هذا أصل الحكاية منذ البداية

أيها الإنسان سوف أكون مضطرا لأمزق أقنعتك المخادعة كي أرى خلف خطاباتك الطويلة العصماء المليئة بالمفردات الرنانة الملساء، وجها للغدر والانتقام والدم ونكران الجميل ولو صفق لك العوام بكل بلادة وجهل وغباء، إنك في أيسر الأحوال تفرض على الحياة بشاعتك ورياءك وكراهيتك الشرسة وحقدك الأزلي التي تحاول إخفاءها جميعها وراء بسمة منافقة صفراء، تضحك بملئ شدقيك وأنت تدوس على روضة خضراء من الورود والزهور، وخلف ضحكاتك المتردد صداها بين حطام هذه الورود والزهور يموت الضمير والشعور والنبل الإنساني.
تحاول أن تتحدى الحقائق الساطعة والبراهين اللامعة والحجج الدامغة ليُشار إليك بالشجاعة والإقدام والتحدي والبطولة والطيبوبة والظرافة والذكاء والمرح، وكل ما تثوق إليه نفسك وتسعى إليه مهجتك من إطراء وتمجيد في قاموس مصطلحاتك المرتبة ترتيبا غرائبيا في هيكل جمجمتك، تجد مبتغاك وتحقق أمانيك الأنانية في تكديس الثروات والأموال وتلهث كالكلب العطشان وراء الجنس الظرفي العابر لأجساد تائهة على دروب الحياة القاسية كقلبك القاسي.
لا يمكنك أن تخرج من جلدك ولا تعرف الآخرين إلا من خلال نفسك وميولاتك وأهدافك ونزواتك، وعندما تقول وتقر بغير ذلك فإنك تكذب وتحاول إخفاء ذلك بالكذب مرة ثانية، غير أن تقاسيم وجهك ونظراتك تخونك وتفضح إخفاءك للحقيقة التي تحاول دائما إقبارها أو إسكاتها في أيسر الأحوال.
إنك على الرغم من توفرك على نعمة الإدراك العقلي التي وهبك الله إياها ترتكب حماقات وجرائم لا تسطيع حتى أشرس الحيوانات  أن تقوى على القيام بها، إنك في آخر المطاف أيها الإنسان الباني في الظاهر والفاني في الباطن لن تحتاج سوى لشبر وأربعة أصبع كي تُوارى سوءتك التراب.
لسانك أمضى من السيف ولا تدري أن فيه هلاكك، لذا تصيح وترفع صوتك عاليا للترهيب بدون أدب في حديثك مع الآخرين وفي كل المناسبات، لأنك فقط مرتاب وخـائف من ظلك، بينما الكون بعظمته الكبرى وإعجازه الخارق يعمل في صمت منذ الخلقة الأولى، وخلال مسيرتك القصيرة المتخبطة خبط عشواء تدمر جمال الكون ونظارته وبديع اتساقه وتظن نفسك أنك تبني وتُشيد، وأنك محور الكون ومركز الحقيقة المطلقة ومن حولك  تدور الأفلاك، طموحك وطمعك لا حدود لهما ولن يشفي غليلهما حتى امتلاك الكرة الأرضية برمتها، غير أن جوفك الخائر الأجوف سيُضحي عظاما نخرة و سيمتلئ ترابا آخر المطاف.
إنك لا تعرف ماذا تريد بالرغم من كثرة دبلوماتك ومحاضراتك واجتماعاتك ومؤتمراتك، وبالرغم من كشفك للنذر اليسير الضئيل من أسرار الأحياء والحياة، ومن المؤكد أنك تسعى دائما وأبدا بكل ما أوتيت منجهد وقوة كي تكون البطل الأول على رأس القائمة ولو كسرت قامات وهامات، ولو قتلت أنفسا وخربت ديارا وقارات، وكل ما تثوق إليه نفسك الأمارة بالسوء هو الاستحواذ والتملك والاستمتاع وإخضاع باقي المخلوقات، وكلما اقتربت أو صرت قاب قوسين أو أدنى من الوصول لمبتغاك تبرمت وتلفت عن القبلة وحاولت بعد جهد جهيد إعادة الأمور إلى الصفر.
لو افترَضْتُ أنه لا يوجد في العالم أجمع سوى ثلاثة من جنسك الظالم الغاشم فقط لانتظموا فيما بينهم، فترأس الأول محكمة كمحاكم التفتيش بالأندلس وجعل لها نصوصا وقوانين تشريعية، وناداه الثاني سيدي ومولاي وبجله تبجيلا ونطق باسمه آناء الليل وأطراف النهار، ولتحالفا الإثنان حتما  ليجبرا الثالت على خدمتهما وسخرتهما والركوع لهما إلى آخر الزمان، هذا أصل الحكاية منذ البداية وهي صالحة لكل زمان ومكان. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق