يا صاحبي


يا صاحبي: إنني لست على ما يبدو لك مني، فما مظاهري سوى رداء دقيق الصنع محوك من خيوط التساهل والحسنى، ألتف به ليدرأ عني تطفلك ويقيك من إهمالي وتغافلي، وأما ذاتي الخفية الكبرى التي أدعوها أنا فسر غامض مكنون في أعماق سكون نفسي ولا يدركه أحد سواي، وهناك سيبقى أبدا غامضا مستترا.
يا صاحبي: إنني أود أن لا تصدق ما أقول وأن لا تثق بما أفعل، لأن أقوالي ليست سوى صدى أفكارك، وأفعالي ليست سوى أشباح آمالك.
يا صاحبي: عندما تقول لي: "الريح تهب شرقا"، أجيبك على الفور قائلا: "نعم إنها تهب شرقا"، لأنني لا أريد أن يخطر لك أن أفكاري السابحة مع أمواج البحر لا تستطيع أن تحلق طائرة على متون الرياح، أما أنت فقد مزقت الأرياح نسيج أفكارك القديمة البالية فبت قاصرا عن إدراك أفكاري العميقة المرفرفة فوق البحار، وحسن أنك لم تدرك كنهها لأنني أريد أن أمشي على البحر وحدي.
يا صاحبي: عندما تبزغ شمس نهارك تدنو ظلمة ليلي، ومع ذلك فإني أحدثك من وراء ستائر ظلمتي عن أشعة الشمس الذهبية التي ترقص عند الظهيرة على قمم الجبال وعما تحدثه في رقصها من الظلال الظليلة المنسابة إلى الأودية والحقول، أحدثك عن كل ذلك لأنك لا تستطيع أن تسمع أناشيد ظلمتي ولا أن ترى خفقان جناحي بين النجوم، وما أحلى أنك لا تسمع ولا ترى ذلك لأني أوثر أن أسامر الليل وحدي.
يا صاحبي: عندما تصعد إلى سمائك أهبط إلى جحيمي، ومع أنه تفصلني عنك هوة لا يُستطاع عبورها تظل تناديني قائلا: "يا رفيقي...يا صاحبي"، فأجيبك: "يا رفيقي...يا صاحبي"، لأنني لا أريد أن ترى جحيمي، فإن لهيبه يحرق باصرتيك ودخانه يسد منخريك، أما أنا فإنني أضن بجحيمي أن يزوره من كان على شاكلتك، لأنني أفضل أن أكون في جحيمي وحدي.
يا صاحبي: أنت تقول إنك تعشق الحق والفضيلة والجمال، وأنا أقول مقتديا بك إنه يليق بالإنسان أن يعشق مثل هذه المناقب، غير أنني أضحك من محبتك في قلبي ساترا ضحكي عنك، لأنني أريد أن أضحك وحدي.
يا صاحبي: إنك رجل فاضل متيقظ حكيم، بل إنك رجل كامل، ولذلك فإني ضنا بكرامتك أخاطبك بحكمة وتيقظ، ولكني مجنون منجذب عن العالم الذي تقطنه أنت إلى عالم غريب بعيد، وإنني أستر عنك جنوني لأنني أود أن أكون مجنونا وحدي.
أنت لست بصاحبي يا صاح!، ولكن كيف السبيل لإقناعك فتفقه وتفهم؟، إن طريقي غير طريقك ولكننا نمشي معا جنبا إلى جنب.
                        جبران خليل جبران

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق