رأس السنة أم مؤخرة السنة؟

هذه الكأس ليست ككل الكؤوس، فهي كأس  ما يسمى ب 'رأس السنة الميلادية 2017' مع أنني أفضل  تسميتها بكأس مؤخرة السنة، لأن ما يتمخض عن مؤخرة السنة هذه من موبقات وبلاوي ومنكرات ومفاسد عظمى لا يمكن أن يصدر عن  رأس سوي، إنها إحدى المظاهر الواقعية والحقيقية الـمُعاشة عن قمة الغباء البشري الذي لا حدود له، بالرغم من بعض ديكورات الأبهة الفارغة المبنية على الخواء، وبالرغم من التحضر المغشوش المزين بكل مساحيق وصبائغ التجميل الاصطناعي، التي يحاول بواسطتها هؤلاء الأقوام إخفاء الخبث والبشاعة والفظاعة، فإذا بهم كمن يحاول حجب الشمس الساطعة التي تكاد تغشي الأبصار بالغربال.
فحتى الرؤوس الكبيرة تقع ضحية مؤخرة السنة هذه، لأن كل وسائل الغواية المتمثلة في مثلث برمودا الخطير، الذي لا يترك أثرا لشيء بعد عين، تكون متوفرة فيها بكثرة: المال وهو الوقود واللسان لمن أراد فصاحة والسلاح لمن أراد قتالا، الخمر والمخدرات وهما المحفزان اللذان يُقَوِّلاَنِ الشفاه ما تعجز عن حمله الجبال، و'نساء' كاسيات عاريات ليس لهن من رأسمالهن سوى صدور بارزة ومؤخرات مترهلة وهن قمة الغواية الشيطانية، وتمر هذه الرؤوس 'المحترمة فقط عند راسها'، كما جاء في قصة القروي والشيطان للفيلسوف الروسي الكبير ليو تولتسوي، في هذه الليلة التي يُستباح فيها كل منكر باسم نبي الله عيسى عليه السلام الذي هو بريئ كل البراءة من جميع هؤلاء الصعاليك، من المراحل الثلاث التي يتقمصون فيها ثلاث أدوار متتالية وفي ظرف زمني وجيز، ثعالب ثم ذئاب وينتهون في الأخير على هيأة خنازير يتبول بعضهم على بعض، وعندما ينقشع صباح اليوم التالي عن مناكر ومهازل وفضائح تلك الليلة، تنهض تلك الرؤوس 'المحترمة فقط عند راسها' وتأخذ حماما ساخنا وفطورا دسما وتركب سياراتها الفارهة  وكأن شيئا لم يقع، وتبدأ في إعطاء الأوامر للمستضعفين المستسلمين من السَّخَرَةِ المحكَورين الذين يخرجون دائما في جميع نزالاتهم في آخر المطاف خاليي الوفاض منذ الأزل.
ولطاما لا حظت في عدة محطات أن الحياة ملتوية ومثعلبة ماكرة تتطلب دائما المغامرة و'الفانت' و'الجبهة' ولا مجال للطيبوبة والأخلاق والتربية الحسنة عندما يتعلق الأمر بمثلث برمودا السالف الذكر، وعليه فمن كان 'نية واحدة' ووجد نفسه على الرغم من أنفه يوما ما على طاولة قمار في كازينو فخم يضم، تحت سقف مضيء بالأنوار وكؤوس طائفة على المضمار، عالما منحلا فاسدا حتى النخاع لا يتكلم غير لغة الأرقام باليورو والدولار،  عليه أن يعرف بأن السبيل الوحيد لحماية نفسه من الطحن والهلاك هو أن يتظاهر بالجنون ولا شيء غير الجنون.
فنحن معشر البشر وحدنا مقنعون ومجهولون ولا أحد يعرف عما ننطوي، على الرغم من كون كل واحد منا يملك مرايا تذكره بمن يكون، إلا أنه يحتفظ به سرا مكنونا في قرارة نفسه، وإياك ثم إياك يا صاحب النية الحسنة والنفس الطيبة أن تسعى وراء العدالة وفي ظنك بأنك تملك قوة الحقيقة، فلسوف تقع فريسة حبل هذه العدالة بلا نقض ولا إبرام لا محالة.
إنني أتحدث هنا عن العدالة البشرية التي قال فيها الكاتب الفيلسوف الثوري الرومانسي الصوفي جبران خليل جبران قولا بليغا : "إن عدل الناس ثلج إن رأته الشمس ذاب"، أما العدالة الإلهية المطلقة فتلك موازين أخرى من الصعب بمكان  أن تدركها عقولنا الحقيرة التافهة المحدودة الأفق والقاصرة الفهم والإدراك،  وهي كل ما تبقى من شعاع أمل في الحياة الآخرة للمستضعفين المسخرين لخدمة نزوات وشذوذ الفسدة من الأقوياء الظلمة المتفرعنين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق