عنزة السيد سيغان

تعتبر القصة المثيرة 'عنزة السيد سيغان' التي تستمد مصدرها من الواقع واحدة من بين مجموعة من القصص الرائعة التي كانت تزخر بها السلسلة الفرنسية الرفيعة "قراءة وفهم النص" للمفتش الفرنسي للتعليم الإبتدائي'ترانشارت'  التي كانت مقررا رئيسيا لوزارة التربية الوطنية المغربية للغة الفرنسية في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي، والقصة في حد ذاتها هي تعبير للدراما التي طبعت حياة الكاتب الفرنسي ألفونس دوديه (1840-1897) ،الذي طارده شبح فشل والده بعد سنوات قليلات معدودات من الرفاهية والازدهار الذي رفلت فيه عائلة 'دوديه' بسلام واطمئنان، لكن فجأة تتلبد السماء بسحب داكنة، وتخسر العائلة  كل شيء في وقت لم يكن سن الكاتب يتجاوز تسع سنوات، عندما تكالبت عليها وأكلتها 'ذئاب' الشركات الصناعية الليونية وتركتها ملومة متحسرة مذمومة مدحورة، وليس من المستغرب أن تكون  قصة 'عنزة السيد سيغان' أسلوبا استعاريا يبتغي من خلاله الكاتب الحديث عن مأساة والده،  التي كانت شبيهة برجل يصارع بدون استسلام ضد مجموعة من الأقوياء من أجل البقاء أو على الأقل الصمود لبرهة من الزمن، مع اليقين التام بأنه خاسر لا محالة في آخر المطاف:
لم يعرف السيد سيغان في حياته أية سعادة مع عنزاته، فقد كان دائما يخسرها بنفس الطريقة: في صبيحة أحد الأيام تكسر أغلالها وتصعد إلى الجبل وهنالك تسقط فريسة بين مخالب الذئب، ولم تنفع لا مداعبات السيد سيغان ولا حنوه عليها ولا الخوف من الذئب من منعها من القيام بذلك... يبدو أنها مستقلة وتتطلع بأي ثمن إلى الأهواء الفسيحة للحرية، وكان السيد سيغان الكريم الذي لم يفهم طبيعة عنزاته يقول باستياء بالغ: "لقد انتهى الأمر، كل العنزات تُصاب بالملل في مزرعتي، لن أحتفظ بواحدة منها بعد الآن"، ومع ذلك لم تثبط همته ولم تخر عزيمته بالرغم من فقدانه ست عنزات، لذا اشترى عنزة سابعة وحرص هذه المرة على أن تكون صغيرة في السن حتى تتعود على البقاء عنده.
آه ! كم هي جميلة عنزة السيد سيغان بعينيها الحلوتين  اللطيفتين، ولحيتها كلحية ضابط صف، وحوافرها السوداء اللامعة، وقرونها المخططة الملتوية، وشعرها الأبيض الطويل الذي اتخذته لها معطفا، إنها ساحرة حنونة سهلة الانقياد، تُحلب بدون أن تقوم بأية حركة أو ترفس في الوعاء... حب عنزة صغيرة، هيأ لها السيد سيغان مقرها الجديد في موضع مغلق خلف منزله، وربطها بحبل موصول بوتد في أجمل مكان بالحقل، مع الحرص على أن يكون الحبل طويلا بما فيه الكفاية حتى لا يُعيق تحركها، وكان يتفقدها بين الفينة والأخرى فيجدها سعيدة ترعى راضية مطمئنة وسط الأعشاب، الشيء الذي يتلج صدر السيد سيغان ويدخل عليه البهجة والسرور، وأخيرا ظن السيد سيغان أنه حصل على عنزة لن تُصاب بالملل في مزرعته، لكنه للأسف كان مخطئا لأن عنزته هي الأخرى بعد وقت قصير ستصاب بالملل، وذات يوم تحركت إلى أقصى مسافة سمح بها الحبل ورفعت رأسها ثم نظرت إلى الجبل وهي تقول مع نفسها: "كم سأكون في أحسن حال إذا تواجدت هناك في الأعلى، أي شعور وأي سعادة تعادل أن أرعى حرة طليقة هناك، لولا هذا الحبل اللعين الذي يذبح الرقبة، إنه يناسب حمارا أو ثورا يرعى داخل حقل مغلق، أما العنزات فلا يناسبها ذلك لأنها تحب الأماكن الفسيحة"، وابتداء من هذه اللحظة أصبح طعم عشب الحقل مرا، فأُصيبت العنزة بانتكاسة فهزلت وشح حليبها وأصبح من المحزن أن تراها كل يوم تحاول التخلص من قيدها ورأسها متجهة ناحية الجبل وفتحتي أنفها متسعتين وهي تثغو بصوت حزين.
اتضح للسيد سيغان أن شيئا ما قد ألم بعنزته، لكنه لم يكن يعرف ما هو، وفي صبيحة أحد الأيام وبمجرد انتهائه من حلبها استدارت العنزة وقالت له:
-اسمع سيد سيغان، إنني في حالة يُرثى لها عندك، اسمح لي بالذهاب إلى الجبل،
- آه يا إلهي!، هي الأخرى... عقب السيد سيغان بذهول، وترك وعاءه يسقط من بين يديه، وجلس على العشب حائرا بجانب عنزته،
- كيف؟... ستهجرينني يا بويضاء؟
- نعم سيد سيغان،
- هل ينقصك العشب؟
- لا سيد سيغان،
- ربما أنت مربوطة بحبل قصير هل تريدين أن أطيله؟
- إنه أمر لا يستحق العناء سيد سيغان،
- إذن ماذا ينقصك؟ ماذا تريدين؟
- أريد أن أذهب إلى الجبل سيد سيغان،
- ولكن... للأسف، ألا تعلمين بأن الذئب هناك، ماذا تفعلين عندما يأتي؟
- سأنطحه بقروني سيد سيغان،
- الذئب لا يهتم بقرونك، فقد أجهز على عنزات لها قرون أقوى وأطول من قرونك، تعلمين العنزة 'رونود' التي كانت معي السنة الماضية؟... سيدة العنزات القوية والشرسة مثل تيس، تصارعت مع الذئب طيلة الليل وفي الصباح تمكن منها الذئب وافترسها،
- 'رونود'... يا للمسكينة، لا يهم سيد سيغان، اتركني أذهب إلى الجبل،
- يا إلهي!، ماذا فعلوا بعنزاتي هذه، واحدة أخرى سوف يفترسها الذئب، ولكن لن أسمح هذه المرة بذلك، سوف أنقذك رغما عنك أيتها الوقحة، وخوفا من أن تقطعي الحبل سوف أحتجزك بداخل الحظيرة وسوف تبقين هناك بصفة نهائية.
بعد ذلك حمل السيد سيغان عنزته إلى داخل الحظيرة المظلمة وأغلق الباب إغلاقا محكما، لسوء الحظ نسي أن يغلق إحدى النوافذ، فبمجرد ذهابه قفزت العنزة من النافذة واتجهت نحو الجبل، ولما وصلت العنزة إلى الجبل شعرت ببهجة لا توصف لما استقبلتها أشجار الصنوبر كأميرة، وانحنت لها حتى لامست الأرض أشجار الكستناء وهي تداعبها بأغصانها، وفتحت لها الشجيرات الذهبية الطريق والروائح العبقة تغمر بأريجها المكان، لقد كانت كل الغابة تحتفي وتهتز فرحا بقدومها.
هل شعرت بالفعل العنزة بالحرية والسعادة؟...لم يعد هنالك حبل ولا وتد لا شيء يُعيق تحركها أو رعيها على هواها، كانت العنزة البيضاء في حالة سكر بالحرية التي طالما ثاقت إليها وهي تقفز في الهواء الطلق وتتمرغ على طول المنحدرات مع أوراق الأشجار المتساقطة، ثم فجأة تتوقف وتقف على قوائمها وتمشي ورأسها إلى الأمام عبر المروج الخضراء النظرة، مرة على القمة وأخرى على السفح، في الأعلى في الأسفل في كل مكان، يبدو أن هنالك عشر عنزات للسيد سيغان في هذا الجبل، إنها لم تكن خائفة من شيء لقد تخطت بقفزة تيارات مائية جارفة وهي تبتل برذاذها ورغوتها الرطبة، بعد ذلك استلقت على صخرة مسطحة واستسلمت لأشعة الشمس الدافئة، وبينما هي تمشي على جانب الجبل وتمسك بين أسنانها زهرة أبنوس أبصرت في الأسفل في أقصى السهل منزل السيد سيغان مع السياج المحيط بمزرعته، وضحكت من ذلك حتى سالت دموعها: ما أصغر وأحقر ذلك المكان، كيف أمكنني العيش هناك؟، لكن المسكينة في المكان المرتفع الذي هي فيه كانت تظن نفسها على الأقل أنها كبيرة كبر العالم.
 في المجمل كان يوما جميلا لعنزة السيد سيغان، توسط النهار وهي لا زالت تجري مرة يمينا ومرة أخرى يسارا حتى التقت مع قطيع من الظباء تتغذى على بعض النباتات، ويبدو أن العداءة الصغيرة ذات الثوب الأبيض قد نالت إعجاب القطيع الذي فسح لها المجال لأحسن مكان، فجأة أصبح الطقس باردا وتوشح الجبل بلون مدادي معلنا حلول المساء، لقد مر الوقت بسرعة فائقة بالنسبة لعنزة السيد سيغان التي وقفت مندهشة، في الأسفل كانت الحقول تغرق في الضباب حتى حقل السيد سيغان اختفى هو الآخر، ولم يعد يظهر منه غير سقف المنزل وقليل من الدخان المتصاعد من مدخنته، سَـمِعَتْ صوت أجراس قطيع يعود إلى دياره فشعرت بوحدة ووحشة وحزن شديد، ثم ظهر مشهد آخر لغابة الجبل مغاير تماما لمشهد النهار لا يسمع فيه غير عواء الذئاب، فبدأت العنزة الوحيدة في الغابة الموحشة تفكر في حديث السيد سيغان عن الذئب من بعدما كانت طول النهار غافلة عن ذلك، في نفس الوقت دوى نداء بوق في أقصى الوادي، إنه الرجل الطيب السيد سيغان في محاولته الأخيرة لاسترجاع عنزته البويضاء.
     - هُو هُو.. يعوي الذئب،
      - عودي عودي.. يدوي نداء البوق
لقد كانت العنزة تثوق أن تعود إلى السيد سيغان، لكنها بمجرد تذكرها الوتد والحبل وسياج المزرعة فكرت أنها لا يمكن أن تعيش على هذا النحو، ومن الأفضل أن تبقى حرة في غابة الجبل، توقف نداء البوق نهائيا وسمعت العنزة على مقربة منها صوت خشخشة أوراق، استدارت ورأت في الظل أذنين قصيرتين حادتين وعينين لامعتين...إنه الذئب، ضخم جامد قاعد القرفصاء، إنه هنا ينظر إلى العنزة الصغيرة البيضاء وهو يتذوقها مُسْبقاً، وبما أنه يعرف أنه مفترسها لا محالة فلم يكن مستعجلا، فقط عندما رأى المسكينة تستدير بدأ يضحك بخبث، أحست العنزة بأنها تائهة وتذكرت حكاية العنزة 'رونود' التي تعاركت مع الذئب طيلة الليل وتمكن منها في الأخير وافترسها، وفكرت لحظة أنه ربما من الأفضل أن تستسلم دون عراك لأنه لا فائدة من ذلك، لكنها عدلت عن رأيها أخيرا وأخذت الحيطة والحذر بوضع رأسها وقرونها إلى الأمام في مستوى منخفض مثل عنزة السيد سيغان الشجاعة التي كانت فيما مضى، ليس أملا في قتل الذئب، لأن المعز لا تقتل الذئاب، ولكن لمعرفة إلى أي مدى سيكون بمقدورها الصمود كما صمدت العنزة 'رونود'، في هذه اللحظة تقدم الوحش ودخلت القرون الصغيرة في رقصة... آه ! على العنزة الصغيرة، لقد ذهبت عن طيب خاطر أكثر من عشر مرات وأجبرت الذئب  على التراجع إلى الوراء لاسترجاع أنفاسه، خلال هذه الفترات من الهدنة التي لم تكن تتجاوز كل واحدة منها الدقيقة، كانت تقض فيها بعض العشب وهي في لحظة قريبة من الموت تصر على الحياة ثم تعود إلى المعركة من جديد، ومن فينة لأخرى كانت تنظر للنجوم وهي ترقص في السماء وتقول مع نفسها: ''آه ! لو باستطاعتي أن أصمد حتى الفجر''، واحدة بعد الأخرى بدأت النجوم تنطفئ وتختفي، وبينما كانت العنزة تُضاعف نطحها والذئب يُضاعف عضه وخدشه...تصاعد صياح أشج لديك من إحدى المزارع، ثم لاح في الأفق لون ضوء شاحب حزين معلنا بداية نهار آخر.
أخيــرا ! قالتها العنزة المسكينة التي لم تكن تنتظر سوى انبلاج الفجر كي تستسلم للموت، وبعد ذلك استلقت على الأرض بفرائها الأبيض المدرج بالدماء لافظة أنفاسها الأخيرة، ثم انقض عليها الذئب وافترسها.   
   ترجمة ضفاف متوهجة