القيثارة الشاذية

هذا المقال تحت عنوان 'القيثارة الشاذية' للفنان الهندي الراحل صاحب الأنامل الماسية 'سونيل جانجولي' 'Sunil Ganguly' هو إلماحة مختصرة وإشادة متواضعة لتجربتين خصبتين وغنيتين لرجلين نظيفين معطائين، رحلا  في النصف الأخير من سنة 2011 عن هذه الدار التي لا تُبْقِي على أحد ولا يدوم على حال لها شان،كما جاء على لسان الشاعر الأندلسي أبي البقاء الرندي، أولهما موسيقي وثانيهما سينمائي.
الرجل الأول هو صالح الشرقي (1923-2011) الباحث والملحن والمؤلف الموسيقي، صاحب العطاء الغزير للساحة الفنية المغربية، والذي اكتسب شهرته من إجادته التامة وإتقانه المبدع لعزف آلة القانون، والذي بالإضافة لإثرائه الخزانة الفنية المغربية بمعزوفاته المتميزة ذات الذوق الرفيع، أثراها أيضا بمؤلفاته التي لا تخلوهي الأخرى من خبرة وعلو كعب في هذا الميدان، مثل "القانون في الموسيقى المغربية"، "المستظرف في قواعد الفن الموسيقي"، "أضواء على الموسيقى المغربية"، "الموسيقى المغربية"، "الإيقاعات والمقامات"، "الثلاثي الرباعي الخماسي"، "جُلْ ترى المعاني".
أما الرجل الثاني فهو المخرج السينمائي المغربي إبراهيم السايح (1925- 2011) أحد رواد الكبار في مراحل الأولى لبداية السينما المغربية، رجل عصامي أتقن الإخراج التلفزي والسينمائي وقدم في هذا الصدد العديد من الأعمال القيمة المبتكرة والمتنوعة، كما قام أيضا بدبلجة أزيد من 150 فيلما هنديا وفرنسيا وانجليزيا وإيطاليا إلى اللهجة العامية المغاربية (المتداولة بين دول تونس الجزائر والمغرب) ابتداء من أربعينيات القرن الماضي، بحيث لاقت الأفلام التي قام بدبلجتها خصوصا الهندية منها نجاحا شعبيا منقطع النظير في مجموع مدن المغرب ودول المغرب العربي، مثل أفلام  'حداد بغداد'، 'ساحر جهنم'، 'ساقي ومصباح علاء الدين'، 'مانكَلا البدوية'، 'رستم سهراب'، 'الهاربون من جهنم'، "جِيت"، "دُوستي' أو 'الصداقة'، 'أمنا الهند' و 'أمنا الأرض'، وغيرها من الأفلام الهندية والأجنبية التي كانت تحمل في جعبتها رسائل تربوية واجتماعية وإصلاحية وفنية راقية ما أحوج فضائيات الفن الهابط الرخيص  إلى دروسها اليوم، وكان بإمكان المغرب أن يخطو خطوات عملاقة في ميدان الدبلجة إلى اللغة العربية لو تمت إحاطة تجربة الأستاذ إبراهيم السايح في زمانها ومكانها بالعناية التي كانت أهلا لها عن جدارة واستحقاق، ولكان المغرب في الوقت الراهن رائدا في مجال الدبلجة والترجمة إلى اللغة العربية، وفي غنى عن خردة المسلسلات البائخة ودبلجتها الركيكة المتردية التي لا تحمل في طياتها غير حطب امرأة أبي لهب، التي تطهو ما تتغذى وتتعشى عليها النساء  الحالـمــات أحلام اليقظة بعيون وأشفار مزيفة.
فإذا كان كل شيء في الكون يهتز اهتزازا ابتداء من المجرات وانتهاء بالخلية البدائية في الكائنات الحية، فإن مياه البحر الممتدة التي قد تبدو لناظرها ساكنة هادئة لها هي الأخرى تردد معين، وبمجرد تحريكها يتغير ترددها واهتزازها، كذلك هو الشأن بالنسبة لجميع المخلوقات ابتداء من النبات مرورا بالحيوان ووصولا إلى الإنسان، فالكائنات على اختلافها وتنوعها هي عبارة عن منظومات مفتوحة لها قابلية التأثر والدخول في مجال الصدى واهتزازات الألحان الموسيقية التي هي أصلا مكونة من تركيبة معينة من الأصوات، توقظ الجوانب النائمة من كيانها عن طريق نقل اهتزازاتها إليها، مما يحفز المراكز الطاقية لدى الكائن ويشعره بالهدوء والسكينة والسمو الروحي ويخلصه من الانقباض النفسي وارتفاع الضغط والقلق والألم، ولا أقصد هنا بالطبع الموسيقى الصاخبة أو التي لا أساس ولا رأس لها مثل  'هايفي ميتال' و'البونك' و 'الجرونج' و'الروك' و'البلوز' و'الهيب هوب' ومشتقاتها المنفرة والمزعجة التي بالإضافة إلى إفسادها للأذواق تؤثر سلبا على الجهاز العصبي مما ينتج عنه سرعة نبضات القلب وزيادة معدل التنفس وارتفاع ضغط الدم، بل أقصد الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى السمفونية والموسيقى الشرقية الروحية خصوصا منها العربية والهندية والإيرانية، ويعتبر سونيل جانجولي (1940-1999) صاحب القيثارة الشاذية من الفنانين الموسيقيين المرموقين ليس في شبه القارة الهندية فحسب بل في العالم أجمع، فنان تتلمذ على يدي أحد الأساتذة الكبار في التلحين والتأليف الموسيقي في الهند وهو البروفيسور جيان براكاش غوش، عزف مجموعة من الأغاني الهندية الكلاسيكية العريقة ذات الشعبية الواسعة في سينما بوليود لسنوات الأربعينيات حتى السبعينيات، بحيث أخرج منها أسجى وأرق وأروع الألحان المستقاة من أغاني عمالقة الأغنية الهندية أمثال محمد رفيع، كيشور كومار ونيتين موكيش، تلكم الموسيقى المعروفة بروحانيتها وسموها وارتجالها المبدع الذي يخضع لقواعد صارمة في طريقة الارتجال، والمعتمدة على إيقاعات معقدة وجد متطورة تعتبر من أرقى وأرفع الإيقاعات على المستوى العالمي، معتمدا على قيثارته الكهربائية الشاذية التي لا يُضاهيه فنان آخر عالميا في إتقان العزف عليها خاصة بالنسبة للموسيقى الهندية العريقة ذات الإيقاعات المتنوعة والمتموجة التي تعتمد على آلات موسيقية كالسيتار والبانجو والرودرافينا والأرغن باجا والكمايشا والفينا الوترية والنواقيس والطبلة الهندية والمزمار الهندي، لكن على ما يبدو فحتى الموسيقى الهندية الأصيلة والعريقة هي الأخرى لم تنج من 'الكَوْكَلَة' (نسبة إلى كوكاكولا) أو العولمة بصريح العبارة، وعمليات التغريب والتشويه التي خضعت لها منذ ثمانينيات القرن الماضي، فبدأت تفقد بفعل ذلك إشعاعها وتوهجها وروحانيتها من بعدما ركبت موجة موسيقى 'الساندويتش' و 'الفيديو كليب' الهابطتين الرخيصتين.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق