مسخ فرانكنشتاين


وقائع هذه الحكاية حقيقية وأحداثها مستوحاة من الواقع المعاش، أما شخصياتها فهي خيالية ولكنها لا تخلو من رمزية متناهية في الدقة لما يمكن أن ينحدر إليه (البشر)، وإن حدث واختلط الأمر على شخص ما وظن في قرارة نفسه بأنه هو المقصود فالذنب ذنبه وليس ذنبي، (إنسان) تجاوز السبعين بقليل يوحي مظهره الخارجي والله أعلم بالتدين والتقوى والوقار، بلحيته البيضاء ونظارته الطبية وسبحته التي لا تفارق يده اليمنى وجلبابه بثوبه الراقي المفصل على المقاس، وحذائه الأسود المنتفخ الملمع، يعتمر كل سنة عمرة ليغسل عظامه من الذنوب والأثام والمعاصي ولو كانت كالجبال  ويعود كيوم ولدته أمه.
كلما حل في سيارته الفخمة وترجل منها  نحو خلانه وصحابه ممن هم على شاكلته أو قاب قوسين من ذلك أو أدنى، وقفوا مداهنين متزلفين متملقين إجلالا لحافظة نقوذه وليس إجلالا له وفسحوا له المجال لأرفع مقام، ولا تسمع من هؤلاء القوم غير عبارات 'أهلا بالسي الحاج'، 'نهار كبير هذا سي الحاج'، 'الله يعمرها دار سي الحاج'، وعادة لا يخرج حديثهم عندما يكونون مجتمعين عن القيل والقال وكثرة النميمة والسؤال عن فلان بن فلان وفلانة بنت شهرمان وما جد من وقائع  في الديار من بيع وشراء وسحت وغش وتزوير ومكر وخداع ترتجف لسماعه جن سليمان، وتنتهي الجلسة  بهاتنا وليمتنا وشاينا ويخلف الله على الحاج الهمام وفارس هذا الزمان، أما كل ما يجري في العالم فكانوا يتعاملون معه بمنطق قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر، غير أن الإقرار بأن الناس تُمتحن بأعمالها وأفعالها وليس بمظاهرها وأقوالها وخطبها يعطيني صورة أخرى مغايرة عن هذا (الإنسان)، فتحت ذلك الجلباب الراقي والسبحة باليمنى واللحية البيضاء يتخفى جسد كجسم مسخ فرانكنشتاين، ومسخ فرانكنشتاين لمن لا يعرفه هو شخصية دراماتيكية مبتكرة لرواية صدرت سنة 1818 لمؤلفتها البريطانية 'ماري شيلي' والتي تحولت فيما بعد إلى فيلم من أفلام الرعب، وعودة إلى تكوين جسم مسخ فرانكنشتاين فهو عبارة عن تركيبة شيطانية غريبة مؤلفة من مجموعة قطع غيار آدمية أخذت من هنا وهناك، فجسمه جثة مسترجعة لجندي من جنود الحرس الإمبراطوري الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، ودماغه مأخوذ من جثة فرد من قوات البوليس السري الألماني المرعب المشهور بالغيستابو وقلبه مستخرج من جثة جندي صربي من مجرمي مذابح سربرينيتشيا.
فالحاج مسخ فرانكنشتاين لا يعمل سوى بمنطق ميكيافيلي متطرف يكمن بالدرجة الأولة فى أن الغاية تبرر الوسيلة وكيفما كانت تلك الوسيلة، فإن دعت الضرورة أن يهدم ويحطم تاريخ أمة وقف حجرا عثرا في طريق تحقيق أهدافه ومشاريعه ونزواته فلن يتوان لحظة واحدة عن فعل ذلك، ولا يشعر بذنب أو تأنيب ضمير عندما يأكل أكلا لما عرق المستضعفين وحقوق اليتامى والثكالى والمظلومين، ولايرمش له جفن عندما يدوس على ضحاياه بدم بارد، وخلال ذلك لا تكل يده عن مداعبة سبحته ولحيته وكأن به يسبح أو لا أدري ربما يستعد مرة أخرى ليذبح، يريد أن يعيش وحده في الوجود دون غيره من خلق الله لذلك ابتكر طريقة في الإحسان والرفق بالحيوان وأضحى منشغلا بتوفير أكل القطط المشردة من سمك من بعدما يتم تسميمه بسم الفئران، ثم يتركها جثتا هامدة في الشوارع ليُرمي بها في صناديق القمامة، له نزل أنواره الباهتة مضاءة ليل نهار تمارس فيه الفاحشة والرذيلة والدعارة وله محل لبيع الخمور للمسلمين وليس لغيرهم، وله علبة ليلية صاخبة أضواءها الحمراء لا تنطفئ  حتى وقت متأخر قبل آذان الفجر بقليل يتراقص بداخلها المخنثون والمخنثات والديوثيون والديوثيات،  يعرف كيف يرش وأين يرش عندما تحتاج مآربه ومشاريعه للرش، والرش حسب اصطلاح هيدروليكية مياه الري يعمل على التوزيع (العادل) والمحكم للمياه على الأرض خاصة عندما تكون عطشى وجائحة وكثيرة الميلان، فتمتصها بلهفة وحنين، ولا ترتوي إلا عندما تصل لدرجة التشبع، والحاج مسخ فرانكنشتاين بحكم تجربته الطويلة في فن الرش أدرك أنه يتعامل مع أراضي ذات ثربة رملية شديدة النفاذ لا تصل لدرجة التشبع نظرا لتسرب المياه إلى أعماقها في الحين من جهة ولذاكرتها الضعيفة التي تنسى بسرعة من جهة أخرى،  لذلك لم يكن يوزع عليها حصصا ضخمة من مياه الرش بل كان يلجأ إلى حيلة توزيع حصص صغيرة جدا ولكن على فترات متقاربة، ومكنه ذلك من ضرب عصفورين بحجر واحد، أولا الاقتصاد في الرش وثانيا عدم قدرة مرشوشيه على وزن مرتشيه على نسيان أو الاستغناء عن رشه ورشوته، وبذلك أصبح الحاج مسخ فرانكنشتاين من وجهاء وأثرياء القوم في ظرف زمني وجيز، وظهرت عليه آثار النعمة وعلى أتفه خلق الله من معاونيه، وأصبح يعرفه القاصي والداني أكثر من معرفتهم للمتنبي أو ابن الرومي، غير أن حبل الكذب قصير و الله يـمهل ولا يهمل، والدنيا بالوجوه والآخرة بالزراوط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق