لك الله يا مراكش في الذين جعلوا منك 'بانكوك أفريقيا'


جاء في كتاب 'الرحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتية" للمؤرخ الفقيه والمصلح والأديب ابن المؤقت المراكشي رحمه الله (1882-1949)  عن أغرب العادات القبيحة والبدع المتبعة بالحضرة المراكشية :" أي شيء أحكيه لك في عادات مدينة عمرت قهواتها، وفرغت مساجدها، وتفرنج شبانها، وتبرجت نساؤها، وغاض ماؤها، وفاض شرها، وانعكس شعاعها، وتغير حالها، وطُبع على جل قلوب أهلها"، كان هذا عند بداية القرن العشرين، أما اليوم فقد بلغ السيل الزبا واختلت كل الموازين، ويمكن القول أن مراكش أضحت هي الأخرى مقلوبة ومشقلبة تُقْرَأُ من المؤخرة إلى المقدمة على وزن 'شكارم' أو 'Shakarem' كما يروق ويحلو لأدنياء النفوس وذوي الضمائر الخبيثة.
ويمكنني إضافة إلى ما قاله ابن المؤقت المراكشي رحمه الله الاسترسال سجعا في سرد البعض من المحدثات فأقول: فارتفعت في السماء بالسحت عماراتها، وتقاسم المحتالون والانتهازيون فضاءاتها عندما ترأس المجالس رُوَيْبِضاؤها، وتواطأ في العلن عمرانها واستثمارها، فأشعلوها حربا شعواء وسعيرا اكتوى بهما المستضعفون الراغبون في مساكنها وشققها، وزحف الإسمنت على معظم عراصيها ونخيلها وجداولها وخطاراتها، وصارت وردة ذابلة الجمال من بعدما تم اغتيال براءتها، وبيعت في المزاد العلني للمفسدين والمفسدات رياضاتها وعقاراتها ومآثرها، واغتنى فجأة الحفاة العراة رعاة شاتها، وضاقت الأرض بما رحبت بأصحاب أرضها، فأضحوا غرباء من بعدما كانوا أشرافها وأعزها، وازدحمت حتى الاختناق بالتفاهات والكبرياء والأنا شوارعها، وانتشرت كالنار في الهشيم سموم المخدرات والمهلوسات في أرجاءها، وصارت وكرا للجريمة والدعارة على أشكالها، عندما تواطأ حاميها مع حراميها، وتحطمت عزة الإسلام على صخور جليز الصلدة وروادها، وتفنن الإفرنج واليهود والأعراب المكبوتين الأشد كفرا ونفاقا في هتك أعراض أطفالها وبناتها ونساءها، وسمى ذلك فنا وانفتاحا في سماءها "open skyوصارت على الشبكة المسخوطة مثالا للرذيلة والانحراف والخروقات على أشكالها، وأضحى كل من هب ودب من أذنياء النفوس يسابقون الزمن للاستقرار بها، فانهارت قيمها وهوى في قعر اليم شموخها، وخفت نورها ونضب إشعاعها، هذه مراكش الحمراء في زمان غير زمانها وفي حضرة أهل غير أهلها، يُرثي الشريف العزيز لحالها ومآلها، ويراها المخنثون والمخنثات والديوثيون والديوثيات في أوج جمالها ورونقها وانفتاحها وتحررها.
هذه مراكش صامدة على النذر اليسير مما تبقى من أيام مجدها وعزها من بعدما انهار شموخها، هذه مراكش التي افتقدت رجالاتها من الشرفاء الصالحين ومن الأحرار الثائرين في انتظار أن يأذن الله بالمصير المحتوم لها، قد يُفلح المفسدون والمفسدات بعض الوقت في خدش كرامتها، لكن التاريخ يشهد أن الحمراء كان على مر العصور الله لها، فوا عجبا لعيون لا ترى ما ينبغي أن يُرى!!! لكنه من المؤكد أن هذه العيون سوف تصلح عاجلا أم آجلا ليُبْكَى طويلا بها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق