سُحُبُ الْعَبَثِ وَطُوفَانُ الْمَلَلِ

البعض من الكتابات تشدك إليها لتُعِيد قراءتها مرات عديدة دون كلل أو وجم، وتستلهم منها الدروس والعبر عن طريق الغوص معها في الأعماق لسبر أغوار الجوانب الغير مضاءة للنفس البشرية وتركيبات المجتمعات، وكأن جملها وتراكيبها رُسِمت بريشة فنان ماهر يتقن إظهار تفاصيل عراك الحياة ومتاهاتها، والكاتب الليبي الراحل الصادق النيهوم يمكن بحق اعتباره صاحب قلم مشاغب فريد من نوعه، معروف في كتاباته بقراءاته الفذة للمجتمع والحياة  وبأسلوبه السلس والسهل والبعيد كل البعد عن التعقيد والترفع والرياء، أسلوب لكل الناس وليس أسلوبا نخبويا متعجرفا ومترفعا، أسلوب فيه من كل فن طرف من سياسة وثقافة وفكر وفلسفلة وعلوم اجتماع واقتصاد ونفس، يمزج بينها جميعا ليُخرج للقارئ عبارات يتذوقها بجميع حواسه ويستشف من كاتبها عمق الإحساس وصدق الكلمة بدون تكلف أو تصنع، كمثل نحلة تنتقل ما بين الزهور لاختيار ما طاب ولذ من الرحيق، غير عابئ بما جرت عليه جرأته الكبيرة وصدقه المتعالي فوق النفاق، اللذان وصلا أحيانا إلى مستوى الزوايا الحرجة، من انتقادات حادة لكونها أثارت الرعب والخوف في صدور شيوخ الدين الضيقة، فوصل ببعضهم النزق والخرف والتسرع في إصدار الأحكام إلى حد تكفيره، فرد النيهوم على هؤلاء الوعاظ قائلا: " حسنا..أنا هنا في هذه المدينة البعيدة لست في حاجة إلى غضب أحد، ولست في حاجة أيضا إلى من يشرع قلمه لكي يقذفني في الجحيم ملوثا بالحبر الأحمر..إن ذلك كله أمر لا داعي له، فأنا لست ملحدا ولا أعمل لحساب المستشرقين الذين لا يجدون ثمة ما يفعلونه سوى أن يشوهوا ديننا الحنيف بطرق الخداع، وقد تعلمت أن أومن بالله ورسوله واليوم الآخر، وتعلمت أن أطوي هذا الإيمان في صدري واتركه يقودني في طريق الغربة، وقد قادني بنفسه إلى هذا الحد، وعلمني أن أكفر بمهنة الفقيه، فإذا جاء العيد، وانطلقت دعواتكم المضحكة عبر السماوات فأنا أراكم من الداخل وأكفر بكم".
ولا زالت أفكار هذا الكاتب الظاهرة تثير جدلا واسعا بين القراء المولعين بما  يُمكن تسميته اصطلاحيا بالفكر الثوري الرافض لكل أشكال الزيف والتحريف والتشويه والتضليل وتنويم العقول في كل الأزمنة وعلى كل الأصعدة والمستويات، وهو مبدأ اتخذه الكاتب الراحل نبراسا ومنهاجا له في الحياة، وتحمل جراحه وأوزاره بكل تحد وصبر وشجاعة رغم المرض والألم وطعن الخصوم والأعداء على حد سواء، إلى أن انتقل إلى دار البقاء وحيدا في أواسط تسعينيات القرن الماضي ببلاد الغربة، ولم يشيع جنازته التي مرت بصمت بارد إلا نفر قليل من الناس وكثير من الغموض الذي طبع حياته وموته ومواقفه بالنسبة للكثيرين الذين لم يسمعوا عنه شيئا سوى تكفيره من بعض شيوخ الدين الذين لم يعد لهم من شغل شاغل في حياتهم الدنيوية الفانية غير إصدار فتاوي على المقاس والبصم على رؤوس الناس بخواتم خضراء للجنة وحمراء للنار، والقصة القصيرة التالية التي تحمل عنوان 'أقوى من الطوفان' لهي خير دليل وأبلغ مثال عن براغماتية وصدق وتواضع  هذا الكاتب الجد مميز، قصة تفضح مآسي ونكبات الكفاءة المادية للإنسان المعاصر وأداءه السطحي الظاهر المخادع المصبوغ بكل ألوان التظاهر والتباهي والمراءاة، والمعتمد اعتمادا كليا على هذه الكفاءة المادية التي لم ينل منها سوى المزيد من المآسي والنكبات والفشل الذريع في المحافظة على أغلى وأعز ما لدى الإنسان الكرامة التي كرمه الله بها:
المواطن الأمريكي 'جون والس' يملك خمسة وتسعين مليون دولار في أحد جيوب سترته، ويملك طائرة خاصة يذرع بها سماوات العالم في صحبة زوجته السويدية الأصل، سَكَرَ ذات مرة وكتب رسالة مُريعة إلى قاضي الطلاق في مدينة 'لاس فيغاس' أعلن فيها عن رغبته المفاجئة في التخلي عن السيدة زوجته بدافع الشعور بالملل، وقد قبل القاضي دعوة الطلاق بيُسر مُلفت للنظر كأن المرء لا يحتاج إلى شيء آخر لكي يهدم بيته فوق رأس زوجته سوى أن يُعلن للقاضي أنه بات يشعر بالملل، فهل يكفي ذلك العذر الواهي لهدم بيت من ثلاثة طوابق، أنا أعرف أن الإجابة تستطيع أن تبدو معقدة إلى حد يُثير الريبة، وأعرف أن ذلك قد يضم بداخله كثيرا من المبالغة في إظهار مدى سوء النتائج المتوقعة، فالمرء يدهشه حقا أن يُقال له أن المواطن 'جون والس' الذي يملك خمسة وتسعين مليون دولار وطائرة خاصة يجوب بها العالم بلا توقف يمكن أن يُصاب بالملل.
ولكن السؤال المشوق يبدأ في الواقع على هذا النحو: ما هو الملل؟، وأنا أعتقد أن هذه الكلمة المقززة لا تملك مرادفا آخر في أي لغة في العالم سوى كلمة العبث، فالشيء الذي ينمو في صدر مخلوق ما ويجعله يحس كأنه يعيش داخل سحابة ملوثة برائحة الشيطان ليس مجرد حالة نفسية طارئة، إنه تصور أصيل لوجهة الحياة نفسها، فالفراغ موجود في الخارج على الدوام، ونحن نستطيع أن ننشغل عنه مُعظم ساعات النهار بقتل الوقت في لعب الورق أو قراءة رحلات السندباد، أو العمل بانهماك في أداء شيء ما، ولكننا أيضا نستطيع أن نلمس الملل بأصابعنا بمجرد أن نكتشف أننا لا نملك ثمة ما نريد فعله، عندئذ يصبح الفراغ حقيقة واقعة، وتنطلق الحياة في نزق عبر سحابة معتمة من الساعات والأيام والسنين المُجَوّفة التي تبدو دائما خالية من الطعم، والمرء عندما يقع في هذا الفخ، يُسارع إلى الشكوى من عدوه الغامض المدعو الملل، ولكنه غالبا ما ينسى أن يُلقي نظرة أخرى على عدوه الحقيقي الذي يجلس داخل صدره، فالملل، مثل وجع الأسنان بالضبط، مجرد إشارة مباشرة عن وجود مرض مدمر في الداخل، إنه مجرد رد فعل متناهي البساطة لانفجار العدو الحقيقي في منطقة ما من الكائن الحي، والملل يحدث دائما لإعطاء الإشارة عن تحقق مهزلة العبث في الحياة.
فالعبث مرض حقيقي موجود في العالم مثل أي مرض آخر، ولكنه بطبيعة حدوثه، لا ينتقل بطريقة العدوى، إنه يولد كثلة واحدة، في لحظة واحدة أيضا، داخل الحياة بأسرها، بمجرد أن يرفع المرء رأسه ذات يوم، ويكتشف مذعورا أنه، في الواقع، لم يعد لديه ثمة ما يريد فعله، لم يعد يرغب في مواصلة لعب الورق، لم يعد يرغب في الويسكي، أو التسكع بطائرته الخاصة في سماوات بانكوك، لم يعد يرغب في تبادل الحب مع السيدة الشقراء التي تتكور بجانبه، لم يعد يرغب في الرقص أو مُداعبة فيله المضحك في حديقة البيت، أو مطاردة جارته، أو لعب البوكر، أو العمل في 'وول ستريت'، لم يعد يرغب في شيء، ولم يعد ثمة ما يُثير اهتمامه سوى أن يجلس على الأرض ويشرب ما يجده من الويسكي ويبصق على رأس العالم المُوحش المليء بالعبث.
عندئذ يحدث المرض، إنه يولد دفعة واحدة كما يولد الانفجار البركاني ويجرف كل شيء في طريقه، ويجعل الحياة نفسها مجرد لعبة جرداء خالية من النتائج إلى حد يدعو إلى اليأس،  والمرء يمضغ أيامه باستياء واضح من الشيء الذي يدعوه الملل، ويواصل حياته المريضة حاملا في صدره ذلك المخلوق الذي دعاه المواطن 'جون والس' في رسالته عقربا ملوثا بالعسل، وهو معرض حقا لأن يترك ذلك الشيطان يقوده طائعا إلى الجحيم إذا وقع فريسة الخلط بين ظاهرة الملل وبين المرض الحقيقي الكامن في الداخل، فالملل يمكن التغلب عليه بلعب الورق، ويمكن التغلب عليه بالذهاب في صحبة امرأة شقراء إلى بانكوك، أو شرب زجاجة من الويسكي، أو الخروج في نزهة جماعية، أو إقامة المزيد من الحفلات، أو الانهماك في العمل، أو التسكع بطائرات خاصة في مطارات العالم، إن الملل يمكن التغلب عليه بإنفاق مزيد من النقود، ذلك واضح للغاية، ولكنه من الواضح أكثر أن تلك المحاولة المتواضعة مجرد لعبة أخرى لتهدئة الألم وحده، وكلما طال المرض كلما تضاعفت الحاجة إلى مزيد من الأقراص المهدئة، وكلما ازدادت حدة الملل، كلما أحس المرء بأنه في حاجة إلى مزيد من اللُّعَب المُثيرة، فالذي يبدأ معركته باللجوء الفوري إلى زجاجة الويسكي، يكتشف بمرور الوقت أن زجاجة وحدها لم تعد تكفي، وأنه يحتاج أن يشرب مرتين في اليوم بدل مرة واحدة لملاحقة ملله من العالم، ثم يكتشف أنه يريد أن يشرب أكثر من ذلك مرتين، ثم تحدث الكارثة عندما يفتح عينيه فجأة مذعورا ويكتشف أن الملل قد ملأ كل شيء في حياته، وأنه لم يعد لديه ثمة فرصة واحدة سوى أن يشرب طوال حياته أيضا.
نحن ندعو ذلك في لغتنا المتواضعة باسم الإدمان، وهو في الواقع شيء يشبه ذلك أيضا، ولكن الإدمان مجرد ظاهرة من الخارج مثل الملل نفسه، فالمرض الحقيقي لا يحتاج دائما إلى مخلوق مُدمن، إنه يستطيع أن يُصيب رجلا متزنا مثل المواطن 'جون والس' ويجعله يلهث داخل علبته الطائرة من قارة إلى قارة مثل سمكة مختنقة في علبة سردين، دون أن يدفعه ذلك إلى إدمان شيء واحد بالذات، إنه يدفعه هذه المرة إلى إدمان كل شيء، ذلك يعني أن المواطن 'جون ولس' لا يحتاج أن يسكر كل يوم مثل أي مدمن عادي، ولكنه يحتاج أن يفعل شيئا آخر على أي حال، إنه لا بد أن يخرج لصيد البط البري، أو لمطاردة التماسيح في أوغندا، أو التسكع بعربته الطويلة في أوربا، أو المراهنة على خيول السباق، أو الرقص أو القمار، أو أي كارثة في العالم تستطيع أن تنقذه من الجلوس وحده وجها لوجه أمام الشيطان.
فالمواطن 'جون والس' لا يملك شيئا يفعله مع نفسه، إنه ببساطة لا يجد ما يقوله لها، ولا يستطيع أيضا أن يجلس في بيته ويثرثر وحده عن صيد البط البري وارتفاع أسهم البورصة ومطاردة التماسيح في أوغندا، إن المرء يفعل ذلك دائما في صحبة الآخرين، ويتحدث عنه في صحبتهم أيضا، والمواطن 'جون والس' لا يستطيع أن يخرج من جلده، إنه لا بد أن يخرج إلى الشارع ويبحث عمن يريد أن يتحدث معه عن صيد البط البري أو شراء بعض الأسهم أو زيارة منطقة التماسيح في أوغندا، أما أن يجلس وحده في البيت فإن ذلك يعني، بكلمة واحدة، أن المواطن 'جون والس' سوف يموت من الملل نظرا لعجزه الكلي عن إيجاد شيء واحد مثير في حياته من الداخل، فالمرء لا يستطيع أن يسير في اتجاهين مختلفين في مرة واحدة، إنه لا بد أن ينطلق إلى الخارج بحثا عن الهروب من الملل، أو ينطلق إلى الداخل لمواجهة العبث الذي يحس به يملأ صدره، والمرء في الغالب يختار لعبة قتل الملل لأنها في الواقع مجرد لعبة حقيقية، ولأن ذلك ممكن تحقيقه بإنفاق قليل من النقود، أما مواجهة العبث الكلي التعقيد فإنه يحتاج إلى مجموعة هائلة من الأفكار الأصيلة والتواضع والقدرة على رؤية الأخطاء والتناقضات والأمانة الصارمة في تقييم الوجود نفسه.
والمرء لا يتوقع من مخلوق متواضع الإمكانيات مثل المواطن 'جون والس' أن يضع خمسة وتسعين مليونا من الدولارات جانبا ويجلس وحده لمواجهة أسئلة الحياة المتناهية التجريد، إنه في الواقع لا بد أن يختار طريقه إلى الخارج، ولا بد أن يدفن كل شيء في مزيد من اللُّعَب المثيرة، ويختار بالطبع الطريق الأقصر الذي يتمثل في تهدئة حدة الألم بدل الدخول في مشكلة العلاج المعقدة، ولكن الفخ الحقيقي يكمن هنا بالضبط، فالأمراض تكتسب صفة الحصانة ضد الأقراص المهدئة بمرور الوقت، والملل أيضا يكتسب تلكم الصفة، فأنت تستطيع أن تتغلب على عطلتك المملة بالذهاب إلى أثينا أو بالجلوس في ناصية الشارع ومراقبة المارة أو بأي شيء تجده أمامك، ولكنك لا تستطيع أن تفعل ذلك مرتين، أعني أنك لا تستطيع أن تبقى في أثينا إلى الأبد دون أن يعتريك الملل، ولا تستطيع أيضا أن تقضي حياتك في لعب الورق أو مراقبة المارة عند ناصية الزقاق، إنك لا بد أن تواجه في إحدى اللحظات الحرجة مشكل الملل من جديد، ولا بد أن تبادر إلى البحث عن شيء آخر تفعله مُوقِنا بوضوح أن الملل المُريع قد اكتسب حصانة حقيقية ضد أول حيلة لقتله، وأنك تحتاج إلى البحث عن حيلة أخرى على الفور، وأنت تستطيع أن تقضي حياتك في البحث عن الحيل الجديدة، ولكنك بالتأكيد، وبطريقة لا تقبل الشك لا تستطيع قط أن تقتل الملل، فالأقراص المهدئة لا تقتل الآلام أيضا، إن ذلك يحتاج إلى استئصال المرض نفسه، وأنت لا بد أن تستأصل إحساسك بالعبث قبل أن تُتَاحَ لك فرصة النجاة من قبضة مللك.
فكيف يحقق المرء هذه المعجزة؟، كيف يُقْنِع المرء نفسه بأن مطاردة التماسيح البائسة في أوغندا ليس سوى مجرد عبث لا طائل تحته؟، وأن التسكع في سماوات العالم من مدينة إلى أخرى ليس سوى مجرد عبث أيضا، وكذلك لعب الورق والرهان على خيول السباق وإقامة الحفلات المفاجئة وصيد البط البري وقرص الخادمات في الملهى الليلي واحتساء مزيد من الويسكي ومطاردة النساء في كل مكان والبحث عن حيل جديدة لرفع أسعار الأسهم في البورصة؟.
إن كل شيء في العالم يبدو في الواقع مجرد عبث لا طائل تحته، إننا لا نستطيع أن نفعل شيئا حيال هذه الحقيقة الصارمة، ولكننا نستطيع بالطبع أن نغمض أعيننا ونواصل الجري في نفس الاتجاه المليء بالعبث إلى أن ينتهي كل شيء بطريقة ما، ونستطيع أن نجعل ذلك يبدو مغريا من الخارج حتى إننا لنحس بأنه ليس ثمة إنسان واحد في العالم بأسره سوف يرفض أن ينال خمسة وتسعين مليون دولار وطائرة خاصة يذرع بها السماوات من مدينة إلى مدينة.
ومع ذلك، فنحن نعرف أيضا أن المواطن 'جون والس' كان يملك ذلك بالضبط، وكان لا يجد شيئا يفعله سوى أن يشرب زجاجة من الويسكي ويكتب الرسائل المريعة إلى قاضي الطلاق لكي يهدم بيته فوق رأسه متعمدا، أليس ذلك عملا خارجا عن نطاق المعقول؟، أليس الملل قوة متوحشة أكثر من أي طوفان في التاريخ بأسره؟، إننا نتوقع أن يواصل المواطن 'جون والس' بحثه عن مزيد من الحيل لقتل ملله، ونتوقع منه أن يذهب لزيارة بلد لم يره من قبل أو مطاردة امرأة لم يطاردها من قبل أو صيد الأفيال بدل التماسيح، ذلك ما نتوقعه نحن لأننا لم نعش تجربة المواطن 'جون والس'، ولو أُتِيحت لنا تلك الفرصة حقا، فإنه من المتوقع أن نجلس ذات يوم بدورنا ونفعل بالضبط ما فعله المواطن السعيد، فالعبث لا يمكن قهره بخمسة وتسعين مليون دولار، إنه يحتاج إلى أكثر من ذلك.