الأوبـاش

الأوباش هم  جموع الغوغاء التي تُصبح حتى لدى أجبن الجبناء من أفرادها الجرأة والشجاعة  للقيام بأفعال لم يكونوا يحلموا بها حتى في منامهم، فبمجرد التحامهم وذوبانهم وسط الحشود، يجد الغوغاء ضالتهم ويُفْرغون ساديتهم وكبتهم وسط الزحمة والفوضى بعيدا عن مراقبة السلطة الرادعة، وتُضحي جميع أفعاهم تحت سيطرة الحبل الشوكي عوض الدماغ، الذي يمثل مركز العقل في الإنسان، بحيث تكون قاب قوسين أو أدنى من تصرف  الكائنات الأكثر بدائية، التي تنحصر ردة فعلها تباعا للصدفة أو الإثارة، إنهم مجرد لعبة من الكراكيز لمجموعة من المؤثرات الإيديولوجية والعصبية والعنصرية الخارجية والداخلية منها، التي تستعبدها وتستلب فكرها وتستغله استغلالا بشعا إلى أبعد الحدود، ولقد تـأكد ذلك  لي جليا واضحا  عندما أقدمت مجموعة من المتعصبين المهرولين نحو 'إسرائيل'، الذين يكنون عداء لا مثيل له لكل ما هو عربي وإسلامي،  على إحراق صورة رئيس الحكومة المغربية المحترم بدون رادع ولا متابعة قانونية، لأنها بفعلتها النزقة الشنيعة تلك التي تدل على عقليتها العنصرية المتخلفة وانهيار القيم والأخلاق لديها،لم تسئ إلى السيد رئيس الحكومة فقط، بل إنها أساءت كثيرا إلى مجموع الشعب المغربي الذي انتخبه بشكل ديمقراطي إن كانوا فعلا ديمقراطيين كما يدعون.
فإذا كان الإنسان السوي والمتزن يملك القدرة للسيطرة على ردود الفعل لديه، فإن الأوباش يفتقدون كلية لهذه الملكة الإنسانية المتحضرة، ويمكن لهؤلاء الرعاع  أن ينتقلوا نقلات فجائية  خطيرة في ظرف زمني وجيز، من مرحلة الخوف والهدوء إلى مرحلة أكثر وحشية ودموية تُضحي معها هي نفسها جلادا وجزارا للمواطنين بالجملة  بعدما كانت هي نفسها تنتقد وتلعن الجلاد، إنهم أشبه بأوراق يابسة تحملها عاصفة وتشتتها في جميع الاتجاهات وتتركها تتساقط تباعا، والأوباش في غياب قوة قاهرة رادعة  لا يقبلون أبدا أن يَحُول شيء بينهم وبين أهدافهم ومراميهم ورغباتهم، فتفكيرهم القاصر والمعمي البصيرة يُوحي لهم بأن أعدادهم الكبيرة تُعطيهم الشعور والانطباع لقوة لا تُقَاوَم، عند ذلك يُصبح المستحيل ممكنا حتى ولو أدى ذلك إلى إشعال الحرائق في جميع الممتلكات الخاصة والعامة منها، فهم يشعرون وسط الأعداد الغفيرة من الرعاع بأنهم قوة جبارة لا تُقهر، ويكفي نفخ 'رؤوسهم' وتعبئتها بأفكار مثل الجريمة والسلب والنهب والتخريب والحرق حتى  يتحولون إلى إعصار هائج مدمر، إنه نوع من الهلوسة الجماعية لحشود مستعرة يتساوى فيها في جهلهم الأميون و'المثقفون' على حد سواء.
ويحدث هذا العبث الذي ما بعده عبث عندما تختفي الملاحظة الدقيقة والرؤيا الحصيفة والتفكير المنطقي النقدي، وقد أثبت التاريخ غير ما مرة الأخطاء الفادحة التي نتجت عن الملاحظات الجماعية التي لم تكن في واقع الأمر سوى عبارة عن أوهام وهلوسات لشخص واحد سرعان ما انتشرت كالعدوى في الجموع المنومة مغناطيسيا والمفتقدة لأي فكر نقدي حر، الشيء الذي يحولها إلى مجموعة من الكائنات البدائية التي تجهل عددا هائلا من الأطياف المتواجدة في الواقع ما بين الطيفين  الأبيض والأسود، بحيث يتحول الشك المتذبذب إلى حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل، ومن هنا تبدأ الكراهية العنيفة والرفض المغرض لمن يخالف هاته الحشود الغوغائية في أفكارها، وفي مثل هذه الأجواء يتخلص الحقير والجبان والجاهل والحقود من مشاعرهم الباطلة والعاجزة ويستعيضون عنها بقوة وحشية عابرة ولكنها مرعبة ومدمرة كالإعصار، إنهم دائما على استعداد للانتفاضة ضد سلطة ضعيفة غير منظمة وغير متدربة وغير مستعدة بما فيه الكفاية لمواجهتهم وردعهم، لكن ظهورهم تتقوس وتنحني خائفة خانعة أمام سلطة قوية، محكمة التنظيم والانضباط ماديا ومعنويا.
