لماذا؟؟؟...


يعتبر الكاتب الفرنسي 'جي دي موباسان' (1850-1893) من عمالقة الأدب الفرنسي الذين ينتمون إلى المدرسة الواقعية الطبيعية في الأدب، التي تقوم الكتابة فيها على الواقع ومحاكاة رموزه ورسم الملامح القصصية والروائية على أساس المخيلة المتفاعلة مع حقائق الحياة، وما تزخر به من متناقضات بانضباط لغوي وتماسك حواري أخاذ وسبك فني رفيع وتواصل زماني ومكاني مسترسل، كأمثال كتاب عباقرة آخرين مثل 'أونوريه دي بلزاك' صاحب روائع مثل 'فسيولوجيا الزواج'، 'الفتاة ذات العيون الذهبية'، 'الأوهام الضائعة'، 'ازدهار وبؤس الغانيات'، ثم  'إيميل زولا' صاحب روائع 'الوحش البشري'، 'الحانة'، 'أبناء روجون ماكار'، 'أنا أتهم'، 'جرمينال'.
إن غنى المواضيع المُتطرق إليها في أعمال الكاتب، والرؤية الشخصية الثاقبة للعالم الناتجة عن ذلك مع التمكن من فن الكتابة، تضع 'جي دي موباسان' في طليعة نثريي القرن التاسع عشر، إذ يعتبر في المقام الأول من أكثر الأدباء الذين تركوا بصمات بارزة لا تنمحي في الأدب الفرنسي، وله عدة أعمال في القصة القصيرة أذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر 'المغناطيس الحي'، 'لقمة القاضي'، 'فاجعة الربيع'، 'نابليون في صباه'، 'الانتقام'، 'الذئب'.
والقصة التالية التي تحكي قصة قاض كان يُقام له ويُقعد، ويعترف له كل الناس بالعدل والإنصاف والصلاح والرؤية السديدة، فإذا به في أعماق وقرارة نفسه يسري في جسمه مجرى الدم الإجرام والقتل وحب سفك الدماء حين يكون بعيدا عن أعين ومراقبة الناس، ولا تنكشف حقيقة ذلك إلا وقت موت هذا القاضي ويقرأ الناس مذكراته التي تركها شاهدا حيا على إجرامه، ويهولهم ويرعبهم ما كان يجيش في خاطره من صور مرعبة، وما ارتكبه من جرائم قتل بدم بارد بتلذذ واستمتاع وانتشاء عز نظيرها وهو قاض يمضي في الناس حكمه ولا أحد حكمه فيه ماض، لأن الناس في كل الأحوال وفي كل زمان ومكان تحكم على المظاهر والله وحده أعلم بالسرائر:
قضى نحبه وهو يشغل أعلى مناصب القضاء، مثال القاضي النزيه العدل، وكانت سيرته الطاهرة العطرة حديث الناس جميعا، واسمه في دوائر القضاء ومجامع رجال القانون يدوي كالطبل، ولطالما انحنى له القضاة والمحامون انحناءة الإجلال والإعظام، ولا يزالون يذكرون ملامح وجهه الجليل الشاحب الموهوب يشع عليه ضياء، بعينيه الغائرتين النفاذتين إلى أعماق القلوب، لقد أمضى ذلك الرجل الحياة كلها يتعقب المجرمين وينصر الضعفاء، ويقتص للمظلومين من الظالمين، وكان اللصوص والسفاحون والنصابون والدجالون والمزورون يعدونه عدوهم الأول، ويخافون شره ويرتعدون منه خوفا كلما مثلوا أمامه، ويحسون كأن عينيه الثاقبتين تقرآن مكنونات الضمائر وخبايا السرائر، وتنفذان إلى قرارات النفوس
مات القاضي الجليل في الثانية والثمانين مأسوفا عليه من سواد الشعب، مُشيّعا بالحسرات والرحمات، وقد مشى الجند في جنازته وحضر دفنه سراة القوم وأعيانهم وبكى عليه الرجال قبل النساء أحر البكاء، ولكنه على أثر دفنه وُجدت رقعة عجيبة الشأن راح الناس من تلقاءها مبهوتين حيارى كأنهم سكارى، ولا يزالون إلى الساعة في عجب من أمره، وكانت هذه الرقعة محفوظة في الملف الذي كان القاضي المتوفى يحفظ فيه مذكراته الجنائية وقد عنونت بهذا العنوان:
لــــمـــــاذا؟؟؟...
وهي تحتوي ما نحن ناشروه اليوم:
20 يونيو سنة....، عدت اليوم من الجلسة بعد إصدار الحكم بالإعدام على المدعو"بلونديل"، ولكني إلى هذه اللحظة لست مرتاح الضمير لهذا الحكم الذي أصدرته، إنني أعرف أن الرجل مذنب، هذه نقطة لا مجال فيها للشك، ولكنني أريد أن أعرف لماذا قتل هذا الرجل أولاده؟، نعم أريد أن أكتشف السبب وسره، كثيرا ما يلتقي أحدنا بأناس يتلذذون بالقتل ويستمتعون بإزهاق الأرواح، واجدين بذلك مسرات أنفسهم، وهذا شيء أفهم وأعرف باعثه، لأن القتل يشبه الإحياء والخلق، وسلب الحياة في عظمته مثل منحها، هذه من أعظم اللذات بلا شك، ولا ريب أن الإعدام والإحياء هما خلاصة التاريخ البشري وقصة حياة الإنسانية.
25 يونيو.... ما معنى الحياة؟.. وما هذا الشيء الذي يحرك المخلوق؟...إنه شيء يتعلق بسر الحركة والإرادة المسيطرة على الحركة، فإذا شاءت هذه الإرادة أحدثت حركة وإذا شاءت أحدثت سكونا، وفي مقدور الإنسان أن يحطم هذه الذرة الصغيرة المتحركة على الأرض والتي نسميها الحياة.
26 يونيو.... وإذا كان كذلك، فلماذا نعد القتل جريمة؟، بالعكس ينبغي أن نعدها قانونا من قوانين الطبيعة، كل إنسان يجب أن يقتل غيره لأجل أن يتمتع هو بالحياة، وأرى أن الإنسان إنما يحيى ليموت ويعيش ليفنى، إن البهائم والطير والأسماك يقتل بعضها بعضا، ثم يأتي  الإنسان فيقتلها جميعا كي يحيا هو، ولكي يتخذ من القتل لذة ولهوا أصبح يخترع الصيد والقنص وما إليهما من صنوف القتل الرياضي والرياضة السفاحة السفاكة، إن الطفل ليقتل الحشرات ويسحق الفراش والذباب ويلتقط الهوام ليبيدها ويفنيها، بل أرى حب القتل غريزة فينا لا تشبع وطبيعة في نفوسنا لا تمل ولا تفل، وليس يكفينا أن نقتل الوحوش والطير والبهائم حتى ترانا نقتل أبناء أبينا آدم أيضا..!! وهذه الغريزة الشرهة المنهومة قد غذيناها من قديم الزمان بأكل اللحوم البشرية وتقديم القرابين والذبائح الآدمية، ولكن القوانين الشديدة التي وضعناها اليوم لأنفسنا قد حرّمت علينا القتل وحذرتنا إياه بصارم العقوبة، فنحن نقتل القاتل ومع ذلك نثير الحروب والمعارك فنسفك فيها ما نشاء من الدماء شفاء لغليلنا وإطفاء لظمئنا، وما معنى الحرب؟.. معناه تذابح الأمم وتناحر الشعوب، وأن يقتل المرء أخاه، ولست أرى الحرب إلا وليمة فاخرة ومأدبة حافلة دموية، ينتشي الجند من حمياها  ويسكر الناس من نشوة طلاها، وترى النساء والأطفال يشاطرون المحاربين هذه اللذة الدموية وإن لم يشهدوا ساحة الوغى، ويصيبون نصيبهم الخيالي من مجزرتها وهم جُلوس حول المصابيح والمواقد يتلقون أنباءها، سكارى من نشوة النصر يذوقون لذتها توهما وخيالا.
وهل ترانا نحتقر رجال الجيش أو نهزأ بالجند وهم سفاكون مأجورون وسفاحون بمرتبات وأجور؟ كلا..كلا، إننا لنخلع عليهم الشرف وألقاب المجد والفخار ونقلدهم الأوسمة الساطعة البراقة ونغرق في تدليلهم ونغالي في مدحهم وإطرائهم، فهم فخر الدولة وعنوان مجدها وشرفها وسطوتها وبأسها، وترى النساء يعشقنهم والجماهير تهتف بحياتهم، وما ذاك إلا لأن مهنتهم الوحيدة هي سفك الدماء وقتل ألأنفس، أجل ما أحلى القتل وما أبدع الذبح والنحر وما أعظم تلك اللذة وأجزل هذه المتعة! ولست مغاليا إن قلت إنها للذة ترجح بجميع لذات الدنيا.
 30يونيو.... القتل سنة الطبيعة وشريعتها، لأن الطبيعة تريد أن تحتفظ بشبابها وتصون صباها، ولا سبيل إلى ذلك إلا الهدم والبناء والتخريب والتجديد والإفناء والإحياء، وحسب الإنسان متاعا أن يقلد الطبيعة في عملها ويحاكيها في تصرفاتها ويرتقي إلى مستواها ويتطاول إلى شأوها ومداها، فيظل منها يحيي ويميت ويوجد ويعدم، ألا إن مشهد الدم المسفوح ليبعث في النفس فتنة وسحرا، وهل ثمة لذة أبدع من أن تأتي برجل شديد البأس صعب المراس، مضبور الخلق مشبوح الذراعين ممتلئا شبابا وقوة ومنة وفتوة فنشق صدره، فلا تلبث أن ترى الدم ينبجس من صدره دفاعا طافحا دافقا، فإذا هو كتلة مسترخية من اللحم جامدة باردة خالية من كل شعور وفكر وحاسة.
 5أغسطس.... أنا القاضي الذي أحكم بالإعدام فيكون إعداما، وأنطق بالموت فيكون موتا، ماذا يكون الأمر إذا كنت أنا نفسي أرتكب القتل وأُزهق الأرواح؟، بل من ذا الذي يعلم ما جنت يداي، ومن يستطيع أن يتهمني أو يرتاب في أمري إذا قتلت مخلوقا لا مصلحة لي في قتله، ثم لا يخطر لأحد أني أنا قاتله؟.
 22أغسطس.... لقد تم ما أردت، نعم لقد عجزت عن مقاومة هذه الشهوة الدموية، لقد قتلت مخلوقا صغيرا كتقدمة وتمهيد أو كتجربة، وبيان ذلك أن لخادمي "جان" عصفورا في قفص في غرفته، فعمدت إلى إقصاء خادمي برهة إذ أرسلته في مشوار بعيد، ولما خلوت إلى نفسي تناولت العصفور من قفصه، فرأيت قلبه الصغير يدق ويخفق، لذة هائلة ومتعة عظيمة وشعور ساحر أفعم قلبي سرورا، ثم بدا لي أن أخنق العصفور ولكنني أحببت أن أبصر الدم دفاقا، لقد تاقت نفسي إلى رؤية الدم الأحمر القاني، فتناولت مقصا صغيرا وأقبلت على الطائر الصغير أقطع حبل وريده، فإذا هو يفتح منقاره محاولا التملص من قبضتي الرقيقة، ولكنني شددت عليه راحتي، نعم شددت على قبضتي، فلو أنه كان كلبا مسعورا هائجا لما استطاع من كفي إفلاتا ولا فكاكا، فرأيت الدم ينبجس قانيا مدرارا ثم إني فعلت ما يفعل القتلة السفاكون بعد الجريمة، أعني غسلت يداي ونظفت المقص من آثار الدماء وحملت القتيل الصغير إلى الحديقة فدفنته تحت شجرة، ألا ما أبهم الحياة يوم يستطيع المرء أن يقتل مخلوقا! وجاء خادمي يلتمس طائره في قفصه فلم يجده فبكى لفقده أحر البكاء وظن أنه هرب من سجنه.
 25أغسطس.... لا بد لي من إعدام إنسان... أجل لا بد... لا بد...!
 30أغسطس.... لقد نفذت ما أردت، وكان أهون شيء علي، إذ خرجت إلى النزهة في غابة "فيرن" ومشيت رخي البال خالي الذهن من فكرة القتل، فإذا بي ألمح طفلا صغيرا على الطريق يأكل لقمة بزبدة، ولما أبصرني الطفل وقف لي حتى أمر به، وحينما دلفت إليه انحنى قائلا " عم صباحا يا سيدي!"، في تلك اللحظة انبثق الخاطر الأول في ذهني فقلت مناجيا نفسي: أأقتله؟؟
والتفت نحوه وقلت: "أنت هنا وحدك يا بني؟"
قال: نعم سيدي...
يا عجبا وحدك في هذه الغابة؟
نعم يا سيدي..
وإذ ذاك استمكنت فكرة القتل بخاطري فأسكرتني كما تلعب حميا الكأس بالألباب، ثم أقبلت عليه فجأة وأمسكت بعنقه، فحاول أن يدفع يدي عن نحره بكفيه الصغيرتين، وجعل بدنه يتلوى ويضطرب ويرجف كريشة في مهب الريح، ثم سكن ولم يعد يختلج، فألقيت الجثة في غور سحيق وسويت عليها أضغاث ريحان وأعشاب ثم عدت إلى داري ناعم البال فأكلت أكلا لما وشربت شربا جما وظللت سحابة يومي جذلانا فرحا وقضيت الليلة مع صحابي وخلاني أروح ما أكون نفسا وأشرح صدرا، وقالوا لي إنك أمتع ما كنت مجلسا وألذ حديثا وأنسا، لقد خدمتني تلك الفعلة وردت علي شباب نفسي وملأتني روحا وخفة ونشاطا.
 31أغسطس.... لقد عثروا على جثة الطفل القتيل، ويَجِدُّون في طلب القاتل.
1سبتمبر.... قبضوا على رجلين من المتشردين وأبناء السبيل حامت حولهما الشبهات ولكن الأدلة غير متوفرة.
 2سبتمبر.... جاءني أبواه يسألاني عما تم في التحقيق مع المتهمين وقد بكيا أمامي بدمع ساخن.
 6أكتوبر.... حفظت القضية لأنه لم يعثر على القاتل.
 10 أكتوبر.... جريمة أخرى، كنت سائرا بجانب النهر بعد الإفطار، فرأيت أحد صيادي الأسماك نائما إلى أصل شجرة وكان السكون سائدا، ولمحت فأسا في حقل مجاور كأنما قد وُضعت حيث وُضعت لأجلي عمدا من القدر المساعد وقصدا، فتناولت الفأس وعدت إلى الصياد النائم تحت الدوحة فرفعتها وكأنها في يدي ريشة ثم أهويت بها على جمجمة النائم فهشمتها تهشيما، يا لهول ذلك المشهد المرعب! لقد انبجس الدم مدرارا واختلط بماء النهر وانسكبت منه على أديم اليم قطرات توهجت حمرتها لحظة ثم تنصلت وعدت أدراجي على مهل، يبدو لي أني لم أحسن اختيار مهنتي لأن وظيفة القضاء ليست لمثلي، وكان أولى لي أن أكون قاتلا فإني والله نعم القاتل السفاح.
 25أكتوبر.... أحدثت هذه الجناية ضجة كبرى، وقد وُجهت التهمة إلى ابن أخ الصياد لأنه كان آخر من قابل القتيل قبل مصرعه.
 26أكتوبر.... يؤكد قاضي التحقيق أن ذاك الفتى المتهم هو المجرم، ويوافق أهل البلد جميعا على ذلك، والمتهم يستحق العقوبة لأنه لم يستطع عن نفسه دفاعا ولم يزد في دفاعه على القسم بشرفه أنه برئ، ومن ذا الذي يقبل اليمين برهانا على البراءة؟
 28أكتوبر.... لقد اعترف الفتى المتهم مرغما مضطرا لأنهم هددوه وما زالوا به حتى اعترف، العــدل.... إنه لأكــذوبة.... إنه لسخرية.
 15نوفمبر.... الأدلة والقرائن متوفرة في المتهم إذ هو الوارث الوحيد للقتيل، وسوف أرأس بنفسي جلسة الجنايات المزمع انعقادها لمحاكمة المتهم.
 25يناير.... إلى الموت... إلى الموت... إلى الموت... لقد حكمت على المتهم بالإعدام وسأذهب لأشهد التنفيذ.
 10مارس.... لقد نفذ حكم الإعدام وشنق المتهم في هذا الصباح، ومات ميتة طيبة وأنا واقف أتفرج عليه مسرورا فرحا، إذ كنت أنا الذي قتلته وإن لم أنفذ القتل بيدي هذه المرة، ولكنه قُتل على كل حال، والآن سأنتظر وفي وسعي أن أنتظر، ومن الهين علي أن أترك نفسي تُستهدف للانكشاف وتتعرض للفضيحة، ولكنني لن أفعل ذلك حتى أباشر القتل مرة أخرى.
وللمذكرة بقية ولكنها لا تحتوي على تفاصيل جناية أخرى، وقد قرر الأطباء الأخصائيون الذين عرضت عليهم هذه التفاصيل الشنيعة أن في العالم مجانين مستترين لا يقلون حذقا وبراعة عن هذا المجنون المخيف، بل ربما تجد فيهم العلماء والفنانين وأهل الرحمة والحنان والوداعة ممن يرتاح المرء إليهم ويستأنس بهم وهم أهل لذلك، إلا في أمثال تلك النوبات الإجرامية التي تعتريهم من وقت لآخر.