من الاستعمار إلى الاسـتحـمار مرورا بالاستبغال

" لا تلوموا العربية ولوموا أمة ركضت إلى الدعة- قبح الله الدعة- ثم قعدت"
                                                                                                                 محمد بن تومرت الموحدي
إنني بتطرقي لهذا الموضوع لا أقر بالإنغلاق على النفس ولا أدعو لعدم التسامح وعدم التواصل مع الآخرين، ولا أحمل ضغينة أو كرها للغة أو ثقافة ما على وجه الأرض أيا كان منشؤها وأصلها، بل أقر وأحث بإلحاح على أن المرء في هذا العصر مطالب أكثر من أي وقت مضى بإتقان أكثر من لغة حتى ولو تعلم لغة الأعداء، إنما ألخص موقفي في مقولة المهاتما غاندي: "أريد أن تعبر كل ثقافات الأرض بيتي متى شاءت ذلك، لكنني أرفض أن أبلل ولو قدمي بواحدة منها".
دأب سفير الاتحاد الأوروبي السيد المحترم 'روبرت جوي' أن يعطي لبعض ناقصي الرجولة ومفتقدي الشخصية ومستلبي الهوية  ممن هم من بني جلدتنا دروسا في الروح الوطنية وقوة الشخصيىة والتشبت بثوابت الأمة بالرغم من كونه نصرانيا، عندما يتكلم بلسان عربي فصيح كلما سنحت له الفرصة للحديث  في المناسبات الرسمية والشبه الرسمية، وكأن به يقول لهؤلاء الأقزام كونوا رجالا ولا تكونوا منبطحين توابع للآخرين، فلكم لغة وحضارة يجدر بكم الافتخار بها لا أن تحتقرونها وتنفروا منها.
والحق يُقال أن الاستلاب وفقدان الهوية وضعف الشخصية يعد أخطر فيروس يُصيب العديد من المغاربة ذكورا وإناثا، ناهيك عن البعض من كبار المسؤولين في الدولة ممن يشغلون مناصب جد خطيرة وجد حساسة، وإني هنا لا أتحدث من فراغ، لأن هذه الأمور واضحة كشمس على علم ولا تحتاج إلى دليل ولا إلى برهان، واتصالات المغرب التي تحصي كلام المغاربة 24 ساعة على 24 لديها الدليل القاطع والبرهان الساطع عن مدى استشراء هذه الجائحة وتغلغلها في جميع مناحي الحياة، وبحكم تجربتي المتواضعة لاحظت مرارا وتكرارا هواتف مهندسين وأطباء ودكاترة ومعلمين وتقنيين وطلابا وتلاميذ ومعطلين (بصيغة المذكر والمؤنث طبعا) تهتف جميعها أنا فرنسي (بلا اخبار المخزن)، في أعظم استلاب للفكر والهوية بلا شعور من طرف هؤلاء المفعول بهم من حيث لا يدرون.
 فتذكرت مقالا، أعتبره من النصوص الحية التي لا تجف ولا تموت، سبق أن قرأته منذ وقت طويل  لأحد علماء المغرب الأجلاء البارزين، ألا وهو العلامة إدريس الكتاني حفظه الله، مؤسس ورئيس نادي الفكر الإسلامي، تحت عنوان لغتنا المحتلة هل سنحررها؟، وقد نُشِر هذا المقال سنة 1959 بمجلة دعوة الحق التي كانت تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في زمن نخوتها وشهامتها، ثم أعاد نشره العلامة الدكتور إدريس الكتاني في مؤلفه تحت عنوان: "ثمانون عاما من الحرب الفرنكفونية ضد الإسلام واللغة العربية"، فماذا تغير منذ 1959 حتى الآن؟، لمعرفة ذلك دعونا نقرأ مقتطفا من هذا المقال الطويل الذي كتبه العلامة إدريس الكتاني منذ ستة وخمسين سنة ولنحكم بعد ذلك:
في كل مدينة مغربية كبيرة شارع يحمل اسم 'فيكتور هوجو'، يحتوي شارع 'فيكتور هوجو' بالدار البيضاء على نحو مائة منزل يسكنها 700 من المغاربة يضطرون كل يوم لذكر اسم 'فيكتور هوجو' أكثر مما يذكرون أي اسم آخر، يسجله الأطفال في مدارسهم، والكبار في أوراقهم وملفات أعمالهم، ويحمل سعاة البريد كل يوم أكداسا من الرسائل الآتية من المغرب ومن العالم أجمع، بعنوان 'فيكتور هوجو'.
ومع ذلك، فلسنا نحن سكان الشارع وحدنا الذين نذكر 'فيكتور هوجو'، فإن أكثر من سبعة آلاف من جيراننا وأصدقائنا وأقاربنا، يعرفون أيضا 'فيكتور هوجو'، ويضطرون لذكر اسمه وكتابته في مناسبات لاحصر لها، وفي شارعنا مدرستان بهما نحو خمسة آلاف تلميذ يرددون اسم 'فيكتور هوجو' عدة مرات كل يوم، وفي الدارالبيضاء عدة آلاف من رجال الشرطة، ومثلهم من سائقي الطاكسي وسيارات المصالح العمومية، يجب عليهم أن يعرفوا بحكم مهنتهم أين يبدأ شارع 'فيكتو هوجو' وأين ينتهي، ويجد التلاميذ حينا أنفسهم مدفوعين للاهتمام بشخصية 'فيكتور هوجو' عندما يذكر إسمه أثناء دراستهم، باعتباره أحد معارفهم القدماء بالحي، ولا بد أن يكون رجلا عظيما، إن الشاعر الفرنسي 'فيكتور هوجو' لم يمت في فرنسا، ولم يمت في تونس، ولم يمت في الجزائر، إنه حي في بعض أقطار أوروبا وإفريقيا، حي في كل مكان توجد فيه فرنسا، أو كانت فيه فرنسا، إنه يعيش معنا في المغرب، بل هو يُقيم معنا في شارعنا ليل نهار، ويذكره أطفالنا ونساؤنا صباح مساء!!
مسكين هو أبو العلاء المعري، لا يعرفه أحد من سكان حينا، والمتنبي لم يسمع به جيراننا في حياتهم، ومالك بن المرحل الشاعر المغربي الكبير، وابن زيدون، ومئات آخرون، وليست هناك فرصة واحدة يُتاح فيها لأصدقاءنا وأقاربنا وسعاة بريد حينا، ورجال الشرطة بمدينتنا، أن يسمعوا بأسمائهم، أو يذكروهم كما يذكرون 'فيكتور هوجو'!، ومن يدري، فلعل أطفالنا لا تُتاح لهم مثل هذه الفرصة في مدارسهم بل في حياتهم.
يجب أن يعيش 'فيكتور هوجو' في بلادنا، وأن نشرف باسمه شارعنا، لأنه ابن دولة حية اليوم جدير به أن يحيا معها، وأن يَفرِض وجوده علينا، أما أبو العلاء فلا خطر في أن يموت وينساه قومه، فقد دالت دولته من بعده، ومات معها خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وقتيبة بن مسلم، وعقبة بن نافع، وطارق بن زياد، وعبدالرحمان الغافقي، وصلاح الدين، وعشرات آخرون خضعت لهم آسيا وإفريقيا وأوروبا، مساكين هم أجداد المغرب العربي وبناة المغرب العربي لا يعرفهم أحد من أبناء المغرب العربي ويتجاهلهم دعاة وحدة المغرب العربي.
ولكن 'فيكتور هوجو' لا يعيش وحيدا في الدارالبيضاء، بل هو لا يشعر بالغربة بين شوارعها، فهناك أكثر من ألف وثلاثمائة من مواطنيه الفرنسيين، تتحلى صدور شوارع المدينة بأسماءهم، بينهم الأدباء والعسكريون، ورواد الاستعمار الأولون، وحتى أن السائح الأجنبي لا يشك في أنه بمدينة فرنسية أو مستعمرة فرنسية.
وفرنسا عندما تخلد ذكرى أبطالها وعظمائها، وتنصب لهم التماثيل في بلادها والبلاد التابعة لها، وتسمي المدن والشوارع بأسمائهم، وتفرض تخليد هذه الأسماء في مستعمراتها فرضا، لا يجرؤ أحد من هؤلاء الـمُسْتعْمَرِينَ فكريا أن يتهمها بأنها دولة رجعية وجامدة لأنها تفتخر بآبائها وأجدادها، لكن عندما تتحرك غيرتك أنت ابن المغرب العربي، ويثور فيك دم أولئك الأجداد فتذكر واحدا منهم، لتُشْعِرَ بعض المواطنين بأن لهم ماضيا غير ماضي الاستعمار، وأجدادا غير أجداد الاستعمار، ووجودا مستقلا غير تابع لهؤلاء، حينئذ يتهمك بالرجعية والجمود أولئك الذين أَقْنَعَتْهُمْ تربية الاستعمار بأنهم لا ماضي لهم، ولا أجداد لهم، ليعيشوا على ماضيه هو، ويفتخروا بذكر أجداده هو.
وليس هذا الغزو للمدن والأحياء المغربية إلا جانبا من الحملة التي نظمها الاستعمار لفرنسة المغرب ظاهرا وباطنا، وطَمْسِ معالم اللغة العربية، وخنق أنفاسها في وطنها، فقد عانت هذه اللغة خلال الأربعين عاما من عهد الحماية ألوانا من الذل والهوان والضيق، فطُرِدَت من المدارس والمحاكم والإدارات شر طرد، وتنكرت لها الدولة المحتلة في كل مكان تريد القضاء عليها، بل لم تترك لها وللدين الإسلامي في برامج المدارس الرسمية إلا حصة لا تتجاوز عشرين دقيقة في اليوم، بينما أصبحت جميع العلوم تُلْقَى باللغة الفرنسية، وكما حارب الاستعمار العربية حارب أساتذتها وعلماءها وكتابها وصحفها أدبيا وماديا، في الوقت الذي كان فيه حامل الشهادة الإبتدائبة الفرنسية يجد جميع التسهيلات ليدخل في خدمة سادة اللغة الرسمية الجديدة.
والقضاء على اللغة العربية لم يكن إلا وسيلة للقضاء على جميع ما حملته هذه اللغة معها إلى المغرب من حضارة وثقافة وعقيدة ودين، حتى إذا جف هذا النبع الفياض وتوقف عن إمداد الشعب المغربي بحاجاته الفكرية والروحية، قامت الفرنسية باحتلال مكانه لتعمل على فرنسة هذا الشعب، فرنسة تفكيره ومنطقه وعواطفه، ومحاولة إدماجه في الجامعة الفرنكفونية كتابع متخلف- عليه نفس الواجبات- وليس له  نفس الحقوق.
ولم يكن للاستعمار ما أراد، فقد هب الشعب المغربي لطرده، ومقاومة جميع مخلفاته ورواسبه، ورفض أن يكون تابعا له رفضا قاطعا، سواء كانت هذه التبعية سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو لغوية، والتبعية اللغوية ليست أقل خطرا من التبعيات الأخرى، فهي تستلزم تلقائيا التبعية الفكرية طالما أن الإنسان يفكر بواسطة اللغة، ولم نكن بحاجة لهذه التبعية، لأن لغتنا العربية في طليعة اللغات العالمية، وقد اختارها الله لتكون لغة القرآن الكريم، فعبرت عن عبقريتها وسموها ودقة معانيها، ثم كانت اللغة الأولى في العالم التي وسعت حكمة الفرس وفلسفة اليونان وحضارة العرب، ولم تلبث أن أصبحت لغة حضارة إنسانية عالمية تحمل دعوة الحق إلى البشرية كلها.
ألم تكن اللغة العربية هي لغة البيروني وابن الهيثم والبتاني والخوارزمي وعمر الخيام والخازني وهم  أعظم علماء الإسلام وأساتذة أوروبا في الطبيعيات والرياضيات والبصريات والفلك؟، ولغة ابن البيطار والدميري في علوم النباتات والصيدلة والحيوان؟، ولغة ابن سينا والرازي وجابر بن حيان والزهراوي أساتذة الطب والجراحة والكيمياء العالميين؟، ولغة الشريف الإدريسي والمقدسي وابن حوقل والمسعودي واضعي علوم الجغرافية ورسم الخرائط؟، ولغة ابن خلدون واضع فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع؟، ولغة ابن رشد وابن طفيل والغزالي والفارابي أعظم الفلاسفة والمفكرين العالميين؟، ولغة إسحاق الموصلي وزرياب والكندي وابن فرناس واضعي أصول الموسيقى الكلاسيكية؟، ولغة آلاف من الأدباء والشعراء وعلماء المنطق والبلاغة والتصوف والقانون؟.
إن هذه اللغة المظلومة تُتهم اليوم بأنها عاجزة عن أداء مصطلحات الألفباء وأبجدية العلوم في المدرسة الإبتدائية، وأنها لا تملأ الفراغ للشباب المغربي لتبرير سيطرة اللغة الفرنسية واستمرار احتلالها الفكري للمغرب رغم استقلاله السياسي.
إن السيطرة الفكرية على شعب ما عن طريق اللغة هي إحدى الوسائل التي تنبه لها الاستعمار منذ فجر حياته، وقرر أهميتها لأغراض السيطرة السياسية والاقتصادية، ولذلك رأينا الدول الاستعمارية تخصص في ميزانياتها مبالغ طائلة لنشر لغتها، خصوصا في الأقطار التي تدور في فلكها أو تقع في مناطق نفوذها.
وإذا كان المغرب قد استطاع الخروج من فلك الاستعمار الفرنسي، فيجب الاعتراف بأنه لم يتخلص بعد من سرطان نفوذه، ونحن نتحدث عن نفوذه الاقتصادي والسياسي، ونكافح للتخلص منهما، ولكننا لا نُشير أبدا إلى نفوذه اللغوي ولا نحاول التخلص منه، بل على العكس، نقويه ونمد في عمره ونعتبره في طليعة أعمالنا الوطنية!!.
إن التفكك الخطير الذي يجتازه التفكير الوطني في بلادنا اليوم، هو بداية ثمار التعليم الفرنسي اللاديني المطعم بالسموم المدسوسة والذي خُطِّطَ بعناية للقضاء على طاقاتنا الروحية والخلقية والفكرية، التي هي عناصر استقلالنا وقوتنا ووحدتنا، ونحن ما لم نقوم هذا التعليم ونعربه ونوحده، فإنما نمد في عمر الأجيال المغربية التي سوف تتصارع فوق تراب وطنها لتملي عليه ما أراده الاستعمار لها.
وليت شعري كيف يمكن لأية حكومة وطنية تريد أن تبعث شعبا بعثا جديدا، وتستفز ما فيه من كوامن الغيرة والاعتزاز والثقة بالنفس، وتنفخ فيه روح الثورة لينطلق في طريق التحرر الكامل، ثم لا تضع لنفسها سياسة قومية محددة، تستمد قوتها من لغتها الوطنية وعقيدتها الدينية وحضارتها القومية، لتصل حاضرها بماضيها ومستقبلها بحاضرها.
وإذا كان الاستعمار هو المسؤول عن جهل جيلنا الحاضر بلغته، فإننا سوف نكون مسؤولين عن استمرار هذه المأساة لأجيالنا المقبلة، لقد مرت ثلاثة أعوام على استقلالنا (المقال كُتب سنة 1959) لم يتغير فيها وضع اللغة العربية الذليل إلا قليلا، بينما تحصنت اللغة الفرنسية في مراكزها أشد من تحصين الجيوش الفرنسية في ثكناتها!، فلم تتخل عن شبر واحد من امتيازاتها ونفوذها، لا في المدارس الابتدائية والثانوية والإسلامية، ولا في المدارس الإسرائيلية والمسيحية، ولا في إدارات الدولة ومصالحها، ولا في الشركات والمؤسسات العمومية، ولا في أسماء الشوارع والأحياء المغربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق