من لا زال لم يبع روحه للشيطان؟

أضاف موقع إنجليزي للتجارة الإلكترونية شرطا في عقدة البيع لديه يتمثل في قبول المشترين إعطاء أرواحهم للشيطان مقابل أية عملية شراء، وقد أجرى موقع 'Game Station' المعروف بترويج ألعاب الفيديو على النت هذا التغيير في شروط البيع للبرهنة على أن 88 % من المشترين لا يقرؤون البتة عقدة وشروط البيع خاصة منهم المتبضعين عن طريق النت، وقد لاقت العملية نجاحا كبيرا نظرا لكون أكثر من 7.500 زبون استرخصوا أرواحهم للشيطان مقابل منتوج تافه ورخيص للموزع، واللائحة لا زالت مفتوحة لمن يتوق ويرغب في الالتحاق بحزب الأبالسة والشياطين.
وعودة للتاريخ، يمكن اعتبار سنة 1969 هي سنة إنشاء أربانيت'Arpanet' بواسطة وزارة الدفاع الأمريكية أو الشيطان الأكبر، وهي عبارة عن شبكة تربط بين العديد من المراكز الكبيرة ونظم الكمبيوتر والراديو والأقمار الاصطناعية، وتعتبر هي السلف الأول للإنترنت، لكن الانطلاقة الفعلية للإنترنت ستكون مع حلول سنة 1989 على يد باحث بالمركز الأوروبي للأبحاث النووية في جنيف، الذي اشتغل على تطوير نمط جديد من الاتصالات لتقديم وصلات هي عبارة عن ارتباطات تشعبية، أدى إلى ظهور الويب باستخدام لغة ترميز النصوص التشعبية ' .'HTML
وهناك اليوم بفضل هذا الاختراع الرائع والمذهل ما يفوق 2.89 مليار  شخص في جميع أنحاء العالم متصلين بالإنترنت مع نهاية سنة 2014،  ينضاف إليهم كل ثانية 8 مستخدمين جدد، ومن المنتظر أن يقفز هذا العدد إلى 3 ملايير شخص سنة 2015 ثم 3.60 مليار شخص سنة 2018، فشبكة الإنترنت هذه قد أحدثت ثورة هائلة وغير مسبوقة على مر التاريخ البشري في عالم الأعمال والتعليم والبحث العلمي والاتصالات وفي كافة المجالات الأخرى، لقد أصبحت أداة قيمة وذات فوائد جمة لا يمكن للمجتمع الحديث الاستغناء عنها في جميع مناحي الحياة، فالإنترنت هو الذي حطم العروش والجيوش باستيلائه على عرش المكتبات الذي دام آلاف السنين باعتبارها المصدر الرئيسي للمعلومات والبحوث، وحسم لصالحه في ظرف زمني وجيز معارك حاسمة ومدمرة مع جيوش نظامية وأنظمة بالية وعتيقة عن بعد بواسطة لوحة مفاتيح وشاشة ومجموعة من المراهقين لا يفقهون في العلوم السياسية 'الواو من عصا الطبال' كما يقول المثل الشعبي المغربي، أي أنهم زُرْقٌ ازرقاقا أكثر من السماء في هذا الميدان، كل ما في الأمر أنهم كانوا مؤطرين ومرشوشين  باليورو والدولار،  لكنهم كانوا مدفوعين كالبهائم إلى الحظيرة من طرف العم سام وجوقته من الأوروبيين الـجد ديمقراطيين مع الجميع إلا مع المسلمين.
فإن كان الإنترنت منجما حقيقيا للمعلومات فهو أيضا حقلا مزروعا بالألغام يمكن في أي لحظة وحين أن يفجر جسد من يطأ على أرضيته ويهشم جمجمته الرخيصة دون أن يكون محصنا بما فيه الكفاية، كما هو الحال بالنسبة للأطفال والمراهقين والمتنطعين الفارغين أو حتى بالنسبة للناضجين الغير حذرين والغير متخذين كافة الاحتياطات اللازمة، فآثاره المدمرة لم يعد من الممكن إصلاحها أو إيقاف زحفها المدمر، بحيث أحدثت خرابا عميقا على مستوى القيم والأخلاق كما يفعل تسونامي عندما يُصيب شاطئا آمنا يعج بسكان بُنيت بيوتهم من قش وطين.
فبقدر ما أتاحت هذه الأداة الوصول إلى المعرفة في جميع المجالات وترسيخ ثقافة ما يسميه الغرب الصليبي ب'حقوق الإنسان' على المستوى العالمي ولو على الورق، وتوسيع دائرة التواصل بين جميع بقاع المعمور في رمشة عين  بعيدا كل البعد عما كنا نسمع في حكايات العفاريت و'عَمْتِي الْغُولَة' و'هِينَة هِينَة آشْ عْشَاكْ اللِّيلَة؟' و'حْدِيدَّانْ مْدِيدَّانْ' و'بْغِيلْة القْبُورْ' أيام الخير والخمير، مع كل ما رافق ذلك من انتشار مهول للإثارة والجنس وتشييء (اعتبار كل مخلوق مجرد مادة بلا قيمة اعتبارية، وهو ما يُعرف دينيا بالكرامة) ابتداء بالبشر مرورا بالحيوان والشجر وانتهاء بالحجر، دون نسيان آفاته المدمرة  بجميع المقاييس في استغلال أطفال ونساء العالم السفلي من المستضعفين والمستضعفات، وتوسيع قاعدة المترجلات من النساء والمتؤنسين من الرجال والمخنثين والمخنثات واللواطيين والسحاقيات والشواذ، إضافة لكل الآفات الخطيرة التي عرفها العالم في ظرف زمني وجيز لم يتعدى ربع قرن، من ارتفاع مهول في أعمال النصب والاحتيال والغش والتزوير في كل المجالات، وشيوع أعمال العنف والجريمة المنظمة والغير منظمة، والتعصب والكراهية والإرهاب الأعمى الذي لا دين ولا حدود له. 
فعندما يجلس المرء أمام شاشة الكمبيوتر فإنه يجلس أمام عالم افتراضي غريب وعجيب لو بُعث مؤلف كليلة ودمنة حيا لأصابه منه الجنون وخرج إلى الشارع يصيح بأعلى صوته أنقذوني من 'هاذ أولاد الحرام'،  عالم مليء بشتى المتناقضات حتى حافتي الكرة الأرضية من علوم بحثة وعلوم تطبيقية وفكر وأدب وشعر وفنون وأديان وتاريخ، وبراءة وخبث، وكلام فاحش وكلام طيب، وصور إباحية وأفلام خلاعة جنبا إلى جنب مع صور وأفلام ابتهال وتضرع للخالق، وسب وشكر، وهجاء ومدح، وحب وكراهية، وكذب وصدق، وصفاقة وكياسة، وحكمة وجهالة، وتعصب وتسامح، وتواضع واستكبار، وغلو وتوسط، ولا يمكن  للمرء مهما أوتي من معرفة وبصيرة وشكيمة أن يفرق بين حقيقة وأصل  ومراجع كل هذا الكم الهائل من المتناقضات التي صُهرت في هذا النظام الرقمي الجبار الذي بدأت بوادر انفلاته من عقال الدين والأخلاق والقيم تعطي أكلها بإنتاج أجيال هجينة تائهة و'تالفة عن القبلة'.
وخير طريقة للتخلص من غسيل الأدمغة المستمر على قدم وساق هو أن ينحر المرء الأنترنت من الأذن حتى الأذن الأخرى بقطعه للتيار الكهربائي عن الجهاز عندما تختلط عليه الأمور ويراوده أدنى شك في ما تعرضه عليك الشاشة، ثم يغادر كرسيه وشاشته ولوحة مفاتيحه ويخرج للمشي والتأمل في الهواء الطلق في أماكن خالية من جميع أنواع التلوث بجميع أشكاله (البيئي واللفظي والنظري والإيمائي)، كي يُريح أعصابه ويستعيد روحه وهدوءه وسكينته، حتى لا تُصبح اللعبة واقعا جهنميا مختلطا بواقعه الحقيقي، فيستعصي عليه استعصاء التخلص منه فيما بعد، فيفقد روحه ويستسلم استسلاما للشيطان.
فالأنترنت قفز بالعالم قفزة نوعية مادية رائعة لا يمكن الاستهانة بها أو التقليل من أهميتها بألوانها الفاقعة المتنوعة التي تأسر وتستهوي القلوب وتسحر وتغذي العقول وتغشي وتبهر العيون لم يكن يحلم بها حتى في الماضي القريب، ولكنه أفقده أغلى وأهم ما في الإنسان والإنسانية، أفقده روحه التي ِبيعت في سوق نخاسة من طرف الكثيرين بثمن بخس للشيطان....وتستمر اللعبة مع إشراقة كل يوم في كل مكان لحصد المزيد من المريدين والمنتسبين والمعجبين المستسلمين عن طواعية.
وأخيرا، فإن  كل ما قلته هو مستوحى من مجرد لعبة على أي لا عب بقبول شروطها قبل الدخول لخوض غمارها، ومن بين شروطها أنه في حالة هزيمة اللاعب يُعطي روحه للشيطان وفي حالة انتصاره يستسلم الشيطان.... تُرى من سينتصر مصمم ومبدع اللعبة أم اللاعب؟؟؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق