الشاعر المناضل الثائر

إذا كان أحمد شوقي رحمه الله هو أمير الشعراء بلا منازع فإن الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي رحمه الله هو أمير المفلسين بدون منازع كذلك، فهو القائل عن نفسه في إحدى جلساته بإحدى مقاهي بيروت:
وهذا لا ينتقص من قيمة شعر الصافي الذي هو في الحقيقة اسم على مسمى، نسيب أسرة آل الصافي ذات الحسب والنسب والعلم والدين، الشاعر ذو الحس المرهف والانضباط الشديد بقواعد اللغة العربية والقوافي والعروض والجمالية واللحن التي يتمتع بها الشعر العربي الأصيل، بل  يتفوق الصافي أحيانا تفوقا ملحوظا في شعره الذي كان  في نفس الوقت نضاليا بما في الكلمة من معنى ضد الاستعمار وجميع أشكال الظلم والاستبداد والاستعباد، ومتمردا على التقاليد والعادات وثائرا ضد التزمت والتحجر لدرجة انسلاخه وخروجه عن المألوف لدى الأغلبية المستسلمة الخاضعة.
رأى الصافي النور بالنجف سنة 1894، وفي مدارسها الدينية تلقى علومه قبل أن يشد الرحال إلى إيران حيث استقر به المقام بولاية شيراز التي لبث بها ما ناهز ثمانية أعوام، أتقن خلالها تعلم اللغة الفارسية، مما مكنه من ترجمة رباعيات الخيام إلى اللغة العربية، وبمجرد حصول العراق على استقلاله سنة 1920، صد عائدا إلى موطنه الأصلي من أجل المساهمة في بناء المجتمع العراقي الجديد، من أبرز مجموعاته الشعرية 'ديوان الأمواج'، 'أشعة ملوثة'، 'الأغوار'، 'التيار'، 'ألحان اللهيب'، 'الهواجس'، 'شرر'، التي تغنى فيها الصافي بصدق بأنشودة الحياة وما اكتنفها من بؤس وحرمان سكب على محرابها دموعا ساخنة صادقة صافية جدية وصريحة، ولعل خير شهادة وصفت بإيجاز وصدق حياة الصافي هي التي صدرت عن أحد عمالقة الأدب والفكر العَالـِمُ الموسوعة الملقب بفيلسوف الفريكة (إحدى قرى جبل لبنان في الشمال) أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق" عندما قال:"ما عَوّض عنه النجف بشيء مما حُـرم، ولا أحسن الترحال ما لزمه من سوء الحال، فقد تنقل من كوخ إلى كوخ، ومن بلد إلى بلد، ومن مضرب في البادية إلى آخر، ومن مضارب البدو إلى مرابع الحضر، ومن مستشفى لا يُشفي إلى مستشفى لا يَرحم، وهو في كل أحواله مجهول غريب، فقد كان يُدعى عجميا في النجف، وعربيا في بلاد العجم، ثم راح يُقيم بين البدو فظنوه من الحضر، وجاء سوريا فظنه أهلها من البدو، إنه لطير عجيب غريب، يحسن الطيران والغناء، ولا يحسن سواهما، وهو كما ألمحت وليدُ برج النحوس، فالدمامة أمه، والسقم أبوه، والبؤس أخوه، بل إن له من الأسقام إخوانا يُقيمون في أعضائه وأعصابه، أما الروح منه فهي سليمة قوية، بل هي روح جبارة في هيكل سقيم"، وقد تجلى ما قاله أمين الريحاني في شهادته عن الصافي من خلال إحدى قصائد هذا الأخير التي أنشد فيها قائلا:
لقد كان الصافي بالرغم من يتمه وبؤسه وسقمه وحرمانه اللذان التصقا به منذ صباه وتعايشا معه طوال حياته يحسن الضحك والتهكم والسخرية وفي نفس الوقت كان يكفر بالمظاهر البراقة الخادعة ويعشق عشقا عذريا الجوهر والفطرة الصافية حتى قال في ذلك:
وهو القائل:
                          
لما تجاوز السبعين من عمره خصصت له الحكومة العراقية راتبا شهريا قدره مائة دينار، فرد على ذلك بقصيدة يعبر فيها عن زهده ويُظهر فيها صفاء معدنه وهمة شأنه بالرغم من فقره وينأى بنفسه أن ينزل بها منزلة اتخاذ الشعر وسيلة للمداهنة والتكسب والارتزاق والوقوف بأبواب أولي النعمة كما هو حال معظم الشعراء قائلا في ذلك:
  
تشاء الأقدار أن تكون نهاية هذا الشاعر الفذ الظاهرة مأساوية كحياته كذلك، ففي شهر يناير من سنة 1976 في أوج الحرب الأهلية الدموية بلبنان، بينما هو خارج من غرفته البائسة ببيروت باحثا عن كسرة خبز يسد بها رمقه أصابته رصاصة قاتلة، نُقل على إثرها إلى بغداد حيث خضع لعملية جراحية أنقذت حياته لبعض الوقت،  لكنها لم تستطع أن تصمد أمام القدر الذي شاء أن يأخذه إلى دار البقاء مع مطلع صيف سنة 1977، وصدى كلمته التي قالها عند حلوله ببغداد، بعد ستة وأربعين سنة من الغربة والمعاناة وكان حينذاك قد فقد بصره، مازال يتردد مدويا:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق