معركة أنوال التاريخية المجيدة

حلت يوم الخميس 21 يوليوز 2016  الذكرى 95 لمعركة أنوال التاريخية المجيدة، وتعد معركة أنوال من أهم المعارك التاريخية التي شهدها العالم الحديث في القرن العشرين، وقد خاضها المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الاستعمار الصبليوني معتمدا في ذلك على حرب شعبية  تحررية كان لها صيت عالمي كبير في أرجاء المعمور.
فقد خرج مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 بتفتيت الإمبراطورية المغربية الشريفة ووضعها تحت الحماية الأجنبية، فاستهدف  الصبليون  شماله و جنوبه بينما ركز الفرنسيس على وسطه، أما طنجة فأضحت منطقة دولية تبعا لبروتوكول طنجة الـمُمْضَى سنة 1925 من طرف القوى الاستعمارية الإمبريالية الثلاث من فرنسيس وسبليون وإنجليز.
وقد واجه الصبليون أثناء تغلغلهم في منطقة الريف الشرقي مقاومة شرسة وحركة جهادية قادها محمد الشريف أمزيان من سنة 1906 إلى 1912، وكانت حملة الشريف الدفاعية منصبة على عرقلة تغلغل الصبليون في منطقة أزغنغان بعد مده للسكة الحديدية لاستغلال مناجم الحديد في أفرا وجبل إكسان، وقد كبد الشريف هؤلاء الغزاة خسائر مادية وبشرية، كما قضى على ثورة الجيلالي الزرهوني والذي يُلقب في المغرب ببو حمارة أو الروكي، وبعد وفاة الشريف أمزيان في 15 ماي 1912 واصلت أسرة عبد الكريم الخطابي المجاهدة النضال المستميث ضد التكالب الاستعماري الصبليوني والفرنساوي ووقفت في وجه أطماع الحكام الصبليون والطبقة الأرستقراطية المناصرة لسياسة الحرب وأطماع الحزب الحاكم.
ولما أحس محمد بن عبدالكريم الخطابي بأطماع الصبليون في الريف الشرقي التي تتمثل في احتلال الحسيمة و الحصول على خيرات الريف واستغلال معادنها بعد استيلائها على الناظور وتطوان والاستعداد للانقضاض على ثورة الريسوني لاحتلال شفشاون، قرر محمد بن عبدالكريم الخطابي أن يؤسس إمارة جهادية وذلك بتوحيد قبائل الريف مثل كزناية و بني ورياغل و بني توزين وتمسمان، وأسس إمارته على أحكام شريعة الله وأنظمة الإدارة الحديثة، وأبعد الريفيين عن الفوضى و الثأر وأجبرهم على الاحتكام إلى عدالة الشرع والقضاء الإسلاميين، وبهذا أحدث عهد عبد الكريم قطيعة بين عهدين: عهد السيبة والفوضى الذي امتد من أواخر القرن 19 إلى أوائل العقد الثاني من القرن العشرين، بكل ما شهده من سخائم و نعرات عشائرية وعهد الثورة التحريرية الممتدة من 1921 إلى 1926، إذ عرف الريف عدة إصلاحات وفي مقدمتها القضاء على حدة الفوضى و الثأر.
ولما عرف محمد بن عبد الكريم نوايا حكومة الصبليون الاستعمارية نظم جيشه أحسن تنظيم على الرغم من نقص العدد والعدة، وكان الخطابي مثالا في الشجاعة والبطولة و العدل والتشبع بالإسلام، لذلك اتخذه الريفيون بطلا جماهيريا يقود ثورة شعبية من الجبليين والفلاحين للدفاع عن ممتلكاتهم و أعراضهم باسم الجهاد والحق المبين، ولايعني هذا أن إمارة الريف كانت مستقلة عن السلطة المركزية، بل كانت موالية لها أتم الولاء والخضوع والاحترام، والإمارة فرضتها الظروف المرحلية و العسكرية، وقد أثبت جرمان عياش في كتابه "أصول حرب الريف" هذه التبعية والولاء عندما أقام المؤلف "لائحة بأسماء عمال مخزنيين تمتد من 1835 إلى 1900 وتشهد على استمرار حضور ممثلين عن المخزن في الإقليم، كما كشف عن وجود ست قصبات في مختلف أنحاء الريف ترابط بها حاميات مخزنية، وكل هذا يدل على أن الريف كان خاضعا للسلطة المركزية على عكس ما تدعيه الروايات الأجنبية البغيضة التي كانت كل همها منكبا على تفتيت وحدة المغرب.
ولم تكن ثورة الريف التحريرية لمحمد بن عبد الكريم الخطابي بدافع إقليمي، بل كانت بدافع وطني ضد الاستعمار وبدافع قومي لتحرير الشعوب الإسلامية من ربقة الاستعمار والجهل والتخلف، وإذا انتقلنا إلى سيناريو معركة أنوال فقد بدأ الصبليون يعقدون أملا على احتلال خليج الحسيمة بعد أن عقد المقيم العام الجنرال 'بيرينغير' صلحا مع قبائل الريف واستُقْبِلَ بحفاوة من قبائل الأعيان و بعض الرؤساء من بني ورياغل وبني سعيد وبنطيب، فعاد المقيم العام إلى تطوان متفائلا مسرورا و مشيدا بعمل 'سلفستري' القائد العام للجيوش الغازية المعتدية، كما اطمأن وزير الحرب الصبليوني "إيزا" إلى هذا الوضع المريح عسكريا و سياسيا، وعلى الرغم من هذا التفاؤل الزائد كان الريفيون وخاصة رجال بني سعيد وبني وليشك وأهل كرت على أهبة للانقضاض على عدوهم 'سلفستري' الذي أحرق غلتهم و منازلهم وصادر أغنامهم دون أن يدفع لهم تعويضا مقابل ذلك، ودفعهم إلى الهجرة نحو الجزائر خوفا من بطشه و من موت الفقر والجفاف، وقد اتفق الجنرال 'بيرينغير' مع رئيس الشرطة الأهلية بمليلية الكولونيل 'غبريل موراليس' على التوجه نحو الريف للتفاوض مع محمد بن عبد الكريم الخطابي؛ وذلك بإغرائه برشوة نبلغ 7 ملايين دولار زيادة على أسلحة حديثة و جميع أنواع الذخيرة التي تمكنه من مقاومة الجيش الفرنساوي مقابل التنازل عن خليج الحسيمة، لكن الخطابي رفض هذه المساومات وأصدر أمرا يقضي بفرض غرامات على كل من يتفاوض مع الصبليون في هذه القضية المصيرية، كما هدد هذا الرجل الكبير الصبليون بعدم اجتيازهم وادي أمقران وإلا سيتصدى لهم الأبطال الأشاوس من تمسمان و بني توزين، وقد أثار هذا التهديد حفيظة 'سلفستري' و قرر غزو المنطقة ساخرا من تهديدات محمد بن عبد الكريم الخطابي ومستصغرا من شأنه ومن عدته الحربية.
بعد ذلك بدأ 'سلفستري' في بناء الثكنات و الحاميات العسكرية لتسهيل الإمدادات الحربية وتأمين وجود قواته و تمركزها بشكل أفضل و مقبول في كل المناطق الريفية الإستراتيجية، فاقترب الجنرال من ظهار أبران في أواخر شهر ماي 1921 لمحاصرة الموقع وجس النبض، بيد أن الريفيين تصدوا للجيش الغازي و ألحقوا به هزيمة نكراء، و توجه الثوار بهجوم ضد مركز أبران فاقتحموه وقتلوا جميع من كان فيه من ضباط وجنود إلا عددا قليلا استطاع الهروب والالتحاق إما بأنوال و إما بسيدي إدريس، فأصدر الجنرال 'برينغير' أوامره ل'سلفستري' بعدم التقدم إلى الأمام، لكن هذا الأخير لم يعر أدنى اهتمام لهذه الأوامر وتوجه مباشرة نحو أنوال للسيطرة على الموقع، و هناك نشبت معركة حامية الوطيس دامت خمسة أيام شارك فيها العدو الصبليوني ب25 ألف من الجنود، و لم يحضر إلى أنوال من مجاهدي عبد الكريم سوى 2000 مجاهد، أما الجنود الآخرون فكانوا ينتظرون الفرصة السانحة ويترقبون الأوضاع مع زعيمهم عبد الكريم بأجدير، وفي الساعة السادسة مساء 20 يوليوز 1921 وصل عبد الكريم رفقة 1500 جندي إلى موقع أنوال لتشتعل الحرب حتى صباح يوم 21 يوليوز 1921، و انتهت الحرب بانتحار 'سلفستري' و موت الكولونيل 'موراليس' الذي أرسل عبد الكريم جثته إلى مليلية لأنه كان رئيسه في إدارة الشؤون الأهلية سابقا، وقد اتبع عبد الكريم في هذه المعركة خطة التخندق حول إغريبن ومنع كل الإمدادات و التموينات التي تحاول فك الحصار على جيش العدو،  وكانت الضربة القاضية لمركز  إغريبن عندما أدرك المجاهدون نقطة ضعف الجنود الأسبان المحاصرين المتمثلة في اعتمادهم على استهلاك مياه عين عبد الرحمـن بوادي الحمام الفاصل بين إغريبن وأنوال، فركزوا حصارهم حول هذا النبع المائي و بذلك حُرِمَ الجنود الأسبان من الماء واشتد عطشهم إلى درجة اضطرارهم إلى شرب عصير التوابل وماء العطر و المداد ولعق الأحجار بل وصل بهم الأمر إلى شرب بولهم مع تلذيذه بالسكر كما جاء في المصادر الصبليونية.
وقد تتبعت جيوش عبد الكريم فلول الجيش الصبليوني المتداعي المذعور وألحقت به عدة هزائم في عدة مواقع ومناطق مثل دريوش وجبل العروي وسلوان فأوصله حتى عقر داره بمليلية، وبعد ذلك أصدر عبد الكريم أمره بالتوقف وعدم الدخول إلى مليلية المحصنة لاعتبارات دولية وسياسية وعسكرية، وفي هذا يقول أزرقان مساعده الأيمن في السياسة الخارجية: "نحن الريفيون لم يكن غرضنا التشويش على المخزن من أول أمرنا ولا الخوض في الفتن كيفما كانت ولكن قصدنا الأهم هو الدفاع عن وطننا العزيز الذي كان أسلافنا مدافعين عنه واقتفينا أثرهم في رد الهجومات الإعتدائية التي قام بها الصبليون منذ زمان، وكنا نكتفي بالدفاع عن الهجوم عليه فيما احتله من البلدان مثل مليلية التي كان في طوقنا أخذها بما فيها من غير مكابدة ضحايا جهادية، لكننا لم نفعل ذلك لما كنا نراه في ذلك من وخامة العاقبة، فإنه ليس عندنا جند نظامي يقف عند الحدود التي يراعيها".
و يعترف عبد الكريم بغلطته الكبرى عن عدم استرجاعه لمدينة مليلية المحتلة في مذكراته عندما قال: "على إثر معركة جبل العروي وصَلْتُ أسوار مليلية وتَوقَّفْتُ وكان جهازي العسكري ما يزال في طور النشوء، فكان لابد من السير بحكمة، وعلمت أن الحكومة الأسبانية وجهت نداء عاليا إلى مجموع البلاد وتستعد لأن توجه إلى المغرب كل ما لديها من إمدادات، فاهتممت أنا من جهتي بمضاعفة قواي وإعادة تنظيمها، فوجهت نداء إلى كل سكان الريف الغربي وألححت على جنودي وعلى الكتائب الجديدة الواردة مؤخرا بكل قوة على ألا يسفكوا بالأسرى ولا يسيؤوا معاملتهم، ولكني أوصيتهم في نفس الوقت وبنفس التأكيد على ألا يحتلوا مليلية  اجتنابا لإثارة تعقيدات دولية، وأنا نادم على ذلك بمرارة وكانت هذه غلطتي الكبرى".
ومن نتائج معركة أنوال ما غنمه الريفيون من عتاد عسكري حديث، وفي هذا الصدد يقول عبد الكريم في مذكراته أيضا: "ردت علينا هزيمة أنوال 200 مدفع من عيار 75 أو65 أو 77 وأزيد من 20.000 بندقية ومقادير لا تحصى من القذائف وملايين الخراطيش، وسيارات و شاحنات وتموينا كثيرا يتجاوز الحاجة، وأدوية وأجهزة للتخييم وبالجملة بين عشية وضحاها و بكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشا و نشن حربا كبيرة  وأخذنا 700 أسير وفقد الأسبان 15.000 جندي ما بين قتيل و جريح"، وكان لهذا الانتصار الريفي في معركة أنوال صدى طيب على المستوى الوطني والعربي، وقيل الكثير من الشعر للإشادة بهذه النازلة العظيمة، وقد شاع بعد ذلك أن بعض الأدباء جمع ما قيل في موضوع الحرب في ديوان سماه "الريفيات"، وعلى المستوى الإعلامي وقف الرأي العالمي من الحركة التحريرية الريفية موقفين متقابلين، موقف مؤيد وموقف معارض، فالتيار المعارض هو بطبيعة الحال التيار الكولونيالي المتشبع بالفكر الاستعماري الذي له مصالح كثيرة و مشاريع لها علاقة بالمستعمرات، حيث كان من الطبيعي أن يقف مدافعا و مؤيدا لكل السياسات التي كانت ترمي إلى تقوية النفوذ الاستعماري و خدمة أطماعه ولكن بأقل التضحيات، وكان هذا التيار يتكون من اليمين الأوربي بمفهومه الواسع ومن النخبة الأرستقراطية بصفة خاصة، وقد انضافت إليه ومن تلقاء نفسها أصوات يهودية كانت تعتبر نجاح الثورة الريفية بمثابة القضاء الأكيد على تواجد الجاليات اليهودية بالشمال الإفريقي، أما التيار الثاني فقد كان يشكله أساسا الرأي العام الشيوعي، أما في أمريكا اللاتينية فكان يُنظر إلى عبد الكريم بمثابة بطل ثوري عالمي يشبه عندهم 'سيمون بوليفار' أحد رواد الحركة التحريرية هناك، أما الرأي العام الإسلامي  فقد كان يعلق آمالا كثيرة على نجاح الثورة الريفية، وعبر عن استنكاره في أكثر من مناسبة تضامنا مع المسلمين في الريف لكنه كان مغلوبا على أمره"
ولقد اتُّخِذَت خطة عبد الكريم الحربية تكتيكا عسكريا ومدرسة حربية من الطراز الرفيع في حرب الكر والفر لدى الكثير من الزعماء والمقاومين في حركاتهم التحريرية عبر بقاع العالم لمواجهة الإمبريالية المتغطرسة من أمثال 'هوشي منه' و 'ماوتسي طونغ' و 'عمر المختار 'و 'تشيغيفارا' و'فيديل كاسترو' ولا ننسى كذلك الثورتين الجزائرية و الفلسطينسة.
وكانت لهذه الحرب انعكاسات سياسية و عسكرية خطيرة على الصبليون و الفرنسيس بالخصوص مما اضطرت معه هاتان الدولتان للتحالف مع يانكي الولايات المتحدة الأمريكية للقضاء على الثورة الريفية قبل أن تستفحل شوكة عبد الكريم الذي بدأ يهدد كيان الفرنسيس ويقض مضجعه، فشن التكالب الاستعماري هجوما عنيفا و كاسحا بريا و بحريا وجويا، واستُعْمِلت في هذه الحملة العدائية المحمومة أبشع الأسلحة المتطورة الخطيرة السامة لأول مرة كغاز الخرذل المسبب للسرطان، وتم تجريبها على الريفيين الأبرياء الذين لا زالوا إلى يومنا هذا يعانون من آثارها المدمرة من أجل مطامع استعمارية منحطة ودنيئة ولا إنسانية، ولقد انتهت هذه الهجمات المركزة على معاقل المقاومة الريفية باستسلام مجاهد السلام البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي يوم 26 مايو 1926 لقوات الفرنسيس ليس انهزاما ولكن خوفا على المدنيين العزل من حرب الإبادة الجماعية بواسطة الغازات السامة، و تم نفيه إلى جزيرة لاريونيون "la réunion" إلى حدود سنة 1947، ليستقر بعد ذلك في مصر إلى حين التحاقه بالرفيق الأعلى سنة 1963، وبقي تصريح البطل المجاهد محمد عبدالكريم الخطابي بعد استسلامه مدويا وصالحا لكل زمان ومكان:" حضارتكم مبنية على النار والحديد، تتوفرون على قنابل وقذائف ضخمة لهذا تعتبرون أنفسكم متحضرين،  وليس لدي سوى خراطيش البندقية لهذا فإنكم تعتبروني متوحشا".
ضفـاف متوهجــة بتصرف
عن موسوعـــــــــــــــــة ويكيبيديا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق