مرثية العرب والمسلمين

لعل شهرة الشاعر الأندلسي أبي البقاء الرندي الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي (1204-1285م) تعود بالأساس إلى قصيدته الشهيرة رثاء الأندلس ولولاها لكان نسيا منسيا، إذ تعتبر هذه القصيدة التي نقلت صورة حقيقية وصادقة عن أحوال المسلمين بالأندلس إحدى الروائع والبدائع في تاريخ الشعر العربي، عند بداية انهيار الدولة المركزية أمام الضربات الموجعة والمتكررة  للسبليون، وتَتَابُعِ سقوط قلاع المسلمين واحدة تلو الأخرى، حتى السقوط المدوي لآخر معاقلهم غرناطة سنة 1492م، والقصيدة في حد ذاتها كانت رثاء على أحوال المسلمين وما ألم بهم من قتل وتشريد وإهانة عز نظيرها في تاريخ الحروب والإبادات الجماعية، وما الفظائع المروعة لمحاكم التفتيش إلا صورة طبق الأصل لذلك، وفي نفس الوقت كانت هذه القصيدة صرخة استغاثة موجهة لدولة المرينيين (1244-1465م) بالمغرب الأقصى قصد التحرك لصد اعتداءات الصبليون، ووضع حد لتهور وتهتك ملوك بني الأحمر المخنثين، الذين فضلوا البقاء على كراسيهم الوثيرة وحياتهم الباذخة ودفع الجزية للسبليون على الجهاد والدفاع عن الإسلام والمسلمين، ورغم استجابة دولة المرينيين للنداء، إلى أنها لم تستطع الوقوف طويلا في وجه الاتحاد المسيحي بين مملكتي أراغون بقيادة فرديناند ومملكة قشتالة بقيادة إيزابيلا، خصوصا بعد تمزق كيان الشمال الأفريقي (ليبيا تونس الجزائر والمغرب) الذي كان آنذاك تحت حكم الدولة المغربية القوية للموحدين.
ورغم مرور ما يزيد على سبعة قرون على نظم هذه القصيدة الرائعة والحزينة، فإن كل بيت منها كأنه قد كُتب لتوه الآن في هذه السنين العجاف التي تكالب فيها الغرب الصليبي على بلاد المسلمين كما تتكالب الأكلة على قصعتها، وبمساعدة وتواطؤ ملوك طوائف جدد كملوك بني الأحمر آنذاك، فما أشبه اليوم بالبارحة، إن هذه القصيدة التاريخية بكل المعاني التي تحوي في أحشاءها من الحسرة والألم في بلاغة وإيجاز ما لن تستوعبه كتب ومجلدات أدباء الدولار واليورو في حشوها وإطنابها سوف تبقى خالدة تذكر العرب والمسلمين، إن نفعت الذكرى، بأخطاء حكامهم الفادحة والقاتلة في تولي أمورهم، وهي درس ومحك حقيقي لحكام وولاة أمور العرب والمسلمين في العصر الحديث وكيفية تعاطيهم بكل مسؤولية أخلاقية وتاريخية وبكل صدق وأمانة مع كل الشؤون التي لها  ارتباط وثيق بمصير الأمة العربية والإسلامية، وما يحاك ضدها من مؤامرات التقسيم والتفتيت وضرب أسس الدول لإضعافها، ثم الإجهاز عليها إجهاز الذئاب على وليمتها، ثارة باسم الديمقراطية وثارة باسم الحرية وأخرى باسم النكتة السخيفة لحماية المدنيين وحقوق الإنسان، فاسألوا أهل الحرب إن كنتم لا تعلمون، كم قتل الفرنسيس من المدنيين خاصة في الجزائر وإفريقيا عموما، وكم قتل المريكان من المدنيين في فيتنام والكمبودج واليابان وأفغانستان والعراق وغيرها، وكم قتل الناتو في السنين الأخيرة من المدنيين في أفغانستان وليبيا، هؤلاء الأوغاد القتلة هم من يقتلون الإنسان ويشيعون جنازته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق