مأساة الديمقراطية في العالم العربي

أُمَّـــــتِي كَمْ صَنَــــــمٍ مَـجـَّــــدْتِــــــهِ      لـَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ طُــهْرَ الصَّنَـــمِ
لاَيُـــلاَمُ الذِّئْـــــبُ فِي عُدْوَانِــــــهِ      إِنْ يَكُ الــــرَّاعِي عَدُوَّ الغَنَــــمِ
فَاحْبِسِي الشَّكْوَى فَلَوْلاَكِ لَمَا كَانَ فِي الحُكْمِ عَبِيدُ الدِّرْهَــــمِ
الشاعر السوري عمر أبو ريشة رحمه الله
تحول مصطلح ما يسمى ب(الديـمقراطية) في كثير من البلدان العربية خصوصا ما بعد مهزلة الخريف العربي إلى فوضقراطية عارمة، وأتاح لكل ذي بصيرة أن يدرك مدى غباوة وسذاجة الكثيرين من الذين انجروا وراء هذا التسونامي المدمر الذي خرب خرابا لم يسبق له نظير أواصر التعايش والتساكن والتراحم بين مكونات الكثير من الدول العربية، وخرب أيضا اقتصادها وقضى أو كاد أن يأتي على مقومات أسس بعض الدول التي صارت قاب قوسين أو أدنى من دول فاشلة بكل ما في الكلمة من معنى، ثم تركها ملومة متحسرة كأعجاز نخل خاوية أمام شماتة الغرب الصليبي و'إسرائيل'، الذين استلقوا من الضحك حتى انهمرت الدموع من عيونهم مرة أخرى على العرب، الذي قال فيهم رئيس وزراء 'إسرائيل' السابق 'موشي دايان' بأنهم لا يقرؤون وإذا قرؤوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يعملون.
إن هذه (الديمقراطية) التي دوخونا بها ليل نهار برا وجوا وبحرا لا تعدو أن تكون بالنسبة لي شخصيا، وأنا هنا لا أمثل إلا نفسي ولا أنطق باسم أحد، إلا كمثل عاهرة تقف كل ليلة على الرصيف تتفاوض مع زبون على أجرتها ثم تبحث عن زبون آخر وهكذا دواليك، أما حسب ما يدعي الغرب فهي  تعني  بالنسبة له حكم الشعب نفسه بنفسه أي أن كل الناس بدون استثناء تمارس مظاهر السيادة بنفسها مباشرة بدون وسطاء أو نواب، وهو ما يبدو  ولو نظريا النظام الأمثل للحكم الذي لم ولن تستطع البشرية تحقيقه أبدا على الإطلاق، نظرا لاستحالة تطبيقه على أرض الواقع أولا لاتساع مساحات الدول، وزيادة عدد سكانها، وتعقد الحاجات الملحة للدولة الحديثة، زيادة على اختلاف وتضارب مصالح الطبقات الاجتماعية والأحزاب والفرق والطوائف والأديان والمذاهب ودفع بعضهم بعضا لدرجة القذف والشتم والعض والرفس الذي ينتهي أحيانا بالاقتتال، ومن مات منهم مات شهيدا لهذه العاهرة المسماة 'الديمقراطية'.
ومع تطور ما يسمى ب 'العلوم السياسية' ، بدا جليا أنه من ثالث المستحيلات اجتماع الشعب في مكان واحد وإجماعه على رأي واحد، فأضحى مدلول (الديمقراطية) السائدة حاليا في الغرب الصليبي محصورا فقط في (الديمقراطية) الليبرالية التي تستمد قوتها من دعامتين أساسيتين على ما يبدو نظريا وليس واقعيا هما: مبدأ سيادة الشعب وحقه في اختيار حكامه ورقابتهم، ومبدأ كفالة الحريات والمساواة في المجالين السياسي والاقتصادي، لكن ضعفها الكبير والجلي يكمن في تسلم الأغلبية مقاليد السلطة والحكم  بعد فوزها في الانتخابات حتى ولو تم ذلك بفارق أقل من واحد في المائة من الـمُنْتَخِبين، والباقون أي المنهزمون 'إيحدروا الراس ويمشيوا إيضيموا'.
ومن بين الإفرازات الغريبة والعجيبة لهذه (الديمقراطية) في جميع بقاع المعمور، وفي الدول المتخلفة الأمر أفظع، شيوع تصرفات الكذب والاحتيال والدجل لأكبر الأبواق المنادية ب(الديمقراطية) بألسنتها الطويلة،  التي تحول التراب تبرا في عيون المنبهرين عند حلول الانتخابات البلدية أو التشريعية بل حتى الرئاسية منها، بحيث يختلط الحابل بالنابل، وتظهر الطبيعة الحقيقية للبشر في حب التملك والسلطة و'التفرعن' والتسابق للظفر بالكراسي البائدة والعض عليها بالنواجذ باستعمال كل الوسائل القانونية والغير قانونية، ابتداء بالتزلف لمن بيدهم مراكز السلطة والقرار، مرورا بدفع الأموال يمنة  ويسرة بسخاء ليس له مثيل، وانتهاء بضرب مؤد ومهلك تحت الأحزمة إن دعت الضرورة لذلك، ويحدث هذا حتى في الدول التي تسمي نفسها (ديمقراطية)، أما في الدول المتخلفة التي ما زال الجهل القاتل ينخر فيها كالسوس، فزيادة على ذلك يتم تسخير آلات نسخ لتفريخ صور مشوهة لل(ديمقراطية) الغربية، تخرج من بين أحشاءها أنهار من الأكاذيب والأراجيف في الصحافة المأجورة والأنترنت وسموم قاتلة من الدسائس والمكائد من وراء الكواليس لمن يُرَادُ تشويه صورته وكَسْرُ ظَهْرِهِ أمام الملأ، تنضاف إلى ذلك عصابات ومليشيات مدججة بالعصي والأسلحة البيضاء وحتى النارية لإرهاب الخصوم وإرغامهم على التنحي لإفساح المجال لمن يدفع أكثر من البقشيش، ويصل السيل الزبى وتصبح الانتخابات عبثية مطلقة عندما تتم هذه الانتخابات شفافة ونزيهة حسب ما  تدعيه كذبا وبهتانا السلطات الرسمية تحت أعين وسائل الإعلام، التي بمجرد ما تُصيبها غفوة أو تنتابها سِنَةُ أونوم يتم تزوير أصوات الناس الدراويش تحت أجنحة الظلام من طرف السادة  (المحترمين) القائمين بالضبط على تنظيم ومراقبة سير العملية الإنتخابية.
وبعد كل ما سلف، فإن السؤال التالي يفرض نفسه بقوة: لماذا يتسابق الناس تسابقا محموما ويتنافسون تنافسا مسموما للفوز بمناصب المسؤولية، التي هي أصلا تكليف وليست تشريفا،  ويدفعون الأموال الطائلة، ويستعملون أحيانا وسائل خسيسة ومنحطة لأجل ذلك؟؟، الجواب واضح وجلي وهو أن الواقع المعاش، بعيدا عن الديماغوجية الكاذبة ومثالية النصوص القانونية المليئة بالثقوب، والدساتير المكتوبة المغشوشة، وجهل ونفاق الشعوب المقهورة، يُظهر بقوة أن المنصب يهب لصاحبه زيادة على المال سلطة وصولة وجبروتا أكبر لفعل أمور لا يستطيع عامة الناس فعلها، مع منحه صلاحيات واسعة تكون أحيانا بلا حدود ولا كوابح ولا ضوابط قانونية له ولأسرته وتريكته الأقربين منهم والأبعدين، لقضاء مآربهم في جميع دواليب الدولة، مما يفتح الباب على مصراعيه للغنى اللامشروع والاختلاسات بالمجملة لأموال الشعوب المستضعفة المقهورة، إضافة إلى تحمله، مع أنه يسمي نفسه 'مسؤولا رفيع المستوى'، مسؤولية أقل بكثير من عامة الناس العاديين أو المستضعفين بصريح العبارة، عند ارتكابه اختلاسات مالية أو أخطاء مهنية أو حتى جرائم جنائية يعاقب عليها القانون أقسى العقوبات 'المزاليط' فقط، زيادة على مظاهر الأبهة والفخامة والترفع الخاوية التي تفتخر بها في كل ناد نساءهم المخنثاث خاصة، وهذا الأمر على الرغم من قلة حدوثه في الدول التي تسمي نفسها  (ديمقراطية)، فإن من تتم متابعته غالبا هو من تقتنصه وتفضحه وسائل الإعلام سواء بحسن أو سوء نية، أما ما يقبع تحت جبل الجليد الهائل العائم فيبقى سرا مدفونا مكنونا لا يعرفه إلا الراسخون في 'القوالب وعلوم التنوعير' أو ما يسمى بالفصحى ب'العلوم السياسية'.
فمن كان لا يزال يؤمن ب(ديمقراطية) الحزب الصليبويهودي العالمي وشبكات تواصله الاجتماعية التي تعمل على قدم وساق صباح مساء لنشر الرذيلة والإباحية تحت شعار الحداثة والعلمانية والتحرر وقتل العزة والإباء والغيرة في النفوس، وإذكاء نار الفتنة في كل أرجاء العالم الإسلامي بدعوى مناهضة الاستبداد والدفاع عن  زرع  ونشر (الديمقراطية) و (حقوق الإنسان) فإنه فعلا مخدوع و'ما جايب للدنيا اخبار' .
 ومن  كان لا يزال يبحث عن (الديمقراطية) على صيغتها التي سادت بها لفتر قصيرة من الزمن في المدن اليونانية القديمة لكي يقول هو الآخر كلمته ويُثْبِتَ ذاته، فقد يسعفه الحظ أو يسعف أحد أحفاد أحفاد أحفاده ليجدها يوما ما عندما يحط الإنسان رجله على سطح  المريخ، ومن كان فقيرا مُعْدَماً وينتظر من (ديمقراطية)، يتربع على كراسيها الجهلة بالرغم من توفرهم على شواهد عليا لأن اللحية لا تصنع الفيلسوف، ولصوص المال العام، والمتاجرون في الممنوعات، والمرتشون والانتهازيون والسماسرة وأولاد الحرام، أن تغنيه وتغير جلده في رمشة عين وتفتح أمامه خزائن قارون، وتعطي لرأيه وكلمته وزن رأي وكلمة 'نابوليون بونابرت' في كل ناد، فحُلمه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وسيبقى حالما متحسرا إلى أن ينهار و'يردموه الخوت فشي حفرة ويرجعوا ليأكلوا عشاءه وهم مترنحون'.
 لقد سبق للرئيس الأمريكي الأسبق 'رونالد ريغان' أن صرح، وهذا رئيس أكبر دولة في العالم تدعي نفسها برائدة العالم الحر،  مرة وقال:"الحكومة مثلها مثل طفل رضيع: جهاز هضمي بشهية كبيرة من فوق وبدون أدنى شعور بالمسؤولية من تحت"، بدون تعليق... ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق