هانس زيمر Hans Zimmer الفنان العصامي


يمكن القول بكل موضوعية أن معظم مؤلفاته من الموسيقى التصويرية للأفلام تعتبر تحفا فنية غاية في الروعة، لاقت ترحيبا وإعجابا استثنائيين على المستوى العالمي من طرف جمهور عريض من رواد دور السينما ومستمعي الموسيقى السمفونية، وهانس زيمر هو مؤلف الموسيقى التصويرية للفيلمين الكرتونيين المشهورين 'الأسد الملك' و 'أمير مصر'، لكن شهرته الحقيقية لم تبدأ إلا في ظلام صالات السينما العالمية الخاصة بالجماهير العريضة، حيث أتحف هذه الصالات بأروع معزوفاته ابتداء من أفلام 'المصارع' (1.500.000 من المبيعات حول العالم)، 'الصخرة'، 'صانع السلام'، 'هانيبال'، 'بيرل هاربر'، 'قراصنة الكاريبي'، 'شفرة دافينتشي'، 'الملك آرثـر' وغيرها كثير، حائز على جائزة أوسكار وثماني ترشيحات لنيل الأوسكار واثنتان من جوائز غولدن غلوب، واحدة منها عن موسيقى فيلم 'المصارع'، وحائز أيضا على ثلاث جوائز غرامي هوارز، وعلى ذكر فيلم 'المصارع' الذي تم تصوير معظم لقطاته بالمغرب، مع إدانتي الشديدة واستنكاري الكبير على ورود جملة حوارية قصيرة مقصودة مع سابق الإصرار والترصد مدوية وجد مسيئة وحاطة بالكرامة المغربية.
فبعد انتهاء 'هانس زيمر' من تأليف موسيقاه التصويرية، سأله مخرج الفيلم 'هيرزوغ فيغنر' ماذا يطلب كأجر مقابل تلحينه لهذه الموسيقى الرائعة، فكانت دهشته كبيرة لما أجابه 'هانس زيمر' :"من أجل هذا الفيلم الذي أنتجناه معا أمتنع عن أخذ أي مقابل منك، تقبل مني هذه الموسيقى كهدية"، وفيما بعد لما ألقى المخرج 'هيرزوغ فيغنر' نظرة على العقد قبل إمضاءه لاحظ فقرة فيه تقول بأن حقوق التأليف متخلى عنها إلى الأبد"، فشرح 'هيرزوغ فيغنر' لمحامية 'هانس زيمر' بأنه لا يمكنه القبول بذلك لأن كلمة الأبدية تؤرقه، وأضاف قائلا من الأفضل تغيير تلك العبارة بالعبارة التالية: "إلى الأبدية إلا يوما واحدا"، وتم تدوين ذلك في العقد، وحل يوم إمضاء العقد بحضور الطرفان مخرج الفيلم ومؤلف موسيقاه، ووقت تصفح العقد لاحظ 'هانس زيمر" الجملة التالية: "جميع حقوق التأليف متخلى عنها إلى الأبد إلا يوما واحدا"، فوقف منتفضا وقال: "ما هذه الخزعبلات لمن هذا اليوم؟"، فشرح له المخرج 'هيرزوغ فيغنر" الأمر، عندها ضحك 'هانس زيمر' كثيرا واستطرد قائلا أنا الآخر أريد يوما، وتم تدوين ذلك في العقد على الشكل التالي:" جميع حقوق التأليف متخلى عنها إلى الأبد إلا يومان"، يوم لمخرج الفيلم 'المصارع' الرائع ويوم لمؤلف موسيقاه التصويرية الأروع.
 هانس زيمر فنان مبدع استطاع أن يُزاوج ويُؤالف في موسيقاه بين الأسلوب السمفوني الكلاسيكي والموسيقى الإلكترونية، مما مكنه من منح الجمهور موسيقى شاعرية بطولية ملحمية وجد مؤثرة، تكون أحيانا حماسية تثير في النفس الشهامة والشجاعة والبطولة والإقدام وأحيانا أخرى تغوص بالنفس إلى أعماق الحنين والرحمة والرقة، وفي أحايين أخرى تثير عواصف وزوابع من الحزن والأسى العميقين، إنه أسلوب فريد جديد ومتميز لم يكن له وجود من ذي قبل في مجال الموسيقى التصويرية للأفلام، وعلى الرغم من كون بعض النقاد يعتبرون هانس زيمر مجرد صانع موسيقى للأفلام التجارية، ولم ينل تكوينا موسيقيا معمقا، وغير قادر على قيادة أوركسترا ضخمة وتوجيهها حسب قولهم 'واللسان ما فيه عظم' كما يقول المثل الشعبي المغربي، وبالرغم مما قيل  يعتبر هانس زيمر من الفنانين العصاميين الكبار الذين كونوا أنفسهم بأنفسهم وثقتهم فيها واعتمادهم عليها، بحيث استطاع في سن مبكرة من تعلم الدروس النظرية للموسيقى والعزف على البيانو في ظرف أسبوعين فقط، وهنا مكمن قوته وشخصيته وأصالته، بحيث تمكن من ابتكار أسلوب موسيقي مميز خاص به وحده متجاوزا معظم الملحنين الكلاسيكيين للأوركسترا، أسلوب تظهر عليه أحيانا بعض التأثيرات واللمسات والإيحاءات الأوروبية خاصة الألمانية منها، والتي هي بطبيعة الحال نابعة من موطنه الأصلي ألمانيا.
ويعتبر هانس زيمر اليوم رمزا من الرموز القوية ومرجعا أساسيا لموسيقى الأفلام الحديثة في هوليود بلا منازع بتأليفه أكثر من 120 مقطع موسيقى، وهذا في حد ذاته يعتبر إنجازا ضخما وصل إليه بمثابرته وجهده وعرقه ولم يكن في يوم من الأيام مدينا به لأحد، وفي كل الأحوال فإن الحكم على هذا الفنان وتقييمه من خلال شواهده وتكوينه يجانب الصواب بعض الشيء، لأن الفرق بين  العصامي والذي حصل على أعلى الشهادات والألقاب ليس يكمن في الكم المعرفي واتساع نطاق المعرفة، بل هو بالأحرى كامن في درجات مختلفة من الحيوية والثقة بالنفس وفي الأخير بقيمة العمل والعطاء، والأعمال تُقاس بنتائجها وخواتمها وليس بأغلفتها ورفشها، فكم من أصحاب الشواهد والألقاب لم يتركوا وراءهم بعد رحيلهم شيئا يذكر، وكم من الرجال العصاميين الذين لم ينالوا لا شواهد ولا ألقاب تركوا وراءهم كنوزا وجواهر لا تقدر بثمن في الفن والأدب والعلوم وشتى الميادين المعرفية الأخرى، ولعل خير مثال على أن الشواهد ليست هي كل شيء، هو خيانة وعمالة وسفالة بعض الزكاترة والمثقفففففين لأسيادهم ولحسهم لأحذيتهم صباح مساء، أشياء يستحيي أن  يقوم بها حتى أجهل الأميين الذين لم ينالوا من التحصيل الدراسي شيئا مذكورا.