شَاعْ البَلاَء وَالشَّرْ ازْدَادْ قْوَاتْ البِدْعَة وُكْثَرْ الَفْسَادْ

  "إن ظهور أساليب غريبة في الموسيقى يؤدي إلى فساد الناس ويهدد بوصول السفلة إلى الحكم"
                                                                                                            أرسطو

يعتبر الأستاذ عبد الكريم الفيلالي من رواد القصيدة الزجلية والأغنية الروائية المغربية الملتزمة برسالة الإصلاح والتنشئة الاجتماعية السليمة داخل الجماعة التي تربط الفرد بحضارته وتاريخه وقيمه وموروثه الثقافي، وتوثق تشبته بثوابت الدين الاسلامي الحنيف وذلك خلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كانت قصائده الرائعة تعطي صورة حية وواقعية عن نماذج شتى من صميم المجتمع، تحكي قصصا وحكايات ووقائع ملقاة بأسلوب سلس وسهل في الفهم كما هو الشأن بالنسبة لرواة القصص من أصحاب الحلقة الحكاواتيين الذين كانوا حقيقة بمثابة مدارس حياتية مفيدة وذات مغازي عميقة وبناءة، تُقام في الهواء الطلق بدون بروتوكولات ولا ديكورات لجميع شرائح المجتمع من كل الأعمار بدون إقصاء لأحد.
قصائده الجميلة والمتميزة والمعبرة في آن واحد لم يكن لها مكان على أمواج الإذاعة والتلفزة، ولا يعرفه الكثير من الناس لأنه يقول بكل صراحة كلاما يحمل في ثناياه الحقيقة التي أحرقت طائر إيكاروس، والصدق ومناهضة وفضح الفساد والنفاق والغش والخداع الاجتماعي بكل تجلياته، والتفسخ والانهيار الخلقي الفظيع بجميع أشكاله وألوانه، الشيء الذي كان يزعج من يحاولون دائما إخفاء الشمس بالغربال، كلام واضح وصادق ومعبر بلا نفاق ولا دوران ولا استعمال مصطلحات من قبيل "كًولو العام زين" و"الدنيا هانية والسما صافية"، كما جرت بها عادة ألسنة المتزلفين والانتهازيين والحقراء والأنذال والأدنياء وأذلاء النفوس.
ضاع الكثير من إنتاجه في فن القصيدة وتم التغاضي عن الكثير منها الباقية، التي تتطرق إلى مواضيع اجتماعية إصلاحية هادفة نتيجة تجاهله من طرف أصحاب الزمان والمكان، لكونه لم يكن انتهازيا ولا متملقا لحاسا للأحذية، وتم تناسيها مع الأسف الشديد وسط هرج ومرج الرعاع والتفاهة اللذين فُتحت لهما أبواب الشهرة على مصارعها تحت يافطات الفن الذي ليس في حقيقة أمره سوى غث وعفن، وقد وجد هذا العفن متيمين كثر من الناس من جميع فئات الأعمار والأجناس، ليس لحسنه وجودته، ولكن لفساد أذواق هؤلاء وانحطاطها، وقد كان لوسائل الإعلام من أنترنت وفضائيات وصحف وإذاعات اليد الطولى في هذا الفساد والانحطاط، لأنها بكل بساطة كانت تقدم للناس المغفلين كل ما هو ضار ورديئ وساقط على أنه هو أجود ما يكون في هذا العصر الخالي  المغشوش، وكما هو معلوم فالتكرار يضبع حتى مخ الحمار، مع احترامي الكبير للحمير، لأن الكثير منها ذات ذوق رفيع وسوف تعاف سماع ذلك العفن الرديئ، وكما قال الكاتب الروسي الكبير 'أنطوان تشيكوف': " لا أجد نفعا في فن متقن يُصاحبه انحذار أخلاقي"، وأول ما ينهار من الأمم هي صناعة الموسيقى وصناعة المعمار كما قال ابن خلدون، وكما عبر عنه أرسطو بشكل آخر عندما قال بأن ظهور أساليب غريبة في الموسيقى يؤدي إلى فساد الناس ويهدد بوصول السفلة إلى الحكم. 
إن الاستماع إلى قصيدة الهيبي لهو خير دليل على أن للأستاذ عبدالكريم الفيلالي باع طويل في فن القصيدة المغربية، غير أنه تم تجاهله وعومل بإجحاف كبير، ولم ينل من العناية والتكريم ما ناله من هم دونه بكثير من أصحاب (الفن) الهابط الرخيص، بالرغم من مساهمته الفعالة في إثراء الخزانة المغربية في فن القصيدة، أذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر: قصيدة سيدنا إبراهيم الخليل، قصيدة سيدنا أيوب، قصيدة الفقيه وختو ومراتو، قصيدة الهيبي، قصيدة قصبة شداد، قصيدة خمار في زمن النبي، قصيدة الورشان، قصيدة بوفسيو والسبع، قصيدة عمي عصفر، قصيدة الفقير وذو المال، قصيدة مول الشراب ومول الكيف، قصيدة العزري والمزوج، قصيدة الشابة والشيبانية وغيرها من القصائد التي داع صيتها خلال سبعينيات القرن الماضي، ويمكن الاستمتاع والإستفادة بهذه التحف من القصائد على الرابط التالي:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق