عندما يصير الفساد يخنق الأنفاس

كيف يمكن لأي حثالة نذل خسيس تافه أن يُصبح غنيا في خمسة أيام بدون أن يجلس مثلي طوال حياته وراء مكتب صدئ وعلى مقعد مهترئ حتى تهترئ مؤخرته وتصير كبغرير (خبز تقليدي مغربي) داخل إدارة من الإدارات التي تنوح فوق سطوحها البوم؟، ففي عالم معولم ومقولب بطريقة مقلوبة ومشقلبة أصبحت أمثال هذه العناوين هي العملة الرابحة والتجارة الرائجة لدى الكثيرين من الفسدة واللصوص ذوي المنافع الخاصة والميولات الاقتصادية الإجرامية تجاه المجتمع، الذين نبذوا كل القيم من صدق ووفاء وأمانة وعطاء وتضحية، وتلبسوا قيما مستوردة منحطة مبنية على الكذب والانتهازية والسرقة والغش والخداع ومراكمة الثروات من المال الحرام.
هذا هو موضوع هذه المقالة التي سوف نتعرف من خلالها عن الوصفة السحرية التي سوف تنقذ أي مزلوط هزيل بالكاد يقف على رجليه التي لا تحتذي حتى حذاء متهالكا مثقوبا في بداية مشواره، وتفتح أعينه المتعودة على الفقر والبؤس والحاجة ونفسه المستسلمة للحكَرة والقريص على عالم وردي مضاء بالشموع والقناديل، تحيط به الحور العين الدنوية من كل جانب، إلى عالم الثراء والأثرياء والأمسيات الشقراء، والشرف المغتصب الذي لم تُرَقْ على جوانبه ولو نقطة دم حمراء، وحتى لا أطيل في الكلام سوف أسرد هنا أمثلة عن بعض النماذج الناجحة والمتميزة التي حصلت على مراتب جد متقدمة في سلب ونهب أموال على ما يبدو سائبة والله أعلم، ولعمري سوف أبدأ بالقردة بتغيير الدال ضادا لأنني أكتب بلغة الضاد، فالقرض العقاري والسياحي لوحده لهف 8 ملايير درهم، والقرض الفلاحي لم يترك أثرا بعد عين لمبلغ 846 مليون درهم، والبنك الزغبي عفوا الشعبي مرر بتمريرة سحرية 30 مليون درهم لم يقشبل فيها أحد شيئا مذكورا، وصاحب الميذالية الذهبية القطب الصنديد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نهب 115 مليار درهم بحبها وتبنها ولم يترك وراءه غير غبرتها وغبنها 'إيوا ضمان واش من ضمان هذا'، والمكتب الشريف للفوسفاط فسفط 10 ملايير درهم في الريح، وكوماناف أكل وما شاف 400 مليون درهم، والمكتب الوطني للنقل نقل إلى جيوب حامضة 20 مليون درهم، والخطوط الجوية الملكية طيرت مليار سنتيم إضافة إلى تبذير مبالغ ضخمة على صيانة الطائرات بالخارج، ومكتب التكوين المهني الذي احتال على 7 ملايير سنتيم وضربها بتكوينة في إطار برنامج العقود للتكوين، ووكالة المغرب العربي للأنباء أكلت بدون وجه حق 1.76 مليار درهم، إضافة إلى الجرائم الاقتصادية الخطيرة في النهب والسلب وسوء التدبير والتسيير التي طالت أموال الشعب في المكتب الوطني للصيد البحري الذي يكرس التمييز ويوزع الامتيازات يمينا وشمالا على بعض النافذين في القرار السياسي والاقتصادي، وقناة دوزيم التي نسيت مشية الحمامة عندما أرادت تقليد مشي الغراب، ومجازر الدارالبيضاء الجديدة التي أحدثت مجزرة حقيقية في أموال الشعب، ومشروع الحسن الثاني بالدار البيضاء والجماعات المحلية ومطاحن المغرب الذي أكد افتحاص تم سنة 1995 اختلاس مليار و 900 مليون سنتيم، وسوسيال أكَري والاتحاد الوطني للتعاونيات الفلاحية المغربية، واللائحة طويلة للكثير من المؤسسات الخاصة والعمومية الأخرى التي ذكرتني بحكاية القروي الذي حدثه صاحبه بأن الفساد عم البر والبحر، فاستطرد القروي قائلا وحتى الجبل.
كما عرف مجال خوصصة بعض المؤسسات الحيوية في الاقتصاد الوطني جدلا كبيرا والكثيرا من الشكوك حامت حول طرق تفويتها والأثمنة التي فوتت بها، ففندق حياة ريجنسي على سبيل المثال فُوت ب 18 مليار في الوقت الذي كانت تساوي قيمته الحقيقية 27 مليار، ومعمل إيكوز فوت بدرهم رمزي بينما كلف خزينة الدولة 40 مليار، وكان إبان تفويته يتوفر على مخزون يقدر ب 9 ملايير سنتيم، وتمت خوصصة معمل لا سامير بتفويت لشركة سعودية ب 300 مليون دولار.
 أما عن تفويت أخصب الأراضي الفلاحية من أجل التوسع العمراني والاستجابة للطلب المتزايد باطراد على السكن خاصة بضواحي المدن الكبرى لفائدة الخواص فحدث ولا حرج، فتكفي الإشارة هنا على سبيل الذكر لا الحصر إلى حديقة الحيوانات المشردة بمدينة الرباط والبالغة مساحتها 53 هكتارا، ومشروع مايل سنترال بأكادير على مساحة 45 هكتارا، والمشروع العقاري والسياحي بمنطقة تسلطانت بضواحي مراكش على مساحة 130 هكتارا، ومشروع بارادايز غولف على مساحة 283 هكتارا بمنطقة النخيل بضواحي مراكش، ومشروع زهور تاركة على مساحة 138 هكتارا بضواحي مراكش، ومشروع أبواب مراكش على مساحة 156 هكتارا، ومشروع برج الزيتون على مساحة 15 هكتارا، كل هذه الأراضي فوتت للمستفيدين منها بأقل من ثمنها الحقيقي، مما أفقد صندوق الدولة مداخيل جد مهمة تمثلت في مئات الملايير من السنتيمات.
وأكد التقرير السنوي للهيئة الوطنية لحماية المال العام على أن حجم الأموال المنهوبة المعلن عنها رسميا فقط ابتداء من سنة  2000، بمجموعة من القطاعات والمؤسسات، بلغ ما مجموعه 163 مليارا و 481 مليون درهم، وهي سرقات ضخمة أضاعت على البلاد مشاريع هامة في البنيات التحتية، وما انفك الفساد ينخر في المجتمع.
إن هذه الجرائم الاقتصادية الخطيرة والمخالفات القانونية الجمة في تسيير وتدبير أموال الشعب، ليست سوى الرأس الطافي لجبل الثلج الهائل من الفساد المشتري في جميع دواليب الدولة كالسرطان، ولم يكن لهذا أن يحدث، أو أن تصل الوضعية الاجتماعية اليوم في البلد إلى أزمة خانقة تهدد استقرار المغرب، لو كانت هنالك أجهزة رقابة لا تخاف في الله لومة لائم قبل خوفها من البشر الفاني ومن القوانين الوضعية المليئة بالثقوب والهفوات التي تُتْرَكُ عن قصد كنوافذ إغاثة لينجو من خلالها المفسدون من الحساب والمحاسبة والعقاب، وما كان للبلد أن يصل إلى حافة الغرق في المديونية والاستسلام لإملاءات صندوق النقد الدولي وغيره من الصناديق الربوية الإمبريالية العالمية لو كانت هناك حقا  عيون تسهر بدون كلل ولا ملل على المال العام وتحصنه وتحميه وتدود عن حوضه ضد كل من سولت له نفسه من انتهازيين وصوليين ولصوص وعابثين ومرتشين من التصرف فيه حسب الأهواء والمصالح الأنانية الضيقة للمفسدين ومن والاهم من الطفيليات والميكروبات والفيروسات من المنتفعين.