 إن البوق المحرض الذي يريد أن يستولي على ألباب هؤلاء الرعاع  يستعمل إثباتات قوية ومبُالغ فيها، يؤكدها كل مرة ويكررها حتى ترسخ في الأذهان، ولا يلجأ أبدا إلى البرهنة على أفكاره وشرحها  عن طريق المنطق والتعليل والحجة والبرهان، إن اجتماع حشد من المخلوقات، سواء تعلق الأمر بالنسبة لقطعان الحيوانات أو البشر، تسعى دائما وبطريقة غريزية لتضع أنفسها تحت رحمة سلطة رئيس طاغ، فالطغيان ليس رديفا فقط للسياسيين فهو يوجد أيضا بين الغوغاء والأوباش بل حتى في جوف طوابير من يسمون أنفسهم بالمثقفين،  وفي جميع المجالات الاجتماعية من الأعلى حتى الأسفل، بمجرد ما يتخلى الشخص عن عزلته وانفراده بشخصيته الحرة الفكر والقرار حتى يقع تحت قانون زعيم يجعله أكثر خضوعا وطاعة من أية حكومة استبدادية على وجه الأرض، ومعظم الناس خصوصا في التجمعات البشرية لا يملكون خارج اختصاصهم فكرة واضحة ومنطقية عن أي شيء، إنهم غير قادرين على التحرك بملء إرادتهم الحرة، فالزعيم هو دليلهم ومرجعهم الوحيد ومثلهم الأعلى الذي يُقْتَدَى به ويُفْتَدَى له.
وعندما يتعلق الأمر بترسيخ أفكار ومعتقدات معينة في أذهان الأوباش والرعاع، فإن الزعيم يعتمد بشكل رئيسي وأساسي على ثلاثة ركائز: الركيزة الأولى تكمن في التأكيد بكل وضوح وبساطة خال من أي منطق أو برهان، وتعتبر هذه واحدة من أسلم الطرق لإدخال الفكرة في أذهانهم، فكلما كانت العبارة موجزة ومقتضبة وكلما كانت خالية من أي مظهر من مظاهر الأدلة والتعليل، كان لها صدى قوي وسلطة أقوى، لكن التأكيد لن يكون له تأثير حقيقي وفعلي إلا بشرط تكراره وإعادة تكراره بأكبر قدر ممكن وهذه هي الركيزة الثانية، إذ أن الشيء المؤكد يستقر من خلال التكرار في الأذهان التي تتقبله بأنه حقيقة ثابتة.
  وبمجرد ما يتم الإجماع فيما يخص عمليتي التأكيد والتكرار ينتقل مشعلو النيران والفتن إلى المرحلة الثالثة والأخيرة والتي تشكل ما يسمى بتيار الرأي لتنتشر العدوى في حشود الغوغاء، فالأفكار والمشاعر والعواطف والمعتقدات لديها قوة معدية أشد وأكثر فتكا من عدوى الميكروبات، فليس بالحجج والمنطق يُقاد الأوباش، بل بنماذج مفبركة قد تختزن بداخلها كل متناقضات الدنيا ولا ضير في ذلك، ولا يُقبل البتة أن تختزن بداخلها آليتي التفكير الحر السليم والاستدلال المنطقي المعلل بالحجج والبراهين والمجرد من أي انتماء أو عصبية أو تحزب أو انتهازية، لأنه بكل بساطة في هذان المضادان الحيويان المتجليان في التفكير الحر السليم والاستدلال المنطقي المعلل يكمن حتفها وزوالها.
إن العامل الرئيسي في تطور المجتمعات على مر عصور التاريخ لم يكن دائما إثبات الحقيقة من أجل الحقيقة فقط،   ولكنه كثيرا ما كان لإثبات أمور اتضح فيما بعد كونها أخطاء فادحة وأحيانا قاتلة ومدمرة، فإن كانت الرأسمالية والسوق الحرة  ما تزال تبدو للناس قوية ومتينة فلأنها لا زالت تعتبر إلى يومنا هذا الوهــم والهلوسة البشرية الجماعية  الوحيدة التي ما تزال تستحوذ على فكرنا القاصر والمتغير باستمرار، وأكبر العارفين الفهماء كثيرا ما أثبت الواقع والأحداث التاريخية بأنهم هم  السادة الجهلاء الثقلاء ومن أخطر مروجي الفتن على الإطلاق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق