التدريس بالدارجة المغربية مؤامرة خبيثة وعملية انتحارية

يقول المهاتما غاندي: " أريد أن تعبر كل ثقافات الأرض بيتي متى شاءت ذلك، لكنني أرفض أن أبلل ولو قدمي بواحدة منها"، و عندما يقول المهاتما غاندي بأنه يرفض أن يبلل ولو قدميه بواحدة من تلك الثقافات فإنه يُدرك جيدا ما يقول، لأن هذا الرجل القانوني التكوين لمس عن كثب المقاصد والغايات والدسائس والمؤامرات التي كان يحيكها في الظلام جهابذة "الاستعمار" البريطاني للهند، وذاق خلال حياته الأمرين من البريطانيين وكيدهم، غير أنه لم يتزحزح قيد أنملة عن مبادئه وأفكاره المنبثقة من إرادته الحرة التي تأبى الذل والهوان.
ولما ينغمس المرء ويغرق في ثقافة غير ثقافته الأم حتى الأذنين، فإنه يصبح إنسانا ذيليا وجرما ضئيلا في منتهى الصغر يحقر نفسه وذاته ولغته، و تراه في نفس الوقت يمجد أسياده ويطوف حولهم طوافا مستديما ويفتخر كل الافتخار بالتحدث بلغتهم والاقتداء بأفعالهم وأقوالهم، ملبيا رغباتهم ومنفذا خططهم وسياساتهم، فاقدا بذلك كل إرادة حرة واستقلال وكرامة وعزة وانتماء.
وعلى مر التاريخ كانت الدول المستعلية والمستكبرة تفرض دائما لغتها على الدول الأخرى المستضعفة بدعوى كونها مستعمرات سابقة لها، يجب أن تبقى تدور في فلكها وتسبح بحمدها وتمجد لغتها في منتجاتها وإداراتها وشوارعها وحديثها وجميع مظاهر حياتها اليومية، مما يستحيل معه أن يبقى لتلك الدولة المستضعفة استقلال حقيقي بما في ذلك للكلمة من معنى، ومن المعلوم أن النخب الفركفونية بالمغرب معروفة بعداءها الشديد والمطلق للغة العربية والتشريع الإسلامي، وتسعى بشتى الطرق للقضاء على الهوية العربية الإسلامية، حتى تبقى اللغة الفرنسية هي لغة الدراسة والإدارة في البلاد، وهكذا يظهر جلياً أن اللوب الفركفونيي هو رمز للتغريب والفرنكفونية والعلمانية بكل أبعادها الخطيرة عـلـى الـبـلاد والـعـبـاد، مـن اجـتـثاث البلاد من هويتها الإسلامية والعربية والزج بها في متاهات الضياع والتبعية الثقافية للغرب عموماً ولفرنسا خصوصاً، ويظهر ذلك جليا في منظومتنا التعليمية خصوصا في مجال التعليم العالي، بحيث يتم التركيز على اللغة الفرنسية كلغة أساسية للتعليم سواء تعلق الأمر بالعلوم والتكنولوجيا أو بالـعـلــوم الإنـسـانـيـة، بينما تظل اللغة العربية المسكينة التي فقدت رجالاتها الأحرار الغيورين غريبة في عقر دارها وبين أهلها، تدرس فقط كلغة ثانية كغيرها من اللغات الأجنبية.
ويرى اللوبي الفرنكفوني -المستحكم في معظم دواليب الدولة بالمغرب- في أوروبا والغرب عامة وفرنسا خاصة النموذج الأمثل والقدوة المثلى التي يجب الاقتداء بها والنهل من معينها الفياض الذي لا ينضب، في حين ينظر بازدراء واحتقار إلى التراث الإسلامي العربي الذي لا يرى فيه سوى التأخر والرجعية والظلامية والتخلف وغير ذلك من المصطلحات التي يزخر بها قاموس اللوبي الفرنكفوني العلماني المتغرب، هذا اللوبي الجبان الذي كثيرا ما ترى أفراده، العابسة المتجهمة وجوههم علينا نحن أبناء الوطن، مستسلمين مبتسمين ترتعد فرائصهم ويعرقون وينشفون أمام أسيادهم الفرنسيس بمجرد التفكير بالحديث معهم باللغة الوطنية في عقر الوطن.. وهل من مذلة أكثر من ذلك؟
ويعتبر هذا الأمر في حد ذاته تغريبا خطيرا بشكل لم يسبق له نظير، ينبأ بتفتيت الهوية الثقافية والاجتماعية للبلد، والدارس للتاريخ يلمس عن كتب أن هذا الواقع لم يكن موجوداً في العصور الأولى للإسلام لما  كانت العلاقة بين المسلمين وغيرهم تقوم على أساس دار الإسلام ودار الكفر، فجاء الغرب في زمن عنفوانه وصعود نجمه وأدخل واقعاً جديداً، فبعد أن تمكن من إيجاد موطئ لأقدامه في بلاد المسلمين، أحاط نفسه وأهله بهالة من الهيبة والاحترام، وفرض نفسه على النظام الاجتماعي القائم في بلاد المسلمين، وتقلد الوظائف القيادية، وسـاهـمــت حـكـومات بلاد المسلمين العلمانية في تدعيم هذه الهيبة، وزاد الغرب من هيبته في عيون المسلمين بما أدخله عليهم من صناعات وتكنولوجيا ومعرفة وإدارة وفي ميادين مهمة انفرد بها، وكان نتيجة ذلك أن ظهر الغربيون للمسلمين على أنهم هم الأسمى وهم الطبقة العليا، وهذه لعمري هي العقدة النفسية التاريخية التي ما زالت إلى يومنا هذا تجثم على صدور العرب من المحيط إلى الخليج لدرجة تكاد أن تقطع أنفاسهم، ومن هنا تغيرت القيم، فأصبح الغرب وأهله هدفاً مرغوباً يسعى بعض المسلمين للانتفاع به، كما ينتفعون بصناعاته ومنتجاته، وسهلت هذه الهيبة عند المسلمين طريق محاكاة أسلوب الحياة والسلوك والأخلاقيات والاتجاهات الغربية، ثم جاء الانهيار الكبير حينما قلد المسلمون الغربيين في فتورهم نحو دينهم وعدم مبالاتهم به، وهو آخر ما كان يخطط له الغرب بمهارة وإتقان منذ زمن بعيد، و عمد الغرب بهذا الواقع الجديد إلى ضرب التوازن المستقر الذي أوجده الإسلام بين طبقات المجتمع الـمختلفـة وإلـى تمزيق الشرايين الحيوية التي تجري بين الطبقات العليا والدنيا وإيجاد تناقضات بينها، إلى أن ينتهي الأمر بأن تنظر الطبقة العليا إلى الطبقة الدنيا على أنها جماعة من المتخلفين الـبـدائـيـيـن الذين يمثلون ما يسميه الغرب بالوجه الفقير لثقافة الإسلام التقليدية.
ولقد عرف الناس مغبة من أخذ العلم بغير لغة أمته من قديم وشاعت في الناس حكمة يرددونها : "إن التعليم باللغات الأخرى ينقل بعض الأفراد إلى العلم، ولكن التعليم باللغة الوطنية ينقل كل العلم إلى الأمة"، وتبعا لذلك تُقطع الأمة التي استبدلت لغتها عن تراثها وأصلها، فتنشأ أجيالها المقطوعة فاقدة لكل هوية..لا تراث ولا انتماء لها، وهذا مما ييسر احتواء هذه الأجيال وإذلالها إذلال الأغبياء المستسلمين للنخبة المثقفة المتغربة التي تحسب نفسها الوحيدة صاحبة الأهلية والوصية على المجتمع برمته، ومن تم التحكم في توجيهها كما يُتَحَكّم في جهاز التلفاز بالرموكنترول، ولقد طغى الأمر حتى كان من أفراد الأمة ومثقفيها من يستنكف عن الحديث بلغة بلاده أو التعامل بلهجة أهله، وينظر إلى لغته وثقافة أمته بازدراء كبير، وأصبح من هؤلاء المتغربين من يتباهى باللغة الفرنسية والتحدث بها في كل ناد لا لشيء سوى لأنه يجيد لغتها، بينما يقف صما بكما كحمار الشيخ في العقبة، ويواجه صعوبات جمة لنطق جملة واحدة بالعربية الفصحى دون نصب الفاعل ورفع المفعول به، وإلصاق جميع زلاته وأخطائه في النحو والإعراب للغة العربية، وبذلك غدا كل واحد منهم كأنما هو فرنسي طبع حياته في جوانبها المختلفة بطابع الحياة الفرنسية، ولا شك أن ذلك يفصح للناس عن أثر اللغة البعيد الذي قد لا يظن بعضنا أنه يصل إلى نحو من هذا السلوك التغريبي الخطير في حياة الإنسان.
إنّ محاولة القضاء على اللغة العربية أو النيل منها، على أيّ وجه من أوجه النيل المتعددة، سواء ما استُتِرَ تحت وجه الإصلاح، أو تظاهر بادعاء التطوير، أو التفجير اللغوي، أو الدعوة إلى العامية (الدارجة المغربية) أو لغة السوق الهجينة الفاقدة لكل ذوق وتهذيب وانضباط لغوي كما أصبحنا نسمع يوميا في وسائل الإعلام السمعية منها والبصرية والمكتوبة من حفنة من 'البراهيش' و فئة من المثقفين المشبوهين الذين ما انفكوا يدورون في فلك ماماهم فرنسا، هو الهدف الذي يسعى إليه اللوبي الفرنكفوني بكل قوة وإصرار من أجل الوصول إلى الهدف الأخير ألا وهو الهدم الحقيقي لركائز الدين الإسلامي من الوجود والتخطيط لاقتلاع جذوره أو قلب حقائقه حتى يصبح دين الماخور وعلب الليل والخمارات بجوار المسجد في تناغم وتسامح وانسجام.
والواقع أن دعوة من يسمون أنفسهم بالمثقفين والأكادميين إلى 'أَدْرَجَةِ' التعليم أي اعتماد الدارجة المغربية في جميع مراحل التعليم الأساسي بدعوى أنها لغة شديدة الصعوبة وعسيرة في قواعدها وإعرابها اللذان يشكلان كابوسا مخيفا للدارجة التي يتكلم بها الشعب، والتي لا نحو ولا إعراب فيها ولا ضوابط لغوية مستحكمة وقوية أي بكل بساطة 'لهجة السيبة والتسلكَيط'، لم تعد صالحة للمجتمع العصري المتحضر، وعاجزة  عن مسايرة مصطلحات العلوم والأداب والفنون العصرية وبكل ما قدمته الحضارة الغربية الحديثة للعالم، هي في حقيقة الأمر دعوة باطلة من أساسها، أولا لأن اللغة العربية هي لغة اشتقاق تقوم على أبواب الفعل الثلاثي والتي لا وجود لها في أي لغة لاتينية مكتوبة على وجه الأرض كما جاء في الموسوعة الغنية والرائعة 'مقدمات العلوم والمناهج' للدكتور أنور الجندي، مما يجعلها من أثرى وأغنى اللغات في العالم التي يمكنها أن تسع اصطلاحا ولفظا وغاية كل الفكر الإنساني برمته، ثانيا لأن هذا المسعى الخبيث الـمُطالِب بالتدريس بالدارجة المغربية  تُشتم منه رائحة المؤامرة الهادفة إلى ضرب القرآن الكريم في الصميم عن طريق تهميش بل إقصاء اللغة العربية الفصحى، وما يستتبع ذلك  من طمس لتراث الحضارة العربية الإسلامية الذي راكمته على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا، ومن تم تكوين أجيال  هجينة تائهة بدون بوصلة من أشباه المتعلمين لا مرجعية دينية وأخلاقية وثقافية وتاريخية وحضارية لها.. إذا ما الريح هبت مالت حيث تميل، ولقد سبقت فرنسا الاستعمارية هؤلاء المتآمرين المتعصبين لدرجة الهذيان للهجاتهم الضحلة البائدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما وضعت الظهير البربري الذي لاقى استهجانا ومعارضة قوية من طرف كل المغاربة الذين أحبطوا تلك المؤامرة الفرنسية الخبيثة، والتي كانت تروم زرع الفتنة والفرقة في المجتمع المغربي، ومن تم تدمير أواصر العقيدة الإسلامية التي تربط بين كل مكوناته، والوصول في الأخير إلى الهدف النهائي المخطط له منذ أمد بعيد ألا وهو القضاء على اللغة العربية، أي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم ويٌقرأ بها في كل بقاع المعمور.
والحق يقال أن الحرب المفتوحة على اللغة العربية سعيا وراء إسكات صوت القرآن العربي المبين، ليست وليدة اليوم بل تعود إلى مئات السنين الخوالي، ولقد نشأت أولى خطواتها في بلاد الإفرنج عن طريق البعثاث التبشيرية المستمرة في عملها التقويضي داخل البلاد الإسلامية والمدعوم بسخاء مالي منقطع النظير إلى يومنا هذا، وعن طريق المستشرقين الذين ساهموا بدرجة كبيرة في ترجمة القرآن إلى العديد من اللغات الإفرنجية، وذلك ليس حبا فيه ولكن كي يفصلوه فصلا عن لغته الأم ليسهل عند ذلك تحريفه وتقويله مما ليس فيه، ثم ما لبثت أن انتقلت الحرب المفتوحة على اللغة العربية إلى بلاد السلمين عن طريق أبناءها من المتغربين ومن المتعصبين الأمازيغ للهجات محلية فلكلورية هزيلة ضحلة ومتجاوزة بدون ضوابط لغوية ومحدودة الأفق، ولا يمكنها في أي حال من الأحوال أن تبلغ ولو مثقال ذرة من سمو وعظمة وسعة اللغة العربية الفصحى بكل ما في الكلمة من معنى.
ومن المعلوم أن أي بناء بدون أساس وقاعدة صلبة يقوم عليها من السهل أن يتداعى في أول هزة ولو كانت طفيفة، وأساس العرب والمسلمين ورمز فخرهم وعزتهم ووحدتهم هو القرآن، فإن تم فصلهم أو تغييبهم عنه بطريقة أو بأخرى  تداعى كيان المسلمين برمته، وسهل إذاك اقتيادهم كما تقود الذئاب الخرفان إلى المجزرة.
ومن الغريب حقا أن تتجرأ  حفنة من المتغربين ومن المتعصبين الأمازيغ المتفرنسين من أشباه المتعلمين كي تستغل  التلفاز العمومي فيما  يُسمى ببرامج حوارية للتطاول والطعن في اللغة العربية ورميها بالقصور والهوان ومحاولة تضليل الشعب المغربي بكون اللهجة الدارجة هي خاتم سليمان والحل السحري لجميع المشاكل العويصة التي يتخبط فيها التعليم ببلادنا، بلسان حاقد على كل ما يمت للإسلام بصلة، نفس الجماعة التي تمسكنت حتى تمكنت فدسترت لهجتها الكاريكاتورية الفلكلورية المضحكة المتجاوزة التي تستحم في ضباب ما قبل التاريخ، ثم شمرت بعد ذلك عن سواعدها وحملت معاول هدم هذه اللغة الشامخة الخالدة في تواطئ فاضح مع أعداء الإسلام من الصليبيين أمثال 'اللورد كرومر' والكثير من أمثاله ، أفيكون كل هذا التخطيط المحكم والطويل النفس من غريب الصدف؟؟؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق