة إلى دراكولا عفوا كوكاكولا، ولا أدل على ذلك هو الفرار الجماعي المتزايد باطراد للمنتحرين من دول الجنوب الفقيرة  سواء بأمريكا الجنوبية أو أفريقيا  أو وآسيا، هروبا من البؤس والحرمان والحروب والاقتتال نحو ما يظنونه في عقولهم فردوس الوفرة والرفاه المادي بأمريكا الشمالية وأوروبا.
لقد أصبح سحر السيارة الخاصة  عظيما في المجتمعات المتقدمة أو المتخلفة على حد سواء، فهي ليست وسيلة نقل فحسب، إنها مظهر من مظاهر الرقي الاجتماعي الذي يتنافس ويتعارك عليه البشر لدرجة الهلاك، وشاهد على الثروة والقوة والحرية الشخصية المزعومة، إذ من المتوقع أن يتضاعف عددها في العالم عام 2020 ليصل إلى ملياري سيارة، وهكذا لم تعد ثمة إمكانية بالتحكم فيما ينفثه هذا الكم الهائل من السيارات من غازات وسموم في جو الأرض، إنه بالمعنى الصحيح أن البشرية في طريقها لا محالة لتخريب بيتها بأيديها وتحقيق كارثة بيئية لم يسبق لها نظير، فتمة تحول جذري بأبعاد عالمية، إذ لم يعد التقدم والرخاء هي المصطلحات السائدة بل صار التدهور الاقتصادي والتدمير البيئي والانحطاط الثقافي والاندحار الأخلاقي هي الأمور التي تخيم بغيومها السوداء على الحياة اليومية للغالبية العظمى من البشرية.
وحسب العديد من الأخصائيين فإن 20 في المائة من السكان العاملين ستكفي خلال عشرينيات القرن الحالي للحفاظ على نشاط الاقتصاد الدولي لإنتاج جميع السلع وسد حاجة الخدمات الرفيعة التي يحتاج إليها المجتمع البقري عفوا البشري، بمعنى آخر أن هذه ال 20 بالمائة هي التي ستعمل وتكسب المال وتستهلك، أما ال80 بالمائة من الطبقة السفلى فستواجه بالتأكيد مشاكل عويصة في حياتها الأرضية، لدرجة أن المسألة مستقبلا ستكون بالأساس هي إما أن تَأْكُلَ أو تُؤْكَلْ.
وقد بدأنا نلمس أثر ذلك عن كثب في الدول التي يعتمد اقتصادها على ما يسمى بالسياحة، وهي في حقيقة الأمر فساد وإفساد، بحيث تحول من يسمون ب'المواطنين' بهتانا وكذبا في هذه الدول إلى مجموعة من العبيد والخدم والسخرة والقوادين للأسياد الجدد من أصحاب الأموال، يخافون مَنْ يجثم على صدورهم ويحبس أنفاسهم أكثر مما يخافون الله، يفعلون ما يُؤمرون بدون تفكير ولا نقاش في خدمة من يدفع أكثر من البقشيش، إذ لا شيء يعلو فوق رنين النهود والنقود عند هاته الأقوام المعمية ورب الكعبة.
وأخذ يسود أرجاء كثيرة من المعمور بنايات فخمة وأحياء عالية الحداثة والتقنية على أبوابها حراس غلاظ شداد دون مراعاة للمشاعر الإنسانية ولما يحيط بها من بؤس وفاقة وحرمان في مدن قهر وجوع وإذلال، يسكنها مليارات من البشر لا يسدون رمقهم إلا بالكاد، ولم تعد هناك لغة مشتركة، بل لم يعد هناك قاموس مشترك لتسمية المشكلات، فمصطلحات من قبيل "التحرر" و"التقدم" و"العدالة الاجتماعية" و"العدل والإنصاف" لم يبق لها أي معنى يذكر، لقد مُسِخت كما مُسِخ الكثير من بني البشر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق