ازدواجية أو تشيزوفرينيا!


من الأمراض النفسية الخطيرة التي تنخر في أجساد المجتمعات المتخلفة هو مرض ازدواج الشخصية، فالطفل في المدرسة يُربّى على المواعظ والنصائح المثالية كقصص الأنبياء، وعدالة الخلفاء الراشدين، وأولياء الله الصالحين، والزهد والعدل والصدق والواجب، وحسن الخلق والمساواة والفضيلة والعلم، والعفو والتسامح والعفة والصبر، والشرف والشجاعة والرحمة والحياء، والتواضع لله والأمانة والاستقامة، والإخلاص والإحسان والرفق بالحيوان، فإذا خرج إلى الشارع وجد نفسه منجرفا في تيار قوي من الاعتبارات الاجتماعية الغوغائية والرعاعية الضالعة في الفحش والبذاءة والانحرافات الخطيرة في القول والفعل، حتى إذا ما شب واشتد عوده وجد نفسه مكدرا ومشتت الأفكار، لا مبادئ ولا أخلاق ولا قيم، لا يثبت على حال من الأحوال، ينطبق عليه قول الشاعر إذا ما الريح مالت مال حيث تميل.
أما عن تربية 'الأبناء' عند الجيران فحدث ولا حرج، فعندما يقترن جاهل بجاهلة فتلكم هي الطامة الكبرى والمصيبة العظمى التي ما بعدها مصيبة، لأن نسلهم السيء السمعة  الذي يأتي صدفة بأعداد هائلة كياجوج وماجوج عن شهوة بهيمية عشوائية عابرة سوف يكون لا محالة عبارة عن الجهل أس اثنين يعني الجهل مضروب في الجهل، مما يتولد عنه ستة وأربعون كروموسوما جاهلا، وماذا بإمكان الدين أو العلم أو القانون أن يفعل أمام هذا المارد الخطير.
وهذا النسل الخبيث السيء السمعة هو من قال فيه الشاعر المصري الكبير رائد مدرسة الإحياء والبعث في الشعر العربي الحديث محمود سامي البارودي:
إلى الله أَشْكُو طُولَ لَيْلِي وَجَـــــــارَةً       تَبِيتُ إِلَى وَقْتِ الصّبَاحِ بِأَعْــــــوَالِ
لَهَا صِبْيَةٌ لاَ بـَـــــــــــــــــــــــــــــارَكَ الله فِيهِـمُ      قِبَاحُ النّوَاصِي لاَ يَنَمْنَ عَلى حَالِ
فَيَا رَبُّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ تَصَبُّراً     عَلَى مَا أُقَاسِيهِ وَخُـذْهُمْ بِــــزِلْـــــــــــزَالِ
أما عن المساجد التي ينصت فيها المصلون بخشوع على ما يظهر منهم والله أعلم إلى خطب الوعظ والإرشاد يوم الجمعة تنفيذا لقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون" الآية رقم 9 من سورة الجمعة، فإنه بمجرد انتهاء صلاة الجمعة يعود القوم إلى معاملاتهم اليومية بما يرافقها من ظلم وغش وكذب ورياء وصفاقة ونفاق وتدليس ونـميمة وتطفيف في الموازين وغير ذلك من الآفات الخطيرة التي تهدد بانشطار تماسك المجتمع، ويُسْقِطُونَ بذلك قول الله تعالى " فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" الآية رقم 10 من سورة الجمعة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتعداه إلى أخطر من ذلك، ولسوف يعتبر المرء من المحظوظين إذا غادر المسجد بسلام بعد أداء صلاة الجمعة وحذائه في رجليه، وإلا خرج حفيانا إلى الشارع العام والحنق  يكاد يصل به  مداه كي يلعن المصلين أجمعين، فإن كان عند المرء حذاء من النوع الرفيع فنصيحتي له لوجه الله تعالى أن يضعه تحت بطنه  وقت السجود أو أن يحتذي حذاء مثل حذاء تشارلي تشابلن للذهاب إلى المسجد كي لا يُثير الانتباه أكثر لجماعة من اللصوص،  الذين يسجدون قائلين الله أكبر وعيونهم على أحد الأحذية من النوع الرفيع، الذي بمجرد الرفع  من السجود سيكون قد اختفى إلى الأبد.... أجركم الله في الحذاء.
وهذه الإزدواجية تجدها في شتى أوجه الحياة حتى أصبحت عادات متأصلة ومستحكمة في المجتمع، فخلال الأعراس عادة ما يستدعي أصحاب العرس فرقا موسيقية من شيخات ومجموعات غنائية عصرية بآلاتها الصاخبة، ومع ذلك يصر هؤلاء أن ينغصوا نوم كل سكان الحي فقط لأن اثنين سوف يتناكحان... وما دخلنا نحن؟، باستعمالهم لمكبرات الصوت كأنها هدير الرعد تُسمع من مسافات بعيدة طوال الليل حتى الصباح، فما بالك بالجوار، وخلال ذلك تسمعهم يرددون: "إلى جاه النبي، الله مع الجاه العالي"، فأي نبي هذا الذي سيسمح ويُجيز مثل هذا الأذى وهذا التخلف وهذه الهرطقة؟ إلا نبي كمسيلمة الكذاب، وفي هذه الأجواء لا يمكن لأي شخص أن ينام حتى ولوكان أصما أبكما، أو مصابا حتى بالشلل التام حفظنا الله وإياكم من الأهواء والأدواء، والرسول الكريم (ص) يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره".
وقد تُصادف شخصا يتمشى في الشارع العام فيبصق بصقة ملونة مشكلة كأنها لوحة زيتية رُسِمَتْ بخرطوم فيل، وآخر كالقرد النسناس يتناول موزة فيرمي بقشرتها أرضا بغير اكتراث، فتمر سيدة تمشي بوقار واحترام فلا تشعر بنفسها إلا وأرجلها مرفوعة في السماء، فتنهض من سقطتها وقد فقدت هدوءها وسكينتها ووقارها وهي تسب وتشتم ببذاءة فظيعة ومنقطعة النظير، وتحملق في المارة بغيض واحتقار لدرجة أن الجميع يسرع الخطى لينجو بجلده حتى لا تنقض عليه وتشبعه قمشا ولكما، والرسول الكريم (ص) يقول: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان".
وقد تقوم يوما ما بجولة في مدينتك فتكتشف ما يفعله المتبولون والمتغوطون بآثارها وحيطانها وعراصيها من إهانة مادية ومعنوية بالغة، مع ما يرافق ذلك من تلويث للبيئة الطبيعية وتشويهها، وما ينتج عن ذلك من أضرر الروائح الكريهة التي تعمي العيون وتزكم الأنوف خصوصا في فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة، فعلى طول الأسوار القديمة للمدينة اتخذ المتبولون آثار أسلافهم مراحيض عمومية في الهواء الطلق، وإنني لأخجل أحيانا من نفسي عندما يلتقط السياح الأجانب صورا لمثل هؤلاء المفسدين أثناء القيام بفعلتهم، وأتساءل مع نفسي هل توجد أمة من الأمم في العالم تتبول على حضارتها وتاريخها؟؟، وحتى في المساحات الخضراء، وبالقرب من مسجد الكتبية وصومعته التاريخية، وعلى جنبات الضريح المتواضع والمتهالك لأمير المسلمين المجاهد يوسف بن تاشفين مؤسس مدينة مراكش تجد آثار تبول وغائط لأوباش فعلوا فعلتهم في الخفاء هناك، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول:"من غسَل سَخِيمتَه (أي الغائط) على طريق من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
أما إذا ما أخذت الصف يوما ما احتراما للآخرين لأخذ حافلة النقل أو لاستخراج أموال من بنك أو غير ذلك مما يستدعي التحضر والوقوق في الصفوف، فإنك سوف تبقى وحدك كالمغفل أو الأخرق واقفا مع قلة قليلة من أبناء الأصل في الخلف لأن الجميع حذقين و"قافزين" لا يحتاجون لصف ولم يتربوا على صف، بل تربوا على الفوضى والشغب والحسد والميول إلى النزاع لأتفه الأسباب، وإن لم يجدوا من ينازعهم من الغرباء مالوا إلى النزاع مع أبناء عمومتهم أو إخوانهم، والرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يقول: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله".
وقد يقودك القدر يوما ما لقضاء مأرب ملح من مآربك بإحدى الإدارات الحكومية من ولايات وعمالات وشرطة ودرك وإدارات عمومية وشبه عمومية وقيادات ومحاكم ومستشفيات وقباضات ضرائب وغيرها، فبمجرد دخولك سوف ترى أناسا مميزين عنا نحن الجالسون المستضعفون في صالة الانتظار أو الغبن والاحتقار في الواقع، ولفترات زمنية طويلة ومملة ومحطمة لكل كرامة إنسانية، أُناس يدخلون الباب الأعلى، والعالي هو الله سبحانه تعالى، ويخرجون وعلامات الزهو والافتخار والرضى بادية على محياهم، وتُدرك عندها أنك مواطن من الدرجة العاشرة أو أكثر من ذلك بكثير، عليك دائما بالانتظار ولا شي غير الانتظار أينما ارتحلت وحللت في أرجاء وطنك، وفوق ذلك كله من الحكمة التزام الصمت وعدم الكلام حتى يأذن لك ذو الشأن والمكان، وإن حاولت في مثل هاته المواقف تطبيق مقولة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، فإن استعملت الطريقة الأولى أو الثانية، فنظرا لاختلال موازين القوى كما يُقال في الحروب، فلا ريب سوف يقع لك ما وقع لبراقش، وتصيح بذكرك الركبان: "هذا ما جنته على نفسها براقش"، وبراقش هي كلبة أهلكت نفسها و قبيلتها المستضعفة في حرب من إحدى الحروب بين القبائل العربية أيام الجاهلية، عند ذلك تكتفي بالطريقة الثالثة كما يكتفي المستضعفون الآخرون، وتقول في قرارة قلبك ذلك أضعف الإيمان، وحسبي الله ونعم الوكيل.
أما فيما يخص قانون السير فحدث ولا حرج نظرا للارتفاع المهول الذي تعرفه حوادث السير ببلادنا، ولعل عدم احترام إشارات المرور داخل المدن من طرف مرتادي الطريق من أصحاب السيارات والدراجات النارية والعادية وحتى أصحاب العربات المجرورة بواسطة الدواب تعطي للمرء صورة قاتمة عن مدى تخلفنا وعدم احترامنا لبعضنا البعض، فكثيرا ما ترى هؤلاء الأقوام عند اقترابهم من إشارات المرور يخفضون من سرعتهم، ثم يلتفتون يمينا وشمالا ليتأكدوا من عدم وجود رجال شرطة المرور،بعد ذلك يرفعون من سرعتهم و"يحرقون" الضوء الأحمر بدون خجل ولا وجل، فمثل هؤلاء الجبناء يخافون من البشر الفاني ولا يخشون الله الحي الذي لا يموت، والأدهى والأمر في  هؤلاء الجهلة هو إفساحهم دائما المجال لليهود والنصارى لقطع الطريق  في أمن وأمان، بينما يتقاتلون ويتفانون فيما بينهم ويرسل بعضهم بعضا  إلى أقسام المستعجلات، ولا أخفيكم كم مرة قطعت الطريق وأنا أتخذ هؤلاء اليهود والنصارى دروعا بشرية لحمايتي من بطش وعدوانية هؤلاء الجهلة من الأوباش والرعاع. 
وقد تشاهد غير ما مرة وقوف بعض أفراد الأمن بأبواب الخمارات والعلب الليلية والمواخير لضمان سلامة المكان ومرتاديه من المخنثين والمخنثات الثملين والثاملات حتى النخاع من فتيان وفتيات، في حين تسمع شخصا "مقرقبا" يحمل سيفا كسيف ذِي يَزَنْ يلوح به ويطارد مجموعة من المستضعفين أتوا لأداء صلاة الصبح بأحد المساجد، ولن يجدوا من منقذ لهم إلا سيقانهم التي يطلقونها للريح.
أما فيما يخص معضلة الخمور بالمغرب فهي بكل صراحة كلها طرافة، لأن البلد الذي ينص الدستور في بابه الأول أحكام عامة-الفصل الثالث: "الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية"، فإنه يحتل المرتبة الأولى كأكبر منتج  للخمور في العالم العربي، بحيث يُنتج 40 مليون لتر من   الخمور سنويا، تضخ  موارد مالية هامة في خزينة الدولة، فحسب أرقام وزارة المالية المغربية يدر هذا النشاط على الدولة عائدات ضريبيَّة تقدر بـ130 مليون يورو وتشغل حوالي 20 ألف عامل، ويستهلك الـمسلمون المغاربة 130 مليون لتر من الخمور سنويا رغم أنف  الظهير الشريف المؤرخ بتاريخ 1967،  والذي ينص في بنده الثامن والعشرين: "يـُمـنَع على مستغل كل مؤسسة تتوقف على رخصة أن يبيع أو يقدم مجانا مشروبات كحولية أو ممزوجة بالكحول إلى المغاربة المسلمين"!!!
وما زال في الكلام بقية... ولكن الله يرحم الوالدين من الأفضل أن تتركوني ملتزما الصمت عند هذا الحد حتى لا أتفوه بما لا تحبون.... ف'الحُـــرّْ بَالْغَمْزَة وُالعَبْدْ بَالدَّبْزَة' كما يقول المثل الشعبي المغربي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق