الحكمة في شعر المتنبي

المتنبي الشاعر المبدع صاحب الإنتاج الغزير والحكم والأمثال السائرة والمعاني المبتكرة ومفخرة الأدب العربي، الذي مهما قيل عنه من طرف البعض في كون معظم قصائده تدور حول مدح الملوك والأمراء والتزلف لهم، فيكفيه فخرا تميزه وبراعته وتبريزه في شعره الذي لا يضاهيه فيه أي من اللأولين ولا من الآخرين، ويكفيه فخرا أيضا أن تراثه الشعري الذي خلفه من بعده يعد من أعظم وأجود وأجمل ما أنتجه الشعراء على مر العصور، ولعل ما يزخر به شعر المتنبي من أمثال سائرة وحكم مصوغة صياغة محكمة وبلاغة مدهشة وإبداع قل نظيره لخير دليل على ذلك، وهذا ما يتجلى بوضوح في الأبيات التالية التي انتقيتها بكل عناية من أشعاره التي تسمو بلغة الضاد إلى ما فوق الشهب: 
أظمئتني الدنيا فلما جئتها    مستسقيا مطرت عليا مصائب
* * *
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت  على عينيه حتى يرى صدقها كذبا
* * *
وإذا ما خـــــــــــلا الجبـــــــــــــــان بأرض   طلب الطعــــــــن وحده والنـــــــــــــــــزالا
* * *
وليس حياء الوجه في الذئب شيمة   ولكنه من شيمة الأسد الورد
* * *
إذا أنــت أكــــــــــــــــرمت الكريــــــــــــــــــم ملكــــــــته  وإن أنت أكـــــــــــــــرمت اللئيـــــــــــــم تـمـــــــــــــــردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا  مضر كموضع السيف في موضع الندا
* * *
حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب
* * *
أعز مكان في الدنى سرج سابح  وخير جليس في الزمان كتاب
* * *
إذا نلت منك الود فالمال هين  وكل الذي فوق التراب تراب
* * *
عش عزيزا أو مت وأنت كريم  بين طعن القنا وخفق البنود
* * *
فلا يُدِيم ســـــــــــــــرورا ما سررت به    ولا يـــــــــــــــرد عليك الفائت الحــــــــــــــــزن
يا مــــــــن نعيت على بعد بمجلســـــه  كــــــــــل بما زعم الناعون مرتـــــــــهـــــــــــن
ما كل ما يتــــــــــــــمنى المرء مــــــــــــــــــدركه  تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
* * *
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى  عدوا ما من صداقته بد
* * *
فإن قليل الحب بالعقل صالح  وأن كثير الحب بالجهل فاسد
* * *
وكاتم الحب يوم البين منهتك  وصاحب الدمع لا تخفى سرائره
* * *
وإذا أتتك مذمتي من ناقص  فهي الشهادة لي بأني كامل
* * *
أعيدها نظــــــــــــــــــــرات منك صــــــــــــــــــــــــــــــــادقة   أن تحسب الشحم في من شحمه ورم
وما انتفــــــــــــــــــــــــــــــــاع أخي الدنيا بناظــــــــــــــــره   إذا استوت عنده الأنــــــــــــــــــوار والظلــــــــــــــم
إذا رأيــــــــت نيــــــــــــوب اللــــــــــيث بــــــــــــارزة     فــــــــــــــــلا تظنـــــــــــــــن أن اللــــــــــــيث يبتســــــــــــــــم
* * *
غير أن الفتى يـــــــــــــــــلاقي الــــــــــــمنايا   كالــــــــــحات ولا يـــــــــــــــــــلاقي الهـــــــــــوانا
ولو أن الــــــــــحياة تبقــــــــــــــى لــــــــــــــــحي   لعـــــــــــــــددنا أصــــــــــــــــلنا الشجعــــــــــــــــــانا
وإذا لم يكـــــــــــــــــن من الـــــــــــموت بد   فمـن العجــــــــــز أن تكون جــــــــــــــــــبانا
كل ما لم يكن من الصعب في الأ   نفــــــــــــــــس سهل فيها إذا هو كانا
* * *
ومن يك ذا فم مر مريض  يجد مرا به الماء الزلالا
* * *
 ذو العقل يشقى في النعيم بعقلـــــــــه  وأخــــــــــو الجهالة في الشقاوة ينعم
لا تخــــدعنك من عـــــــــــــدوك دمعــــــــــــة   وارحـــــم شبابك من عدو تُرحــــم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى  حتى يُـــــــــراق على جوانبه الـــــــــــــــدم
والظلـــــــم من شِيم النفوس فإن تجد   ذا عفــــــــــــــــة فلعلــــــــــــة لا يظــلــــــــــــــــم
ومن البلية عــــدل من لا يــــــــرعوي   عن غيه وخطــــــــــــاب من لا يفهم
والـــذل يُظهـــــــر في الـــذليل مـــودة   وأود منه لــــمن يـــــــــــود الأرقـــــــــــــــــــــــــــم
ومن العـــــــــــداوة ما ينالك نفعــــــــــه   ومن الصـــــــداقة ما يضر ويؤلـــــــــــم
* * *
يهون علينا أن تصاب جسومنا  وتسلم أعراض لنا وعقول
* * *
ولم أر في عيوب الناس عيبا  كنقص القادرين على التمام
* * *
   ودهــــــــــــــــر ناســــــه ناس صغــــــــــار   وإن كانت لهم جثث ضــــــخام
   وما أنا منهـــــم والعيش فيهــــــــــــــم   ولكن معدن الذهب الرغـــــــام
 خليلك أنت لا من قلت خلي  وإن كثر التجمل والكــــــــــــــلام
* * *
إذا غامرت في شرف مروم   فلا تقنع بما دون النجــــــــــــــوم
فطعم الموت في أمر حقــــــير  كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن العجز فخر   وتلك خديعة الطبع اللئيم
* * *
وإذا كانت النفوس كبارا  تعبت في مرادها الأجسام
* * *
على قدر أهل العزم تأتي العزائم   وتاتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها  وتصغر في عين العظيم العظائم
* * *
لا افتخـــــــــار إلا لمن لا يُضام   مــــــدرك أو مــــحارب لا ينــــام
ذل من يبغض الذليل بعيش   رب عيش أخف من الحِمَام
كل حِلـــــــــم أتى بغير اقتـــــدار  حـــــجة لاجئ إليها اللـــــــــــــــئام
من يهـــن يسهل الـــهوان عليه   ما لــــجـــــرح بــــــميت إيـــــــــــلام
إن بعضا من القريض هـــــــزاء   ليس شــــــــيئا وبعضه أحـــــكام
* * *
في الناس أمثلة تــدور حياتــــها   كمماتها ووماتــــــــــها كحياتـــــها
* * *
ومن ينفق الساعات في جمع ماله  مخافة فقر فالذي فعل الفقر
* * *
فاطلب العز ولو كان في لظى ودع الذل  ولو كان في جنات الخلود
* * *
فلا مجــــــد في الدنيا لمن قل مــــــــــــــــــــاله   ولا مـــــــــــــال في الدنيا لمن قل مجـــــده
وفي الناس من يرضى بميسور عيشة   ومـــــــــــركوبه رجـــــــــــــــــــلاه والنعل جلده
* * *
فأحسن وجه في الورى وجه محسن   وأيمن كف في الورى كف منعم
وأشرفهم من كان أشـــــــــــرف هـــــــمة   وأكــــثر إقــــــــداما على كل معظـــــم
* * *
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه  وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته  وأصبح في ليل من الشك مظلم
* * *
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي   وأسمعت كلماتي من به صمم
* * *
يُحب العاقلون على التصافي    وحب الجاهلين على الوســــــــام
* * *
لا تشتر العبد إلا والعصا معه   إن العبيد لأنجاس مـــــــناكـــــــيد
ليس العبد للحر صالح بأخ   ولو كان في ثياب الحر مولود
* * *
وما التأنيث لاسم الشمس عيب   ولا التــــــــــــــــــــــــــذكير فخــر للهلال
فإن اتفـــــــــــــــــق الأنام وأنت منهــــــم   فإن المسك بعض دم الغـــــــــزال
* * *
من كان فوق محل الشمس موضعه   فليس يرفعه شيء ولا يضـــــــــــــــــــــــع
فقد يُظَن شجـــــــــــاعا من به خــــــــــــــرق   وقد يُظَـــــــــــــــــــــن جبانا من به زمـــــــــع
إن السلاح جــــــــميع الناس تحملـــــــه   وليس كل ذوات المخلب السبع
* * *
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم   يا أمة ضحكت من جهلها الأمم؟
* * *
أنا الغريق فما خوفي من البلل   مصائب قوم عند قوم فوائد
* * *
الخيل والليل والبيداء تعرفني  والسيف والرمح والقرطاس والقلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق