لن ترضى عنا اليهود ولا النصارى حتى نتبع ملتهم

القرارات القادمة من مؤتمر بكين والدفاع المستميت عن جماعات اللواط والسحاق وعن حقوق المرأة في اختيار الدعارة مهنة إذا أحبتها، وعن حق المرأة في أن تحمل ممن تشاء شرعا أو سفاحا وأن تُجهِض نفسها متى تشاء، والنظر إلى العفة والوفاء الزوجي والطهارة الجسدية على أنها رجعية وتخلف، وعروض الأزياء الأخيرة التي تظهر في ال CNN وغيرها من المحطات التلفزيونية الجادة والمحترمة والتي تظهر فيها العارضات عاريات "بلبوط"، وهذه هي المرأة التي تريد أن تقاسم الرجل السلطة وأن يكون لها صوت مساو لصوته في إدارة دفة الحكم،  أي حكم هذا الذي يسوقوننا إليه ؟؟!!.
إن أبسط توصيف لما يجرى أنه عودة إلى جاهلية، جاهلية جديدة في عصر الفضاء والذرة والإلكترونيات، ورغم هذا العلم يعود الإنسان إلى الوراء، إلى جاهلية غريبة يستسلم فيها لشهواته وأهوائه ويتغلب فيه الحيوان داخله وتتحكم فيه نزواته وشهواته، وهذه المرة تُطالِبُ الشهوات بالشرعية وتُتَوَّجُ الغرائز الحيوانية لتصبح حقوقا، وتسمى النزوات انفتاحا والشذوذ تقدما، ثم يُطْلَبُ من شعوب العالم أن تبصم وتوقع وتتحالف عليها ضغوط من دول كبرى تملك مقدراتها، ومن يرفض التوقيع ويتخلف عن الركب لن يكون له نصيب في المعونات ولا في القروض ولا في التسهيلات الاقتصادية، وسوف ينظر إليه على أنه رجعي وبدائي وخارج عن القطيع المتحضر.
وهذه الهجمة سبقتها في السنوات العشر الأخيرة مدفعية من الأفلام السينمائية الهابطة والمسلسلات التلفزيونية ذات الطابع الجنسي وكوكبة من البرامج الفاحشة التي تبثها الأقمار الفضائية، وعشرات من مجلات "السكس" ومطبوعات "البلاي بوي" "وألبومات" العرى ونوادي العرى وطوفان من الماريجوانا والكوكايين والهروين وعقاقير الهلوسة يتدفق على الشباب من كل قنوات التهريب، ومن قبل ذلك منشورات الماركسية وكتب الوجودية وفلسفات الإلحاد وما فعلته في نسف الأساس الذي تقوم عليه حضارتنا الإيمانية، وما فعلته مدارس الفن الجديدة التي جعلت من القبح والهمجية والفوضى مقدسات وآلهة معبودة ورموز للجمال في لوحات بلا معنى،كل هذا كان مقدمة وتمهيدا مطلوبا قبل أن تسفر هذه الجماعات عن وجهها البشع في مثل هذا المؤتمر.
كانت هناك عملية تسلل إلى الجذور وعملية تسميم للينابيع، ثم تكرار للمشهد العاري وإلحاح عليه في كل فيلم حتى يصبح مشهدا عاديا وإشادة بالخيانة الجنسية حتى تصبح أمرا طبيعيا مألوفا، ثم تُصبِح رمزا للثورة والتحرر والتقدمية، ثم ها هم هؤلاء أخيرا يجلسون حول موائد مستديرة وعلى ملأ من العالم  يتحدثون في تعالم وجدية شديدة وبدون خجل عن شرعية اللواط  وحق الدعارة للمرأة إذا اختارت لنفسها الدعارة وحق السحاقية في أن تساحق من تحب، ونحاول نحن في حياء أن نبحث للمصيبة عن صياغة أكثر قبولا، ونحاول أن نضع عبارة بديلة أكثر وقارا، ونشعر نحن بالخجل ويشعر بعضنا أنه دقة قديمة ويشعر بعضنا أنه ولد في الزمن الضائع،  وأنه حفرية اجتماعية انتهى عصرها،  ويخشى البعض أن يفتح فمه فيتهم بأنه متخلف.
ولكن الحقيقة يا سادة أننا نواجه جاهلية شرسة، وأن هناك اغتيالا منظما للدين والقيم والأخلاق وكل ما تعارفنا عليه بأنه نبيل وشريف، وأن الجزء الأكبر من هذا الاغتيال مهد له التلفزيون والفيلم السينمائي والمسرح والكتاب والفن التشكيلي وفلسفات الإلحاد في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من هذا القرن، وإننا نحصد زراعات قديمة زرعوها في عقولنا وفي أذواقنا، وأننا أطفال أُسِيئَتْ تربيتهم في مدرسة الفنون وفي المحضن الإعلامي في القرن الأخير، ماذا كان يفعل بنا التلفزيون ؟؟!!، وماذا كان يفعل بأمثالنا ممن كانوا يحملقون في الشاشة الصغيرة في كل بلد على أنها واجهة التقدم وثمرة العلم والعبقرية، كنا نتشرب في انبهار كل ما يظهر على الشاشة، وكان طول الجلوس وإدمان النظر في التلفزيون يؤدي بنا إلى تفريغ عاطفي ينتهي بنا إلى شعور بالخواء والوحدة والإكتئاب ثم إحساس بالإعياء والخمول، ولم يكن التلفزيون يجمع شمل الأسرة بل كان يفرق أفرادها ويحول كل فرد فيها إلى جزيرة منعزلة، كل فرد كان يتحول إلى دائرة مغلقة بين عين وشاشة،  وينتهي بذلك التواصل والحوار في الأسرة وتتحول كلها إل عيون محملقة محمرة من السهر كل عين في واد، وقد تحول التلفزيون في الدول النامية والشمولية إلى جهاز سيادي وآلة سياسية لقهر الشعوب قهرا لذيذا مسليا وأفضى إلى غسيل ممتع لمخها برضاها واختيارها، وأصبح لونا جذابا من الإدمان يتعاطاه الشباب للنسيان والتغييب وقتل الوقت والترويح، ولم يكن الترويح يؤدى إلى راحة بل إلى خمول وسلبية وإعياء نفسي أكثر فأكثر، وبالتدريج فقد التلفزيون تأثيره وتحول إلى مجرد عادة مثل مضغ اللبان وفقد دوره السياسي، فلم يعد أحد يلتفت إلى ما يذاع أو يهتم بما يقال، وأصبحت عين المشاهد تبحث بلهفة عن السيقان والصدور العارية والفناء المكشوف والمضمون الهابط والحوار المبتذل والفوازير والمسابقات والهزليات المضحكة، واتخذ الأطفال من الشاشة الصغيرة ملهما جديدا ومعلما للآداب الواجبة نحو البيت، فهو يتعلم من مدرسة المشاغبين والعيال كبرت كيف يعامل أباه وأمه، وأبوه هو الآخر يأخذ الدكتوراه من مسرح الشارع الذي يسهر كل يوم مع حزمنى يا بابا، هذه هي الينابيع الجديدة التي أصبح يشرب منها صغارنا وكبارنا، وكان طبيعيا أن نتغير بالتدريج من الداخل، وتلك كانت الفرشة والتمهيد النفسي لما يجرى الآن من اغتيال حضاري في هذا المؤتمر الوقور الذي يمتلئ بالعلماء وأشباه العلماء وما يتردد صداه من كلام كبير ومصطلحات 'مكلكعة' ومحاضرات علمية متخصصة موغلة في التخصص والغموض بهدف واحد محدد في النهاية هو أن نفقد هويتنا ونفقد أخلاقنا ونتحول إلى توابع وأجرام فضائية صغيرة تدور حول شمس الغرب التي بدأت في المغيب .
وليست هذه نبوءة بل حقيقة،  فالأخلاق هي النسيج الضام الذي يصنع من الأفراد أسرة وبدونها تنفرط الأسرة فلا أخوة بدون تآخ ولا عائلة بدون أمومة متفرغة حانية ولا بيت بدون مودة ورحمة وتعاطف ووفاء، وبيوت مشغولة باللواط والسحاق سوف تقضي على نفسها بالعقم حيث لا نسل ولا إنجاب، إنها أمم تنتحر ومجتمعات تموت، إنهم يُنزِلون الحب من عرشه ويضعون مكانه النزوة، وينزلون الله من قدسيته ويضعون مكانه العلم، ويخلعون الدين من محرابه ويضعون مكانه الدولار، في مستقبل محفوف بالأخطار سوف يشح فيه الماء ويسود الجفاف وترتفع حرارة الأرض وتذوب الثلوج وتخرق السواحل ويهلك الزرع والضرع، وفى مواجهة مؤشرات بازدياد الزلازل وتفاقم التلوث، سوف يواجهون كل هذا بمجتمعات ينخر فيها سوس المخدرات والانحلال وعلماء عظام يصرخون يا علم يا هندسة وراثية  يا كمبيوتر يا إليكترون سبحــــــــــــــــــــــــانك!!!، وسوف يرد عليهم ربهم الذي لم يعرفوه كما رد في الماضي على أقوام عاد وثمود.
 أما نحن، فإننا للأسف أضعف من أن نرد، ولا يملك الواحد منا إلا أن يغلق على نفسه باب بيته  ويرابط في آخر ثغور المعركة في خندق ضميره، يسأل الله النجدة صارخا كما كان يصرخ موسى داعيا ربه على قوم فرعون الذين طغوا بأموالهم في الأرض : "وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ" يونس آية 88، وطغيان الأقوياء بأموالهم وعلومهم أشد من طغيان فرعون وعصابته، وقد أعطاهم الله من العلوم ومن أسباب القوة ما لم يعط فرعون، فطغوا واستأسدوا وسادوا الدنيا بفسادهم وركبوا أكتاف الضعفاء وملأوا الدنيا بضجيجهم وملأوا الفضاء بطائراتهم وأقمارهم ووصلوا إلى المنعطف الأخير حيث لم يكتفوا بالاستيلاء على ثروات الضعفاء بل رغبوا في الاستيلاء عل عقولهم وضمائرهم، وذلك هو الخندق الأخير الذي بقى لنا حيث لم يجعل الله لأي قوة سلطانا ولا مدخلا إلى الضمير، وذلك هو قدس أقداس النفس لا تقتحمه قوة إلا إذا اختارت النفس أن تفتح لها الباب وأن تستسلم وتخضع لها اختيارا، لا توجد قوة في الأرض تجعلني أحب رغما عني ما لا أحب  وأرضى رغما عني ما لا أرضى، وهذا هو المخبأ الوحيد الذي تبقى لي والذي لا تستطيع أن تدمره قنبلة ذرية أو هيدروجينية، فلا تيأسوا يا إخوتي مادام في كل منكم ضمير حي وإرادة رافضة لكل هذا الذي يجري، وفى كتاب المواقف والمخاطبات للنفري يقول ربنا لعبده مؤكدا على تلك القوة التي جعلها الله في داخل الإنسان :"يا عبد أنت منى، أنت تليني، وكل شيء في الوجود يأتي بعدك، لاشيء يقدر عليك إذا عرفت مقامك ولزمت مقامك، فأنت أقوى من الأرض والسماء، أقوى من الجنة والنار، أقوى من الحروف والأسماء، أقوى من كل ما بدا في دنيا وآخرة"، وهذا يا إخواني هو العبد الرباني الذي لا يخشى شيئا ولا يهاب شيئا، ولاشيء يقدر عليه ولا قوة ترهبه ولا طاغوت يصل إليه، وهذا هو مخبؤنا الأخير من فساد هذا العالم وطغيانه وتلك قوتنا حينما نفقد كل قوة، ونحن بخير ونحن بمنجاة من هذه الجاهلية ما بقي إيماننا وما بقيت ثقتنا بالله وبكتابنا.
    ضفـــــاف متـــــــوهجة عـن
عظمـــــاء الدنيا وعظمـــــاء
الآخـــــرة-مصطفى محمــــود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق