مراكش التي تعرفني لم أعد أعرفها

جمعت هدومي ورتبت حقيبتي وأخذت معي بعض الكتب المفضلة لدي، وأصبحت على أهبة الاستعداد لمغادرة مدينتي التي طالما جريت بين أزقتها ودروبها وتغنيت ببهائها وطيب هوائها القادم من جبال الأطلس المحمل بنسمات 'أغمات'، مدينتي الحمراء التي يا ما تمسحت بترابها الأحمر و يا ما ارتويت  بمياهها العذبة الرقراقة المنسابة من سفوح الأطلس، مراكش التي تعرفني جيدا خانت عهودي من بعدما ملكتها قلبي فلم أعد أعرفها كما عهدتها صادقة متواضعة عفيفة حنونة وبريئة، لذا قررت هجرها والابتعاد عنها ونسيان ذكراها بحثا عن قليل من الأوكسجين الطاهر النقي.
ارتميت داخل أول سيارة أجرة توقفت أمامي، حملق  السائق  في هيئتي في المرآة بعينين ماكرتين، لم يسألني سؤالا واحدا عن وجهتي وانطلق بالسيارة كالسهم، نزق متسرع في سياقته وكلامه وحركاته وإشاراته كما هو حال الكثيرين من الرعاع والأوباش الذين هجموا على مدينتي واغتالوا براءتها، كان الجو حارا والعرق يتفصد من جبيني، لذا كنت أحاول تجنب الإنصات لهذه الحثالة البشرية والرد عليه بهز رأسي بين الفينة والأخرى كدلالة على أنني أنصت إليه حتى لا يتعبني بثرثارته الفارغة، فأنا بالنسبة له لست سوى عبارة عن رقم من الأرقام الذي عليه أن يحلب منه الكثير من البقشيش  لا أقل ولا أكثر.
قطع بي هذا السائق الثقيل صحاري قاحلة مقفرة وكان يردد خلال ذلك كلمات فهمت من خلالها على أن الطريق مزدحمة ومكتظة لدرجة تثير حنقه وغضبه، غير أنني استغربت لكلامه لأنني لم أكن أرى من خلال نوافذ السيارة غير كثبان من الرمال الصامتة تحت شمس من الجمر القاسي المشتعل، جمر أحمر يستحم الأفق في سرابه، فمن منا يرى الحقيقة؟، ولربما هو يهلوس وأنا الآخر كذلك، توقفت بي سيارة الأجرة بعد نصف يوم  كامل أمام فندق يبدو مهجورا، وقد عُلقت فوق بابه لوحة كُتِب عليها ببنط عريض 'نزل السعادة لمن ضاقت به المدينة'. 
قلت مع نفسي كم هي تعيسة وبائسة هذه السعادة المسكينة التي تسكن وحدها في هذا الفندق النائي المهجور، ثم ما لبثت أن تراجعت عن أفكاري وهواجسي فالمظاهر غالبا ما تكون خادعة، وما كل شيء يوافق خُبــْـــــرُهُ خَبـَــرَهُ، كما أن عقل الإنسان بمقدوره أن يخلق في مكان مُقيمٍ من الجحيم فردوسا أو جحيما من الفردوس كما قال يوما الشاعر الإنجليزي الضرير 'جون ميلتون'.
بقي السائق يحملق في وجهي بينما كنت أنا سابحا أناجي بنات أفكاري التائهة في غياهب الذكريات، فهز يدي وقال 'سبحان الله الشريف راه وصلنا'، وكأن به صب فوق رأسي إناء من الماء البارد، أنزلت لوازمي وناولته 800 درهم، ''هاذ الشي راه قليل الشريف''رد السائق، زدته 100 درهم أخرى، فنظر إلي نظرة 'الشيفورات' وقال:'' راه قطعت بك المغرب من الوسط إلى أقصى الجنوب كورسا وعاطيني 900 درهم !!''، ولم أجد بدا من زيادته 100 درهم أخرى كي أرضيه، ولم أَلُـمْهُ لأن الكثيرين في هذا العصر الممسوخ يُطالبون بالزيادة في الأجور، وآخرون يطالبون بحرية التدين وحرية الفسق والفجور، ولا أحد يطالب بإتمام العمل وإتقانه والتحلي بالخلق الحسن وشمائله، وإذا عُرِفَ السبب بَطُلَ العجب. 
ولجت بهو 'نزل السعادة لمن ضاقت به المدينة'، فهرول صاحبه نحوي مرحبا وهو يهز يدي ويشد عليها بحرارة وكأنه خل من خلاني لم ألتق به منذ زمان، قلت: ''أريد غرفة لتمضية بعض الليالي''، قال:''كل الغرف شاغرة، اختر ما يعجبك منها، ابتداء من المطلة نحو الشرق حتى المطلة نحو الغرب''، قلت: ''أصلي ومنشأي من الشرق وأحب أن أرى شروق الشمس، سوف آخذ واحدة تطل نحو الشرق''، حمل حقيبتي وأشار لي بيده كي أتبعه، صعدنا الأدراج حتى الطابق الثاني، ثم فتح إحدى الغرف، كانت إضاءتها ضئيلة كمثل شمعة في فانوس، حيطانها تكاد تنطق بمسراتها وأحزانها وهمومها وأكدارها، يتوسط الغرفة سرير مهترئ لشخص واحد شبع من البشر من كثرة استعماله، بجانبه الأيسر منضدة معدنية وُضِعت فوقها مزهرية ذابلة وهاتف عتيق خارج التغطية، وعلى الجانب الأيمن للسرير  وُضِعت طاولة خشبية صغيرة شحب لونها من قوالب الدهر مع كرسيي معوق بثلاث قوائم، وبالقرب من الباب يوجد ما يمكن تسميته بحمام ودورة مياه إن صح التعبير، سألته إن كانت المياه ساخنة، فأجابني بأنه سيقوم بإيقاد السخان بعد نزوله لأن لا أحد كان بالنزل وقت وصولي، ثم أخبرني بأن الفندق لا يتوفر على تلفاز ولا إنترنت ولا كازينو ولا علبة ليلية ولا ماخور ولا خمارة ولا حانة ولا بنات للدلك والتدليك ولا شيخات ولا مخنثين ولا مخنثات ولا شيشة ولا حشيشة ولا متواطئين مع المفسدين من (حُـمَاةِ) العز والشرف.
قلت له بأنني جئت هاربا بجلدي من مراكش لأنها غرقت في هذه  البلاوي والمصائب والفضائح من الرجلين حتى الأذنين، وصارت عبارة عن بركة نتنة آسنة تسر الفاسدين المفسدين، وأضفت بأن ذلك أحسن لي وأجدى نفعا لأنني لا أحب أن تتلوث أفكاري، وتزداد عيوبي وأضراري، وتفتضح دواخلي وأسراري، ثم قلت له بأن نزله بحق اسم على مسمى، فاغتبط وانشرح لِـمَا سمع مني وأخبرني بوجود مكتبة في الدور الأرضي غنية بكل أصناف الكتب إن كنت أعرف القراءة، شكرته على خدمته وناولته بعض الدراهم حتى لا يشتمني ويصفني بكل النعوت سرا في نفسه عند نزوله الأدراج، حياني بطبيعة الحال جهرا بكل أدب واحترام وعاد من حيث أتى، ارتديت ملابس نومي واستلقيت على السرير وبدأت أحدق في سقف الغرفة، كنت أرى أو بالأحرى  تتراءى لي الكثير من الوجوه منها ما هو ضاحك و ما هو مبتسم وما هو شامت و ما هو حزين، غير أنها وجوه غير مألوفة لدي، ربما هي بمثابة الأيام والليالي أو قد تكون مجرد خيالات وأوهام من بنات أفكاري، عن ذلك استدرت على جانبي الأيمن وبدأت أدقق النظر في الطاولة، كانت تذكرني بمكتبي بالإدارة اللعينة التي أشتغل بها، أربعة أرجل وسطح خشبي، غير أن مكتبي كان مليئا بالأوراق والملفات التي حُرِّرَت معظمها باللغة الفرنسية بعد أزيد من نصف قرن على 'استقلال' بلدي.
ما الفرق إذن أن تكون طاولة ما ملأى بالأوراق أو فارغة؟ ما الفائدة في أن يكون المرء طيبا عوض أن يكون نذلا؟ ما الفائدة في أن يكون المرء فاضلا  عوض أن يكون حثالة بشرية فاسدة أو قوادا؟ ما الفائدة في أن يكون المرء أبيض اليد  عوض أن يكون مرتشيا؟ ما الفائدة في أن يكون المرء صادقا كادا مجتهدا عوض أن يكون كذابا كسولا انتهازيا، ما الفائدة من كل هذا عندما تفتح مدينتي أدرعها للأنذال والحثالات البشرية والمرتشين واللصوص والكذابين والكسلاء والانتهازيين والحشاشين والشواذ والقحاب والقوادين؟ 
وخلال مناجاتي هذه، تذكرت أحد أفلام الخيال العلمي كان يحمل اسم 'المستعمرون'، يحكي قصة استعمار الأرض من طرف مخلوقات قادمة من الفضاء الخارجي، كانت لها صور وهيئات غاية في البشاعة، ولكن كانت لها قدرة خارقة ومهارة عالية في تقمص صور بشرية في غاية الجمال والبهاء والرقة، لكن بمجرد تمزيق أقنعتها تظهر البشاعة والرداءة التي تتوارى وراءها،  فلما استحوذت علي هذه الأفكار وبدأت تنزلق بي نحو متاهات لا قبل لي بها، فتحت حقيبتي وأخرجت كتابا من كتبي المفضلة، بدأت أقرا فيه بعض الشيء، غير أني شعرت  باطلاعي على معظم مجريات أحداثه، فلقد سبق أن قرأته، ومن الصعوبة أن أنسى كتبا سبق أن قرأتها، وضعته على المنضدة ثم انتعلت حذائي ونزلت للدور الأرضي حيث توجد المكتبة.
كانت عبارة عن قبو شبيه بأقبية القرون الوسطى التي على ما يبدو لي أنني قد شاهدتها في حيواتي السابقة، وُضِعت على جوانبه رفوف خشبية كثيرة صُفَّت فوقها كتب شتى: في الدين، والتاريخ، والفلسفة، والعلوم، والأدب، مشيت بين صفوفها ذهابا وإيابا عدة مرات حتى سقط فجأة كتاب أمامي، فتحته وكانت صفحاته الأولى مكتوبة بلغة لم أفهم من رموزها شيئا، تابعت طي الصفحات الواحدة تلو الأخرى حتى وقعت على صفحة مدوية راعني ما خط عليها: ''جمعت هدومي ورتبت حقيبتي وأخذت معي بعض الكتب المفضلة لدي، وأصبحت على أهبة الاستعداد لمغادرة مدينتي التي طالما جريت بين أزقتها ودروبها وتغنيت ببهائها وطيب هوائها القادم من جبال الأطلس المحمل بنسمات 'أغمات'، مدينتي الحمراء التي يا ما تمسحت بترابها الأحمر و يا ما ارتويت  بمياهها العذية الرقراقة المنسابة من سفوح الأطلس، مراكش التي تعرفني جيدا خانت عهودي من بعدما ملكتها قلبي فلم أعد أعرفها كما عهدتها صادقة متواضعة عفيفة حنونة بريئة''.
فتحت الكتاب مرة أخرى وكانت الكلمة تلو الأخرى تقرع في طبلتي أذناي وتخترق قرنيتا عيناي وتستقر في شعوري: ''لذا قررت هجرها والابتعاد عنها ونسيان ذكراها، ارتميت داخل أول سيارة أجرة توقفت أمامي، حملق  السائق  في هيئتي في المرآة بعينين ماكرتين، لم يسألني سؤالا واحدا عن وجهتي وانطلق بالسيارة كالسهم، نزق متسرع في سياقته وكلامه وحركاته وإشاراته كما هو حال الكثيرين من الرعاع والأوباش الذين هجموا على مدينتي واغتالوا برائتها، كان الجو حارا والعرق يتفصد من جبيني، لذا كنت أحاول تجنب الإنصات لهذه الحثالة البشرية والرد عليه بهز رأسي بين الفينة والأخرى كدلالة على أنني أنصت إليه حتى لا يتعبني بثرثارته الفارغة، فأنا بالنسبة له لست سوى عبارة عن رقم من الأرقام التي عليه أن يحلب منها الكثير من البقشيش لا أقل ولا أكثر''.
ارتعشت أطرافي وانتصب شعر رأسي فأسرعت نحو باب المكتبة وأنا أنظر من حولي متوجسا، صعدت الأدراج بسرعة فائقة، ولجت الغرفة وأقفلت الباب بإحكام، جلست على حافة السرير وفتحت الكتاب في الصفحة التي أغلقته عليها، وبدأت أحداث سفري مسرودة متتابعة كفيلم سينمائي، حتى وصلت للحظة التي كنت جالسا فيها على حافة السرير، عند ذلك أغلقت الكتاب وقلت مع نفسي لقد رأيت الماضي ولا حاجة لي بمعرفة ما يخبئه المستقبل، فلو عرف كل منا ما يخبئه له المستقبل لفقد لغز الحياة وأملها ولصار مرا حنظلا طعمها ومذاقها، ولمات  هما وكمدا ثم لانتحر جزعا من معرفة نهايته.
وضعت الكتاب جانبا وأطفأت الأنوار، لكن الفطرة البشرية وحب الاستطلاع الذي يهزها لم يتركاني أغمض جفنا، فأضأت الأنوار مرة أخرى ثم فتحت الكتاب وبدأت أقرأ:  "لقد حان لكم أن تحتلوا الزمان والمكان يا من تبحثون عن الحجج لتبرير نزواتكم ورغباتكم الصغيرة، لأنني تابعتكم عن كثب منذ زمن ليس بالبعيد وتيقنت من فقدانكم بوصلة التعقل والحكمة لدرجة لم تعودوا قادرين على التمييز بين الواقع والخيال والخير والشر، تَعَفّنَتْ مادتكم الأصلية حتى رأيت فضتكم وذهبكم مجرد رواسب عديمة القيمة مطمورة في وحل الأرض، رأيتكم دُمى تحركها خيوط الرغبات والنزوات، مجرد  قطعان وأسراب تغزو مدينتي الشهيدة، أسراب عارية مجردة تنبعث منها رائحة نتنة، وهي تعدو نحو العاصفة القادمة، عاصفة أشبه بسيل جارف يكتسح كل شيء في طريقه، فتكاد الأرض أن تطمر أهل المدينة الحمراء المغلوبين عن أمرهم أمام أموال الفاسدين المفسدين والمتواطئين معهم من حاميها حراميها، ثم ما يلبث أن يتغير لونها من الحمرة إلى السواد، اقتربت من نفوسكم المسكينة، ثم نفذت إلى داخلها وراعني أي نوع من البشر الفاسد النتن أنتم، لم أبتئس منكم بل أشفقت لحالكم ومآلكم، فكم هو داكن خداع البشر !!... متمرد أنا في نظركم منشق عن الاتجاه الملغوم، شاذ عن التناغم الحداثي المتحضر، إننا كالماء والزيت ليس بالإمكان اختلاطهما واجتماعهما، رميتم بحجركم في الهواء ولعمري لا زلت لا أدري أسيرتفع نحو العلا والسؤدد أو سيهبط ويعود من حيث أتى إلى الدركات السفلى، بالرغم من كون قراءة التاريخ في معظم فتراته علمتني أن كثيرا من وقائعه كانت عبارة عن أُحجيات ورموز وبحث عن الثلاثي المقدس الكنز والسلطة والجنس لا غير، والباقي كله نفاق وكذب ورياء وتدين مغشوش،  تلكم  الأحجيات المضحكة المبكية التي كثيرا ما كانت نهاياتها مأساوية تُرْجِعُ الظلمة والقتلة فرسانا وأبطالا والخونة والعملاء والديوث رؤساء ومسؤولين.
إن أشعة الشمس المضيئة المتسللة إلى حجراتكم المظلمة الآثمة ليس باستطاعة أي كان أن يحجبها، إلا إذا حل ليلكم السرمدي عند ذلك افعلوا ما طاب لكم وما شئتم، وسوف أبقى رغم كيد الأعداء كالصخرة الصماء صامدا معتصما ما استطعت بحبل الحق مكتفيا به، محاولا أن أكف نفسي عن الغطرسة وأن أعلو بها فوق اللذة والألم وحب الشهرة والمجد، فماذا تبقى لي  كي أحيا من أجله؟... فقط يكفيني ويغمرني أن أقول علانية في وجوهكم الدميمة لا بصوت مرتفع، ولن أخبـر أحدا بالتفاصيل لأن النتيجة هي الأهم في آخر المطاف''.
ثم بدت لي بعد ذلك باقي صفحات الكتاب بيضاء لا شيء مسطور عليها، فتعجبت أيما عجب لذلك، ومرت بمخيلتي أفكار متضاربة ومتسارعة كأنها تبحث عن الخلاص من سجن عقلي ووجداني، وانتهيت في الأخير أن واسيت نفسي وقلت لها لربما قد يكون ما وجدته في هذا الكتاب ليس سوى مجرد قصة مضت وانقضت مشابهة لقصتي بالرغم من دقة كل تلك التفاصيل، فإذا بي أصحو من هلوستي وأجد نفسي لا زلت  أركب نفس سيارة الأجرة التي ما انفكت تتجه بي لوجهة غير معروفة  وتقطع بي كل تلك القفار والصحاري الرملية اللامتناهية التي كانت تبدو للسائق، على عكس ما كانت تبدو لي عليه، طرقا مكتظة ومزدحمة بالبشر لدرجة تُثير حنقه وغضبه.
هوامش: أغمات: بلدة أثرية تاريخية تقع على بعد نحو 30 كيلومتر من مدينة مراكش على الطريق المؤدية إلى المنطقة الجبلية أوريكة، وتعتبر أغمات أول عاصمة لدولة المرابطين (1056-1147 م) قبل تأسيس مدينة مراكش، حيث تشكلت الهوية الإسلامية للإمبراطورية المغربية التي كانت تمتد من الحدود مع تونس شرقا إلى نهر السنغال جنوبا والأندلس شمالا، عندما اندمج فيها اندماجا عضويا العنصران العربي والأمازيغي، اشتهرت بلدة أغمات، على عهد حكم القائد الفذ يوسف بن تاشفين  بطل معركة الزلاقة التاريخية الشهيرة، بكونها كانت المقر الرئيسي لنفي ملوك الطوائف بالأندلس كالمعتمد بن عباد ملك اشبيلية وعبدالله بن زيري ملك غرناطة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق