كيف تصبح مشهورا بدون معلم

" كن عالما أو طبيبا أو مهندسا فإنك لا تساوي البتة شيئا أمام أتفه حثالة من المائلين والمائلات والمميلين والمميلات "
ضفاف متوهجة 
قرأت فيما مضى عدة كتب عن كيفية كسب الأصدقاء، وكيفية أن تكون للإنسان شخصية قوية، وكيفية الكتابة بأسلوب شاعري جميل يجتذب الناس كما تجتذب الزهور العطرة النضرة النحل، وكيفية الحفاظ على الصحة واللياقة البدنية، وكيفية أن يكون المرء سعيدا، وكيفية كسب الكثير من الأموال بدون كد ولا جهد ولا عرق، وكم هائل من الكتب الكيفية المتأنقة والمتفائلة تفاؤلا ساذجا يدعو إلى الضحك حتى الإستلقاء، يُعطي من خلالها مؤلفوها وصفات سحرية من تجاربهم الشخصية المحدودة في الزمان والمكان والجينوم في قوالب جامدة وجاهزة للمغفلين من الناس.
وارتأيت أن أرد الجميل لهؤلاء 'الوعاظ' الحداثيين العصريين بكتابة هذه التدوينة التي تحمل عنوان 'كيف تصبح مشهورا بدون معلم' حتى يستفيدوا هم أيضا من خزعبلاتي وترهاتي، عسى أن تعود عليهم ولو بيوم واحد من الشهرة التي يتفانون عليها ويتقاتلون، والفضل في كل هذا يعود بالدرجة الأولى لـمُلهِمِي الكاتب الروسي الكبير 'أنطون تشيخوف'، الذي سوف يحكي في ختام هذه التدوينة قصة طريفة تضم بين جوانحها طرقا وسبلا ملتوية ومُقَوْلَبة  ما أحوج إليها من يبحثون عن الشهرة من النكرات ومرضى النفوس.
لوحظ بشكل ملفت للنظر في السنوات الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحالي، الذي من المرجح حسب الكثير من الدراسات والأبحاث في جميع أصقاع الأرض أن يكون بمثابة قرن بداية العد العكسي للانهيارات العظمى والله أعلم، ميولات غير طبيعية وغير سوية لدى البشر في بحثهم المحموم عن الشهرة، فمنهم من أصبحوا أندادا لله تعالى  يريدون محاسبته ومحاكمته على أفعاله، ومنهم من شمر على سواعده وبدأ يلوح بمعاول الهدم  للديانات السماوية خاصة منها الإسلام،  وآخرون وجدوا مادة دسمة وتربة خصبة ومضمونة النتائج للوصول إلى الشهرة بنفث سمومهم وحقدهم وقذفهم وافتراءهم على الأنبياء والرسل، داخل سوق نخاسة عالمية مدعومة بسخاء مادي ومعنوي ملفت للنظر من الماسونيين الأشرار، من باكورة أعمال هذه السوق ومنجزاتها كتابات وتحليلات ومحاضرات لصعاليك وصعلوكات سِيقَت بواسطتها شعوب وأمم وقبائل شتى من النعاج، ومرضى نفسيون آخرون  وجدوا ضالتهم في العري والتفسخ والتهتك بدون حدود ولا قيود إلى درجة الافتخار بالشذوذ الجنسي في العلن.
أما الرعاع الذين أصبحوا في كل فج يتناسلون كياجوج وماجوج فقد ابتكروا نوعا جديدا من التخبط والجنون والعفن وسموا ذلك فنونا، في حين أن ما تبقى من الغثاء من الذين لا مواهب لهم ولا هم يحزنون فقد تفتقت عبقرياتهم على شيء خارق للعادة لما عمدوا إلى قتل أنفسهم حرقا بالنار في الشارع العام أو رميها من مرتفعات شاهقة أو في أيسر الأحوال  وأرخصها كسر رقابهم بتعليق أنفسهم على حبال مشانق كما يكسر النصارى أعناق الدجاج.
وعلى الجانب الآخر المضاد من الضفة المعاكسة وقف المتطرفون المتعصبون المعقدون من التيوس الخوانجيين الملتحين التكفيريين، وهم أخطر بكثير من الفئات السالفة الذكر، يوزعون صكوك الغفران كما كانت تفعل الكنيسة المسيحية إبان القرون الوسطى، يصنفون الناس تصنيفا  هذا مؤمن وهذا كافر، وهذا فاسق فاجر ظالم، وهذا من أهل الجنة والنعيم الدائم، يفتون بفتاوى  للمسلمين لقتل بعضهم بعضا، ويفسرون آيات الله على أهوائهم لإرضاء أهواءهم المعقدة المريضة أو نزولا عند رغبة أسيادهم ومموليهم كما كان يفعل وعاظ السلاطين في غابر الأزمان، عندما كانوا يأولون كلام الله مقابل رضى أسيادهم وثمن قليل...بئس العبودية والثمن.
 وقد كان لوسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، ولغاية في نفس يعقوب، خصوصا منها الماسونية وأحفادها الملقمة تلقيما كالجزيرة والعربية دور شيطاني وجهنمي في إيصال أولئك وهؤلاء إلى قمة الشهرة لم يكونوا يحلمون بها حتى في المنام، ومنحتهم امتياز أن يُصبحوا معروفين ومشهورين ممن لا يعرفونهم، ومدتهم بانطباع خادع بأن كل الناس يعرفونهم، لقد استطاع جميع هؤلاء أن يحصلوا في الأخير بدون جهد ولا درس ولا معلم على لعنة الشهرة التي يتمنى غالبية الناس في هذا العصر أن يُصبحوا ضحايا لها عن طيب خاطر.
وبالعودة إلى بداية القرن العشرين عندما كان عدد سكان الأرض لا يتجاوز  مليارا واحدا وسبع مائة وستين مليون نسمة كتب الطبيب والكاتب المسرحي والمؤلف القصصي الروسي الكبير 'أنطون تشيخوف' عن الشهرة كمأساة إنسانية، أبان فيها عن قدرة لا متناهية وعبقرية فذة في الإحساس والتحليل العميق والفهم الدقيق بالحقيقة الخفية والمخفية، التي ما تلبث أن تطفو إلى السطح كما تطفو قاذورات الصرف الصحي، من خلال مسارات طويلة ومتشعبة وحروب لا هوادة ولا رحمة فيها، تتخللها فترات هدنة هشة ومؤقتة بين الجوهر الحقيقي والمظهر الخادع المخادع، تلكم الهدنة التي ما تلبث أن تتهاوى كي تعلو في الأخير التفاهة والخبث على كاهل الحقيقة والفضيلة.
وكانت الأسئلة الشائكة التي يجد فيها القراء صعوبات جمة في الإجابة عليها يوجهون  أصابع الاتهام فيها كما هي عادة حثالات المجتمعات إلى 'أنطون تشيخوف'، الذي كان يرد عليهم بكل هدوء  وتواضع وبساطة بأن دوره ينحصر في طرح الأسئلة وكشف المستور وليس الإجابة عليها وإيجاد الحلول.
هذا ما خطه قلم 'أنطون تشيخوف' بأسلوبه الناضج والعميق في القصة التالية  تحت عنوان 'الشهرة'، التي تجمع في ثناياها كل ما يحلم به شخص يسعى بالاقتران بهذه الفاتنة الفاجرة كي تخرجه من ذاكرة النسيان إلى الأضواء الممتدحة والممجدة بمبالغة زائدة عن اللازم لدرجة التخمة، وتخرجه عن المألوف، وتمده بمشاعر وأحاسيس مزورة ومصطنعة كثيرا ما يسيل له لعاب الناس بحثا عن بعض التوابل والبهارات  التي قد تُضفي  طعما على حياتهم  البئيسة و'الباسلة' المذاق، وتشعرهم بالانطباع الخاطئ بالقوة والتفوق وتحقيق الذات:
كان أحد ركاب الدرجة الأولى بالقطار مضطجعا في مقعده بعدما ملأ بطنه طعاما وقد استرخى وغالبه النوم، وبعد إغفاءة قصيرة فتح عينيه على رجل يجلس إزائه فخاطبه قائلا: "رحم الله والدي، لقد كان يحب أن تدلك الفتيات قدميه بعد الغذاء، وأنا مثله مع فارق أني أحب أن أدلك لساني وذهني بأقداح من الراحة بعد الغذاء، أحب الكلام الفارغ والبطن الملآن، أتسمح لي بالتحدث معك قليلا؟"، رد الجالس:"بكل ارتياح"، قال المتحدث:"إني إذا ملأت بطني كان أتفه الأشياء جديرا بأن يبعث من ذهني تيارا متدفقا من الأفكار، وعلى سبيل المثال سمعت اللحظة رجلا يهنئ آخر على ما قد ناله من الشهرة، وما أحسبهما إلا من حثالة الممثلين أو الصحفيين، ولكن هذا ليس موضوع بحثي، إنما الذي يهمني الآن ويشغل بالي هو ماذا يعنون بلفظ الشهرة، لقد عرفها الروائي 'بونتكين' بمقولته: "الشهرة هي الرقعة الزاهية في الخرقة البالية"، غير أني غير مقتنع بهذا التعريف ولا أعتبره دقيقا بما فيه الكفاية، ولم أجد بعد تعريفا بَيِّناً ومنطقيا للشهرة، ولو جئتني بذلك لأعطيتك ما تريد، قال الجليس:"ولماذا كل هذا الحرص منك على معرفة ذلك؟"، قال المتحدث:"لأننا لو عرفنا ماهية الشهرة لجاز لنا أن نعرف أيضا سبيل بلوغها.
ولتعلم بعد أنني قبل أن أبلغ هذه السن وأفهم الحياة الدنيا على حقيقتها أُولعت بالشهرة حتى جننت بها جنونا وبذلت في سبيلها أقصى الجهود، فكم درست من أجلها وقرأت وحفظت، وكم سهرت الليالي الطوال وسلوت الراحة والشراب والطعام، وكنت موقنا بلا محاباة لنفسي أني حائز لكل مزية وموهبة تؤهل الإنسان للشهرة، فأنا قبل كل شيء مهندس بارع حيث قد أُتيح لي أن أنشأ في روسيا ثلاثين قنطرة من أفخم القناطر، وأن أزود خمس مدن بمصانع للمياه والغاز، وأن أُنجز أعمالا هندسية معقدة في عدة عواصم أوروبية، وفوق ذلك لي تصانيف شتى في العلوم الرياضية، وإني في طليعة من يشتغلون بفن الكيمياء في العالم، وقد اكتشفت العديد من الأحماض والقلويات، ولو بحثت لألفيت اسمي منقوشا على صفحات كتب الكيمياء بمعاهد الدراسة خارج روسيا، وقد ارتقيت في مناصب الإدارة إلى درجة مستشار هندسي، ولن أُطيل عليك الكلام بتعداد مواهبي ومناقبي ومآثري خشية من أن تمل وتضجر، وفي مجمل الكلام أني صنعت أكثر مما صنع بعض ذوي الشهرة.
وها أنذا بعد كل ذلك ومن بعدما بلغت من الكبر عتيا وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من حافة القبر، ليس لي من الشهرة إلا مثل ذلك الكلب الأسود الذي تراه يجري على الجسر هنالك"، قال الجليس:"ومن يُدْرِيكَ، لعلك مشهور وأنت لا تعلم؟"، قال المتحدث:" أنت فرد من الأمة، فلننظر الآن هل تعرفني؟، هل سمعت في حياتك بهذا الاسم 'كريكونوف'؟"، رفع الجليس عينيه نحو سقف المقطورة وفكر برهة ثم ضحك وقال:" كلا، ما سمعت بهذا الاسم قط"،  قال المتحدث:" هذا اسمي، ها أنت ذا رجل كهل متعلم ومثقف ثم لم تسمع بي مطلقا، أليس ذلك دليلا قاطعا على صحة قولي؟، وإني حينما أعددت كل عدة وهيأت كل وسيلة وبذلت كل مجهود في سبيل تحصيل الشهرة ضللت الطريق وأخطأت المرمى والهدف"، قال الجليس:"وما هي الوسيلة والسبيل إلى الشهرة؟"، رد المتحدث:"الشيطان وحده أعلم، يزعمونها القدرة والكفاءة والنبوغ والعبقرية وقد كذبوا، لقد سبقني إلى الشهرة وظفر بها أناس دوني لم يبلغوا عشر العشر مما عندي من علم ومعرفة وذكاء، ولم يظهر هؤلاء شيئا من القدرة ولا الكفاءة، ولا أفادوا المجتمع مثقال ذرة مما أفدته، ولم يبذلوا من السعي إلى الشهرة كثيرا ولا قليلا، وعلى الرغم من ذلك كله اشتهروا وأصبحت أسماءهم تتناقلها الصحف وتتداولها الألسن، وسأضرب لك مثلا إن لم تكن قد سئمت من حديثي، منذ بضعة سنوات أنشأت قنطرة في إحدى البلدات، وكانت هذه البلدة خالية من أسباب الأنس ودواعي السرور فأدركتني بها وحشة وسآمة، ولولا الخمر والنساء  والميسر لفقدت عقلي، فقد اتخذت لنفسي خليلة  من فئة الممثلات تَدَّعِي فن الغناء زورا وبهتانا، وعلى الرغم من فرط إعجاب الناس بها ولغطهم بذكرها وحرصهم على التملق لها، لم أكن أرى فيها سوى مخلوقة عادية خالية من كل جمال وملاحة، كانت سيئة الخلق ضعيفة العقل شرهة جشعة وحمقاء، وكانت تلتهم كميات ضخمة من الطعام والشراب وتنام حتى المساء، وأظن أنها لم تكن تفعل غير ذلك، وكانوا يسمونها ممثلة ومغنية زورا وبهتانا وهي مجردة من الفن ومن المعرفة ومن الذوق، جاهلة غبية وحقيرة.
كان غناءها يصم الآذان ويرعش الأبدان ويورث الأحزان...فلما أتممت القنطرة أُقيم احتفال كبير بافتتاحها، فأُلْقِيَتِ الخُطَبُ والمقالات، مما جعلني أثناء ذلك أنتظر ثمرات كدي وأرصد نجم حظي، ومن حقي ذلك إذ كانت قنطرتي مما يُفخر به ويتباهى، لم تكن مجرد قنطرة بل كانت أعجوبة ومعجزة، كانت كأنها تصميم خرج من يد 'روفائيل' أو 'ليوناردو دافنتشي'، أنا لا أزكي نفسي، إنما أتحدث بنعمة المولى، ومن ذا الذي لا يعتريه القلق والاضطراب وقد أبصر أهل البلد قاطبة جاؤوا أفواجا ليتأملوا عمله وصنعته؟.
فبدأت أقول مع نفسي يا ويلي من حرج الموقف، فكل الأبصار ستكون نحوي متجهة والأعناق متطاولة، فأين أختبئ؟؟ لقد أرهقت نفسي بلا مُوجِبٍ، ولو علمت الغيب لأرحت نفسي وبالي من كل هذا العناء والقلق، فقد احتشدت الجموع واكتملت عدتهم وأقبلوا ينظرون إلى كل شيء، ويتأملون كل شيء، إلا شيئا واحدا: ذلك هو أنا، لم يعبأ بي ولم يكترث لي ولم يعلم بمكاني ولم يشعر بوجودي فرد واحد من كل تلك الجموع الحاشدة! لقد وقفوا جميعا ينظرون إلى القنطرة كالأنعام ولم يتكلف أحدهم بالسؤال عن ربها ومنشئها! ومنذ ذلك الوقت دبت في نفسي كراهية الجمهور واحتقاره في كل آونة ولحظة! 
لنعد إلى حديثنا، خلال تلك الأثناء شوهدت حركة غير اعتيادية في الجمهور، أعقبها شيء من الهرج وتهامس الناس وظهرت على وجوههم ابتسامة سرور وارتياح وماج بهم المكان واضطرب، فقلت مع نفسي أيمكن أن يكون السبب في هذا أنهم أبصروني وعرفوا أني أنا الذي أنشأت القنطرة؟ ولكن ما لبث هذا الأمل أن تبخر عندما ظهرت حقيقة الحال وأدركت أن سبب اضطراب الجمهور هو ظهور رفيقتي الممثلة تتبعها وتتعقب خطاها حاشية من أسرى الغرام تشق عباب الجماهير كالباخرة ومن وراءها الزوارق والسفهاء والمغفلون وهم يشيعونها بألفاظ الصبابة والافتتان وألفاظ الإعجاب والإكبار مثل 'هذه هي الممثلة البارعة...هذه ملكة الطرب والغناء...أي حسن وبهاء...وسامة وضياء'، وإذ ذاك لمحني رجل وأومأ نحوي وقال لمرافقه: 'هذا هو عشيقها'، هذا كل ما قاله لا أقل ولا أكثر، فما رأيك في هذا يا صاحبي؟ 
أتراها نتيجة سارة لكل ما بذلت من مساع وجهود؟...وبينما أنا أندب خيبة آمالي وسخافة الجمهور وغباوته، تقدم نحوي رجل سَـمْجُ الخلقة قبيح الطلعة وقال لي:" أتعرف من تلك التي تسير على الضفة المقابلة وقد بهرت الأبصار وخلبت العقول وسلبت الألباب؟ هذه هي سيدة الممثلات وأميرة المطربات، صاحبة القد الرشيق والشكل الأنيق والوجه الصبيح والظل المليح"، فقاطعته قائلا: "أتعرف من الذي أنشأ هذه القنطرة؟"، قال:" كلا لا أعرف، لعله أحد أولئك المهندسين"، قلت:"أتعرف من أنشأ كنيسة بلدتكم؟"، قال:"كلا"، قلت:"أتعرف من هو أعظم أستاذ، ومن أجل عالم، ومن أخطب خطيب، ومن أمهر كاتب، ومن أشعر شاعر، ومن أبرع رسام؟"، قال:"كلا"، قلت:"خبرني أعزك الله، أتدري مع من تعيش هذه الممثلة المغمورة الذائعة الصيت؟"، قال:"يقول الناس أنها تعيش مع شخص مهندس اسمه....لقد نسيت اسمه"، فما قولك في هذا ياصاحبي؟ 
فلنعد إلى ما كنا فيه من الحديث، في سالف الأزمان كان الذين يتولون نشر الشهرة وإذاعة الصيت والإشادة بذكر أرباب المآثر والمفاخر هم طائفة الشعراء والموسيقيين، عندما كانوا ينظمون القصائد والأناشيد في مدح أهل الصناعات والفنون وذوي المكارم والمساعي، فتعم الآفاق وتضحي سمر الأندية وزاد الرفاق، أما الآن فقد انقرض أولئك المداحون وحل مكانهم كتاب الصحف والمجلات، فلننظر ماذا كان موقف الصحف إزاء عملي العظيم؟ 
في صبيحة ليلة الاحتفال المذكور تناولت صحيفة 'البريد' المحلية وبدأت أبحث فيها عن اسمي، وبعد البحث المضني والتنقيب وجدت هذه الكلمة: "احتفل أمس بافتتاح القنطرة الجديدة بحضور صاحب الفخامة محافظ الإقليم وفئة من كبار الموظفين، وكان المكان غاصا بجم غفير من أهالي البلدة وكان الطقس بديعا، وكان من بين الحضور الممثلة الذائعة الصيت قرة الأعين ونزهة النفوس وريحانة الأرواح السيدة فلانة تختال بين الصفوف في حلة أرجوانية موشاة تكاد من فرط حسنها تأكلها القلوب وتشربها الضمائر"، أما أنا فعلي الغطاء وفي سبيل الشيطان جهدي وكدي وتعبي وإلى جهنم وبئس المصير! لقد بخلوا علي بحرف واحد، بخلوا على اسمي! فما كان ضرهم، قبح الله مسعاهم، لو ذكروني ولو بالذم والانتقاد لكان ذلك أقر لعيني وأثلج لصدري، ولا أخفيك أني قذفت بالجريدة في أقصى الغرفة وتهاويت على مقعدي وأجهشت بالبكاء حتى جرت كالأنهار مدامعي، وبعد برهة واسيت نفسي وعزيتها بقولي:"إن هذه الجريدة مجرد جريدة ريفية سخيفة لا يُرجى منها خير، ومن أراد العدالة والإنصاف وتقدير الكفاءات حق قدرها وزنة المآثر بالقسط، فعليه أن يلجأ إلى الجرائد الكبرى التي يصدرها قادة الأفكار في موسكو أو بطرسبرج".
وحدث أن حل موعد إعلان نتائج إحدى المسابقات اشترك فيها فئة من كبار المهندسين من أجل تصميم عمل هندسي عظيم لإحدى الشركات الهندسية ببطرسبرج، وخشية الملل من طول الانتظار استأجرت صالونا خاصا واصطحبت رفيقتي الممثلة ثم رحلنا، وصلنا بطرسبرج يوم إعلان النتيجة، ولحسن الحظ حَصَلْتُ على الجائزة الأولى، وفي اليوم التالي اشتريت جميع الجرائد وهرولت بها إلى غرفتي وجلست على مقعد وبدأت أُهَدِّئُ من روعي وأسكن قلقي واضطرابي، ثم  انغمست كليا في تصفح تلك الجرائد، قرأت الأولى: لا شيء، قرأت الثانية: لا شيء، قرأت الثالثة: لا شيء، وامصيبتاه! وأخيرا عثرت في الرابعة على هذا الخبر: "وصلت العاصمة على قطار الإكسبريس الممثلة المشهورة 'فلانة'، ونذكر ببالغ السرور أن أجواء الأقاليم الجنوبية كان لها أحسن الأثر على صحتها"، ثم كلام كثير في وصف محاسن أوصافها ومزاياها الغنائية والمسرحية إلى قرب نهاية الصفحة، يا للعجب!!، ولا كلمة واحدة عني!، في أقصى ذيل الصفحة أبصرت الجملة التالية مكتوبة ببنط دقيق لا يكاد يُرَى إلا بالمنظار المكبر:"نال جائزة الدرجة الأولى أحد من المهندسين يدعى فلان".
هذا كل ما تفضلت به علي جرائد العاصمة، بل الأدهى من ذلك أنهم أخطأوا حتى في كتابة اسمي، وضلوا طوال مدة إقامتي ببطرسبرج يتبارون ويتنافسون في وصف ومدح الممثلة البارعة والتحفة الرائعة، وبعد بضعة أعوام من ذلك استدعاني محافظ موسكو لإنشاء عمل هندسي كانت الجرائد تنادي بوجوب إنشاءه منذ مائة عام، فلبيت الدعوة ومضيت في العمل، وأثناء ذلك ألقيت عشر محاضرات بدار الآثار في مواضيع شتى أخلاقية واجتماعية واقتصادية، كل ذلك والجرائد عني في تجاهل وتغافل وصمت، ولا حرج عليها إذا كانت مشغولة بأخبار المنازل المحترقة وممثلي الأوبرا وتنقلات الموظفين الحكوميين وإعلانات المناقصات، وبكل شيء في الوجود باستثناء منشآتي ومحاضراتي ورسوماتي وتصاميمي، وركبت مرة قطارا كان مليئا بالركاب من كل صنف وطبقة، فقلت للجالس بجانبي بصوت مرتفع كي أُسْـمِعَ كل الحاضرين:"بلغني أن المجلس البلدي استدعى مهندسا ليتولى إنشاء كذا وكذا من الأعمال، أتعرف اسم ذلك المهندس؟"، فهز الرجل رأسه بينما نظر إلي الآخرون باشمئزاز نظرة استهزاء ثم أزاحوا عني أنظارهم، فاسترسلت قائلا:"وبلغني أن أحد العلماء يلقي محاضرات شيقة وممتعة في دار الآثار"، فلم يلتفت إلي أحد، لقد كانوا عني في استغناء، ولعل بعضهم لم يسمع قط بدار الآثار، كل هذا كان لا يهمني لولا ما حدث في تلك اللحظة عندما أبصرت جميع الركاب قد وثبوا من مقاعدهم وهرعوا نحو نوافذ القطار يتزاحمون ويتدافعون، ماذا حدث وماذا جرى؟، وهنا صاح جاري قائلا:"انظر لا تفوت الفرصة! أترى هذا الرجل الأسود يهم بركوب تلك السيارة؟ هذا هو الراقص الذائع الصيت 'كنج'"، وراح الجميع يصفون ويمدحون ذلك العبقري العظيم الذي كان قد استحوذ على عقول أهل موسكو قاطبة، ولما فرغ المتكلم من محاضرته الطويلة قال له الجليس:"اسمح لي أنا أيضا لدي سؤال لك: أتعرف اسم 'بوشكوف'؟"، المتحدث:" 'بوشكوف'! دعني أتذكر! 'بوشكوف'!، من يكون 'بوشكوف' هذا؟ لم أسمع بهذا الاسم قط!"، قال الجليس وقد ألم به من الخجل والارتباك ما ألم به:"هذا اسمي، إنه لعجب عجاب أن لا تعرفه! ألا تعلم أني أستاذ في إحدى الجمعيات الروسية منذ أربعين عاما وإنني عضو في المعهد العلمي ولدي العديد من المؤلفات؟"، فنظر كل من الرجلين في وجه صاحبه وانفجرا معا بالضحك.     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق