مراكش 1900 (14)

مسجد الكتبية التاريخي وصومعته الشامخة في عنان السماء منذ ما يقارب من 900 سنة  بدون خبراء ولا حواسيب ولا برمجيات ولا إسمنت مسلح ولاهم يحزنون، فقط حجـر موضوع فوق حجر بدقة خارقة ومتناهية، والفضل يرجع لشيء من ضِمن أشياء أخرى لم يعد موجودا الآن: صدق النية والصح والعمل.

السلطان العلوي المولى يوسف (1880-1927) يتفقد مجموعة من الفرسان المسلحين لإحدى القبائل الموالية للسلطة المركزية، في ذلك الزمن كان المغرب كسفينة تتقاذفها أمواج بحر وسط ريح صرصر عاتية، وتحيق به من كل جانب شتى المخاطر والأهوال من تمردات داخلية وأطماع أجنبية خارجية متجلية في تداعي الدول الاستعمارية الإمبريالية على المغرب كالذئاب.

استقبال وصول المقيم العام الفرنسي الجنرال "ليوطي" (1854-1934) لمدينة مراكش عند مداخل  ممر النخيل، هذا الرجل صاحب الشارب العثماني هو الذي وطد دعائم الاستعمار الفرنسي بالمغرب باتباع سياسة ما اصطلح عليه آنذاك ب'التهدئة'، وذلك بإخضاع القبائل المتمردة على السلطة المركزية، ثم عمل على استمالة كبار القواد وإطلاق أيديهم لعمل ما يشاؤون وما يشتهون في مناطق واسعة من أراضي المغرب شريطة ضمان الأمن بداخلها وأن يبقوا أوفياء للفرنسيس وسياستهم الإصلاحية والتغريبية في آن واحد، هذه السياسة التي فَرّخَتْ جيلا مشوشا ضبابي الرؤيا لماضيه ومستقبله لا هو بفرنسي ولا هو بعـربي، لا يمتلك هوية ولا شخصية قوية يقف بها أمام المستعمرين القدامى حتى في زمن ما بعد الاستقلال،
 وهم من يُطلق عليهم اسم طابور فرنسا الساهر على مصالحها بالمغرب أو 'وليدات فرنسا'، وهم متواجدون على كل المستويات والأصعدة في أجهزة الدولة والإدارة والصحافة المرئية والمسوعة وخصوصا المكتوبة منها التي طالما سخرها الفرنسيس من وراء ستار بكل وقاحة على كل شريف يعتز بدينه ووطنه ونظامه السياسي، ويرفض رفضا قاطعا عنجهيتهم واستعلاءهم واحتقارهم للشرفاء الأحرار...."واللي ما عاجبو المغرب من وليدات فرنسا وبغانا نوليو فوطوكوبي ديال الفرنسيس باش يبقى على خاطرو راه الباب وسع من كتافو وبالما والشطابة حتى القاع البحر".
ترحيب بعض الأعيان المغاربة للمقيم العام الفرنسي الجنرال "ليوطي"، كان هــؤلاء دائما في الصفوف الأولى من طلائع المستفيدين من ثروات البلاد وريعها في حالات السلم والحـرب والاستعمار وحتى الاستقلال، لأنهم بكل اختصار إذا ما الريح مالت مالوا حيث تميل ويعرفون من أين تُأكل الكتف... ففي الوقت الذي كان هؤلاء يبعثون بأبناءهم للدراسة في الجامعـات والكليات الفرنسية، كان أبناء الفقراء والطبقة الشعبية والطبقة المتوسـطة هم من تحملـوا التضحيات الكثيرة والعبء الأكبر في مقارعة الاستعمار حتى اندحاره.

قاعة الشرف بقصر الباهية الذي شيده "ابا احماد" الصدر الأعظم وصاحب النفوذ القـوي والكلمة النافذة المسموعة لدى السلطان العلوي المولى عبدالعزيز، يعود تاريخ إنشاء هـذه الغرفة إلى سنة 1896-1897، وكانت هي المقر الرئيسي الأول للمقيم العام الفرنسي بالمغرب الجنرال "ليوطي" قبل أن يقرر ترسيخ الرباط كعاصمة للمغرب الحديث، طول الغرفة 20 مترا
 وعرضها 6 أمتار....."بْنِي وُعَلِّي وُسِرْ وُخَلِّي".

مخيم السينغاليين بالقرب من مسجد الكتبية التاريخي، كان الذئاب الفرنسيس يشبعون هؤلاء العبيـد الجوعى في بطونهم ويكسونهم كساء ثم يستعملونهم في المهمات القـذرة لتعقب آثار المقاومين المغاربة للاستعمار وتصفيتهم، خصوصا عند حلول وقت حضر التجوال الذي يبدأ بمجرد غروب الشمس، وقد قال فيهم المرحوم عمر الميخي صاحب الحلقة الشهيرة بسـاحة جامع الفنا في إحدى أغانيه الساخرة والمضحكة:"احْضِ رَاسْكْ لَيْفُوزُوا بِكْ سَالِكَانْ فَالظْلاَمْ"، ويقصد ب'سالكَان' السنغاليين.
  
وجـوه تزاحمت وحملقت في الكاميرا في يوم ما من الأيام الخوالي بساحة الـرحبة القـديمة بسوق السمارين، أحد الأسواق القديمة داخل مدينة مراكش العتيقة حيث كان فيما مضى يُعرض للبيع الصوف والجلود والحبوب وحتى العبيد.

سوق القصـابين على مشارف درب ضباشي وبالقرب من سوق السمـارين، سوق كانت تزدهر به الصناعات القـصبية اليدوية التقليدية بكـل مهـارة وإتقـان قبـل أن يغز البلاستيك جميع مناحي الحياة من الأكواب حتى القلوب.

 إحدى سقايات المياه العمومية التي كانت تزخر بالكثير منها مدينة مراكش،  وكانت مياهها مشاعة مجانا للجميع، لم يعد لها أثر اليوم إلا في القليل مما نذر بعدما طغت الماديات  وتحجرت القلوب على الرغم من مظاهر الأضـواء والصبائغ والزواق: "إِلَى كْثَرْ الزَِينْ فَالزْنَاقِي وُقْلاَلْ الـمَا فَالسْوَاقِي مَا بْقَى فَالْهَمْ مَا تْلاَقِي"، بالطبع المقصود بالـزين ليس الجمال الفطري الطبيعي وإنما الزين المصطنع المبني على الماكياج والزواق.

كيف كانت طريق حمان الفطواكي بالقرب من حي الملاح بعد تجاوز ساحة القصــادرية، وكأن الذين التقطتهم عدسة الكاميرا وتوقف بهم الزمن عند هذه اللحظة بالذالت يحاولون كلهم بدون استثناء من الحمير حتى النسوة والرجال إيصال رسالة مفادها إنا كنا قبلكم بالأمس  هاهنا، فيا آملا لا تُطيل الأمل فعما قريب ستلحق بنا.

الخبازات أو بائعات كسـرات خبز لسد الرمق، لم يكن آنذاك لا هامبورغر ولا كيتشاب ولا فيـتامنات ولا مقـويات، وكان الرجل كالحديد المهند يُضاهي عشرة من أشباه رجال اليوم اللي غير كل واحد فيهم ينسيك في الآخر.



بائع الماء صاحب "مُوِيهَة لَعْوِينَة بَارْدَة"، يُسمى عادة لدى الناس ب"الكَراب"، ولا علاقة له بمصطلـح "الكَراب" الذي أضحى شائعا في أيامنا الممسوخة هذه بين مـدمني المسـكرات من خمور وماحيا،كان هذا "الكَراب" فيما مضى يقوم بتزويد المنازل بالمياه مقابل أجر زهيد مستعملا أداة تقليدية التي هي عبارة عن قربة مصنوعة من جلد الماعز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق