أَرْشِيفُهُمْ ومُهْمَلاَتُنَا

في الدول المتقدمة والمتحضرة تحتل الأرشفة مكانا محوريا وأساسيا في تدبير وإدارة المعلومات، فهي أداة تواصل وبحث ومرجع لا يمكن الاستغناء عنه ووسيلة حجية وإثباتية، وأداة ذاكراتية لفترات حفظ مختلفة للأفراد والشركات والإدارات والحكومات والمجتمع برمته، لذا كانت الأرشفة ذات طابع خاص وفريد يتميز بتنظيم مقنن ومتقن ومنهجية منظمة منضبطة وصارمة، وتكمن أهية الأرشفة في تحقيق أهداف ذات طابع لوجيستي يتمثل في تحسين المساحات والأحجام الضرورية لحفظ العدد المتزايد يوما بعد يوم من الوثائق والمعلومات وضبط ظروف وكلفة التواصل، أما الأهداف الأخرى فهي ذات طابع أرشيفي قصد الاستجابة لالتزامات قانونية أو رهانات الاستدامة وتيسير الوصول إلى المعلومات في ظروف مواتية وتدبيرها التدبير الأمثل.
وخلافا للتصور القديم الذي أكل عليه الدهر وشرب والمتمثل في تعريف الأرشفة على أنها ليست سوى المرحلة الأخيرة لحياة ملف تم إغلاقه وإقباره إلى الأبد بصفة نهائية، فهي تعتبر اليوم عملية حقيقية تساهم مساهمة فعالة في التدبير الأمثل للسلسلة الوثائقية منذ إنشاء الوثائق حتى انتهاء عمرها الافتراضي، لهذا فكل وثيقة بمجرد إنشاءها تصبح أرشيفا في حد ذاتها، وعلاوة على ذلك فمصطلح الأرشيف منذ ظهور التكنولوجيات الحديثة من حواسيب سريعة وماسحات ضوئية وطابعات عالية الجودة وأدوات تخزين متطورة لم يعد مقتصرا على الوثائق الورقية بل أصبح يطال كذلك المعلومات والوثائق المخزنة على وحدات التخزين الضوئية منها والمغناطيسية وغيرها. 
ولا يمكن في أي حال من الأحوال تصور أرشفة فعالة بدون عمل تحليلي معمق من طرف مختصين في الميدان يتم التركيز فيه بالدرجة الأولى على المعلومات، وسائل تخزينها، حجمها، بيانات مُنتجيها ومُستخدميها وكذلك السياقات والأهداف العامة أو الخاصة المبتغاة من طرف الإدارة، ثم يتم بعد ذلك تحديد، في دفتر حقيقي للتحملات، شروط الإنجاز المراد بلوغها خلال المراحل المختلفة لعملية الأرشفة من إنشاء، تحديد، تصنيف، فرز، فهرسة، تخزين، تواصل، إزالة وتدمير الوثائق، وتتم عملية الأرشفة خلال جميع مراحلها طبقا للقوانين والمعايير المتعلقة بالأرشفة، هذه هي الحالة الطبيعية للأرشفة التي تتم في الدول المتحضرة والمتقدمة التي تعطي قيمة ووزنا لتاريخها وتقيم اعتبارا لأرشيفها وتجعل من العنصر البشري المحور الرئيسي لوجودها واستمرارية عملها، أما في دول الذيل والتخلف والفوضى والنفاق والرشاوي والكذب والضحك على الذقون فكلمة أرشفة تثير الإشمئزاز في نفوس الكثير من 'المسؤولين'، الذين هم في حقيقة الأمر مسؤولون عن أنفسهم فقط، لأن فيها الشفافية والوضوح والصرامة والانضباط والمحاسبة، ويبدو لي من خلال إلمامي ببعض'القوالب' الإدارية أن هؤلاء الأقوام مرتاحين ولا يكدر صفوهم شيء رغم الحالة المزرية التي يتواجد عليها أرشيفنا، فهو عبارة عن مقبرة لملفات بعضها قد يثير شبهات أو يخفي في ثناياه ثعابين وعقارب، لذلك غالبا ما يتم إغلاقها والتخلص منها بأسرع وقت، وقد لن تجد لها شملا مجموعا أو أثرا مكتملا بعد مرور سنة أو سنتين، 'ِولاَ زْغَابْتْ عليك شي نهار كحل' فقم بجولة سريعة في أرشيف إدارة من إداراتنا المصونات المحترمات، فإنك لا ريب سوف تُصاب بالصدمة والخيبة وهول المصيبة إن لم تصب بالضيقة والسعال وتخرج كأنك كنت تتمرغ في الرماد داخل 'فرناتشي'، إذ لن تجد غير مزابل للورق بلا تنظيم ولا ترثيب ولا تصنيف ولا هم يحزنون، وملفات متناثرة هنا وهناك وأخرى بعضها مكدس فوق بعض تردح بين كلماتها المنتحرة على عتبات الإدارة الجرذان والفئران، وتطحن فيها الرطوبة والغبار وتعشعش فوقها أرثال من العناكب تنسج بيوتها منذ أمد بعيد في هدوء تام بكل ود ووئام، وإذا أردت أن تزداد معرفة بأرشيفنا فاذهب عند أقرب بائع للمكسرات من زريعة وحمص وكاوكاو، وسوف تكتشف أن الأوراق التي يبيع فيها سلعته معظمها وثائق إدارية بعضها لم تمر عليه حتى السنة، فلا تندهش إذا ما وجدت يوما ما اسمك وعنوانك ورقم بطاقتك الوطنية ورقم هاتفك وأصلك و'تصيلتك'، الكل مدون في إحدى تلك الأوراق، عندها سوف تدرك كم أنت بخس ورخيص ولا تساوي سوى 'كاغيط ديال الزريعة' لا غير.
ولن أكون مبالغا إن قلت أن إداراتنا التي لا تُقيم شأنا ولا وزنا لأرشيفها هي إدارات معوقة عرجاء وعوراء، لأنها تعيش بلا ماض ولا ذاكرة تُؤرخ لوجودها وأعمالها وخدماتها وهفواتها وأخطائها وزلاتها، لا تفكر بالطريقة الصحيحة التي تحفظ كيانها وماء وجهها، تمشي متكئة على عكاكيز كالكراكيز ولا ترى سوى بعين واحدة كوحش 'أُولِيسْ'، كل همها هو تصريف يومها 'وغدا يحن مولانا'، ومحو آثار أمسها المليء بالثغرات والهفوات، والتخربيط عفوا التخطيط بسرعة وارتجال لمستقبل أجيالها، والعمل بمقولة أنا ومن بعدي الطوفان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق