رسالة إلى كل 'مسؤول' مستبد

في عام 1960 نشر 'دوجلاس ماكجروجر' كتابه الشهير "الجانب الإنساني للمنظمة" وقال فيه بأن هناك طريقتان فقط لإدارة الناس: نظرية X التي ترى أن الناس لا يحبون العمل ولا بد من حثهم ومراقبتهم مراقبة الأطفال الصغار وهذه هي الطريقة الرائجة في جميع أرجاء العالم المقهور المهدور الكرامة المتخلف الفكر والعقلية، ونظرية Y الرائجة في الدول المتحضرة الراقية التي تعتبر بأن الناس يحبون العمل ويُقبِلون عليه بكل عزم وحزم ولا يحتاجون لأكثر من التشجيع والتحفيز وإيتاء كل ذي حق حقه.
وأكد 'ماكجروجر' أن النظرية الثانية هي المنطقية التي تعي جيدا قيمة العنصر البشري وتفيه حقه بدون قيد أو شرط، ولقد سبق ل 'أبراهام ماسلو' في أحد كتبه تحت عنوان "علم النفس الذي يتناول الجانب الطيبَ والخَـيِّرَ من الناس" الذي طبع سنة 1962 ، ثم أُعيد طبعه عام 1998 تحت عنوان "أفكار ماسلو في الإدارة"، والذي أوضح فيه ماسلو بجلاء لا غبار عليه أن الناس يختلف بعضهم عن بعض، ولا بد من أن يُدار كل منهم بطريقة مختلفة، وتجدر الإشارة هنا أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام  كان له السبق في تأكيد ذلك منذ 14 قرنا حينما قال: "أُمرت أن أُخاطِب الناس على قدر عقولهم "، واكتشف ماسلو أنه لا يمكننا إدارة البشر، وكل ما نستطيع فعله هو أن نقود الناس لا أن نُديرهم، ويريد ماسلو من خلال ذلك أن يوصل إلينا رسالة ضمنية أو خفية مفادها أن يتعامل كل رئيس مع مرؤوسيه مثلما يتعامل مع زملائه وشركائه، ليس بالاسم فقط وإنما بالتطبيق الفعلي أيضا على أرض الواقع.
فكثير ممن يحسبون أنفسهم 'مسؤولين'، ليسوا في حقيقة الأمر سوى مجموعة من مرضى الكرسي النرجسيين الوصوليين الإنتهازيين الذين ليس باستطاعتهم  أن يكون 'مسؤولين' حتى على رعي قطيع صغير من الماعز،  لأنهم يصفون المرؤوسين بالزملاء ويعاملونهم كالبلهاء والناقصي الأهلية، ويظنون في قرارة أنفسهم المعقدة المريضة أن الموظفين الذين يشتغلون معهم حسب السلاليم الإدارية هم مجرد عبيد لديهم، وباستطاعتهم تسخيرهم كيفما ووقتما شاؤوا، رغم أنف القواننين المسطرة  على قصاصات من ورق،  متناسين أن الشركاء يُعتبرون متساوين في الحقوق ومتفاهمين على الواجبات، وليس من حق الشريك أن يأمر شريكه، فالعلاقة بين الشركاء تقوم على الاحترام المتبادل وعلى النقاش البناء والإقناع والإقتناع، لا على الضغط والخضوع والتعسف الإداري واستغلال النفوذ والانصياع، والمشكلة الأساسية تكمن في جهل أو تجاهل عن سابق إصرار مرضى الكرسي هؤلاء موقف الموظف ومعرفة قيمته الحقيقية وقيمه وأهدافه والنتائج المبتغاة من وجهة نظره، وهضم الكثير من حقوقه  بحيف وميز وكيل بمكيالين، وحرمانه من المقام الذي يستحقه إرضاء للزبونية والمحسوبية وتصفية الحسابات، تلكم الآفات الفتاكة والقاتلة التي تنخر نخرا في جميع إداراتنا ضد أي جهد خير أو إصلاح حقيقي قائم أولا وقبل كل شيء على الإنصاف والعدل والعدالة والاعتراف بالجميل، وليس على الظلم والقهر والتسلط والتجبر واستغلال الكراسي البائدة.
فالوزير أو المدير أو الرئيس الذي لا يستطيع أن يبيع أفكاره وخططه لموظفيه لا يستحق البتة أن يُديرهم، لأنه بكل بساطة لا يستطيع أن يقودهم، وفي كل منظماتنا في الحكومة و الإدارات و الشركات لدينا الكثير من المدراء والرؤساء والقليل من القادة، لدينا من يتقنون الجمع والطرح والقسمة والضرب بوجهها الرياضي ووجهها الآخر 'اللي على بالكم' والفاهم يفهم، يحملون شواهد عليا تنتفخ بها أوداجهم زهوا وفخرا من البوليتكنيك والقناطر المقنطرة والإدارة والتسيير إن دهنت السير ليسير وهلم جرا، وما تلكم غير قصاصات من ورق، وليس لدينا من يعرفون الحب والتعاون والإنصات والإنصاف والابتسامة ومساعدة الآخرين وإيتاء كل ذي حق حقه.
لهذه الأسباب كثيرا ما توجد الإدارة وتغيب الحضارة، وكثيرا ما نجد 'مسؤولين' ولا نجد نتائج، فالقلب النابض لأي دولة أو اقتصاد أو مجتمع محلي أو شركة، ليس البروتوكولالت الفارغة والتفرعن المَرَضِي المبنيان على الأبهة المقترنة بالتفاهة والخواء النفسي والفكري، المتستران وراء التكنولوجيا المتطورة المستوردة من وراء البحار، والمعلومات المتدفقة كالطوفان بواسطة الشبكة العنكبوتية، والاستهلاك المفرط لدرجة التخمة، بل هو المنظمة المدارة بطرق بعيدة كل البعد عن أساليب القرون الوسطى البائدة والفاشلة، لكون المنظمات المدارة هي أداة المجتمع المتحضر لتحقيق النتائج والتي يحتل فيها العنصر البشري قمة الهرم في المجتمع، وليس القهر والتعسف والتجاوزات بكل أشكالها.
وما لم تُنظم إداراتنا تنظيما مؤسسيا حقيقيا وواقعيا، وتُدار بفعالية عالية كالتي تُدار بها خلية النحل، وليس بعقلية مستبد جاهل راع للماعز مستو على كرسيه العاجي وملوح بعصاه، تبقى كل عناصر الإنتاج معطلة أو مهدورة أو متنافرة وأحيانا متناحرة، على الرغم من بعض المظاهر المنمقة المقولبة الخادعة التي تبدو على شاشات التلفزيون بكل ألوان طيف قوس قزح لذر الرماد في عيون الأغبياء والبلذاء المتكلسي الأذهان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق