حتى زين ما خطاتو لولة

يمكن تعريف الموظف حسب النظام الأساسي للوظيفة العمومية على أنه كل شخص يُعَيّن في وظيفة قارة ويُرَسّمُ في إحدى رُتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة، أما من الناحية الكاريكاتورية فيمكن تشبيه الموظفين بمجموعة من الكتب المرصوصة في خزانة، أقلها فائدة وقيمة توضع دائما في الرفوف العليا، والموظف بطبيعة تدرجه في الأسلاك الإدارية وتفرد جيناته الوراثية التي ورثها عن أسلافه النائمين يعمل ولا يفكر، غير أن الموظف الذي يفكر يستيقظ ويصحو فيصوم عن العمل، ولا يعود للعمل إلا عندما يغفو وتنتابه سِنَة أو نوم، وفي جميع الأحوال فإن الموظف الذي يعمل، وهو على كل حال ظاهرة فريدة، غالبا ما يقوم بذلك على إيقاع بطيء ومنتظم يدعو إلى التثاؤب والانخراط في النوم والشخير في تناسبية مع ما يتلقاه من أجر وتحفيز رسمي وشبه رسمي وخفي، وهو يبقى عبدا مُستعبدا يقضي معظم حياته في الأكل والنوم والعمل كالبهيمة لدرجة أن أيامه المتتابعة والمتشابهة تبدو له طويلة ومملة تدفعه لاختراع أدوات مبتكرة وفعالة لقتل الوقت وصلبه صلبا دمويا على عقارب ساعة الإدارة المعطلة التي تمرح في ميناءها العناكب.
ومن الصعب إقناع موظف بأنه ارتكب خطأ لأنه تعود على ارتكاب الأخطاء بالجملة منذ فجر التاريخ في جميع أرجاء المعمور، لدرجة أنها أضحت لديه عادات متأصلة وراسخة، وهو لا يفي بوعد ولا يوافق قوله عمله ولا يحترم الإجراءات والقوانين إلا عندما يكون رأسه تحت تهديد فصله بالمقصلة، ومن غير المستحب إزعاجه عندما يكون منهمكا في قراءة جريدته المفضلة لأن دماغه بالكاد وبصعوبة كبرى يستوعب ما يقرأه، وهو مصاب بآفة المشي في نومه في عز النهار فإياك ثم إياك أن توقظه أثناء ذلك لأنها ستكون الكارثة، ويُنصح بعدم معارضته في أفكاره لأنه سرعان ما يُصبح متصلبا وعدوانيا لدرجة الجنون.
 وبالرغم من كل ذلك فهو يبقى إنسانا وليس حيوانا، لأنه لو كان حيوانا لتم افتراسه افتراسا منذ زمن طويل من قبل زملاءه الأكثر إخلاصا له في العمل، فإن حدث يوما ما وتلاقت عيناك بعيناه وأحسست بنظرته الغبية البلهاء تخترقك، فإنه لا يفتعل ذلك عمدا من أجل استفزازك ولكن تلك عادته التي تربى عليها منذ الأزل، والشيء المقدس لدى الموظف هو وقت الاستراحة الذي هو بمثابة الأفيون عند الحشاشين، كلما ازدادت جرعته تصاعدت نشوته حتى يُضحي إدمانا لا يمكن التخلي عنه بأي شكل من الأشكال، وخلال هذه الاستراحة يتجلى نشاطه الهائل، بحيث يُعالج كَمّاً هائلا من الملفات والحالات المستعجلة والمستعصية في ظرف زمني وجيز: مثل الخروج في مهام خاصة لاصطياد بعض الطرائد السمينة من دون أن يطلق ولو رصاصة واحدة، فإذا تعذر عليه القيام بذلك لأسباب أمنية أو مخابراتية ظل طوال نهاره يمشي ذهابا وإيابا مرة ذاهبا للتبول وأخرى لغسل يديه، وتارة أخرى لفتح جدال بدون نهاية مع أي كان في مواضيع شتى يُصبح فيها محللا سياسيا وخبيرا اقتصاديا ومصلحا اجتماعيا ومهندسا معماريا وطبيبا نفسيا ومشرعا قانونيا ومفتيا دينيا، وفي الأخير معارضا حاقدا ومنتقدا للحكام والحكومات لطول ساعات العمل وضعف دخله ونسيان ترقيته، وعندما يتعب من كل ذلك ينتقل إلى أجواء شرب القهوة والشاي والتهام ساندويتش وحلويات من دون نسيان المرور بطبيعة المهنة على مكاتب الموظفات المترهلات المسترخيات لتشنيف أسماعهن بما يحببن سماعه من مواضيع شبقية متلبسة بالضحك كما تلبس الحلويات بالشكولاتة تفتح أقوسا ملونة بقوس قزح في انتظار إغلاقها في الظلام بأقواس من فحم.... نقطة إلى السطر.
ثم يعود إلى مكتبه خائر القوى يجر رجليه من كثرة الضنى والعمل، لدرجة أنه عندما يعود بعد الظهيرة لا يعود يدري ماذا يفعل، وهكذا دواليك يظل يلوك أيامه في انتظار عطلة رسمية أو رخصة مرضية أو رخصة سنوية أو أي كارثة تضرب العالمين والناس أجمعين وتخلصه وحده ولو مؤقتا من الحضور إلى ضنكه اليومي وسجنه الأبدي.
 أما فيما يخص الموظف المثالي فهو الذي يتم تنقيطه وترقيته ليس حسب مردوديته وفعاليته وإنما حسب إنتاجيته للأطنان المكدسة من الورق التي ينتهي بها المطاف في مكب النفايات، فكلما كان متحمسا ونشطا في مسايرة ومدح الوضع القائم والمشاريع المنزلة تنزيلا من أصحاب الحل والعقد وإخراج ذلك إخراجا منمقا مزركشا بالألوان بالطول المتري الورقي وعلى الشاشات البلازمية المسطحة للحواسيب ذات القلبين إلا وصعد الأدراج حتى سقف الإدارة، ولا يبرح كرسيه العاجي هذا إلا عندما يُحال على المعاش، لكن للأسف أن  هذا السقف بالضبط هو الذي يسقط مباشرة بعد ذلك فوق رأسه ليسحقه ويؤدي إلى  هلاكه وحمله بسرعة فائقة لردمه في إحدى الحفر بالمقابر.
وبالرغم مما سلف ذكره بشأن الموظف فهذا لا يعني أن الشعوب بريئة وطاهرة ومنزهة ترفرف بأجنحة الملائكة، بل هي الأخرى لا تخلو من عورات صارخة وعيوب فاضحة لأن فيها من الجهلة والرعاع والأوباش والمنافقين وأولاد الحرام وما إلى ذلك من النماذج الشاذة والمتطرفة ما سوف تظهر فيه طوابير الموظفين كقطرة ماء في بحر لجاج متلاطم الأمواج، وخلاصة القول: " حتى زين ما خطاتو لولة ....واللي باغي يصلح يبدا من راسو ماشي من التلفزة....الله يستر العيب وصافي". 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق