بين الهلوسة والحقيقة

هلوسات جماعية!
حسب الاصطلاح الفلسفي يعتبر الصواب وظيفة خاصة بالعقل البشري  تُتيح له وقت التنفيذ وضع معايير للحقيقة والخطأ والتمييز بين الخير والشر حسب رؤيته وتقديره، وبعيدا عن النظرية الفلسفية يبدو الصواب البشري مجرد مزحة، فهو يصدح مدويا من فم الجميع باستثناء الحمقى والمجانين الذين يُفزعهم ويُثير فيهم الرعب لأنهم أدرى من غيرهم بمعنى الصواب، وبدون مراوغة ولا ديماغوجية إنشائية فارغة يُضحي المخطئ هو الذي لا يفكر مثلي، والمُصيب هو الذي يتبنى رأيي كلية أو يميل إليه على الأقل، وغالبا عندما يُريد المرء وضع الصواب على طريق الحقيقة يقتضي ذلك استخدام أسلوب مراوغ من الخداع، وإن حدث واستيقظ الضمير فاجتنب المرء الخداع باعتماده المنطق حينذاك يضيع الصواب، ومن يدري قد يكون العالم الذي تحيا فيه الكائنات وعاشت فيه أمم خلت من قبل مجرد هلوسات جماعية من أربعة وربما خمسة أو ستة أبعاد أو أكثر من ذلك تشترك فيها البشرية جمعاء بالرغم من توافق الجميع ضمنيا وعلنيا بأن ما يرونه ويشعرون به هو الصواب ولا شيء غير الصواب، وكل ما حققته البشرية من اختراعات واكتشافات يبقى شيئا نسبيا ومجموعة رائعة وجميلة ولطيفة من المغامرات والأشياء رباعيات الأبعاد مكانيا وزمانيا التي قد تكون مجرد هلوسات جماعية ستنطفئ فجأة في يوم ما فرديا أو جماعيا لا محالة.

كل شيء نسبي ولو توافق عليه الجميع!
من المتفق عليه والمتداول عالميا في المدارس والمعاهد والكليات وعلى صفحات المجلات والموسوعات العالمية والأنترنت أن قمة إيفرست بجبال الهملايا هي الأعلى على وجه كوكب الأرض بارتفاع يصل إلى  8850 متر فوق مستوى سطح البحر، مع العلم أن مستوى سطح البحر هو الخط الأفقي الذي يساوي الصفر المتري الرسمي، غير أن هذا الاستنتاج يطرح إشكالية المرجع، ففي جزر هواي يوجد أحد البراكين الخامدة المسمى ب 'موناكيا' الذي إذا قمنا بقياس ارتفاعه من قاعدته التي تقبع 6000 متر تحت مستوى سطح البحر حتى قمته التي ترتفع إلى علو 4000 متر فوق هذا المستوى يصبح ارتفاعه الكلي 10230 مترا، فأي مرجع يتم اعتماده إذاً؟، في الغالب المرجع الذي يتوافق عليه الجميع ولو كانوا كلهم مهلوسين، فالهلوسات الجماعية تمحق رأي الفرد محقا وتحوله إلى رقم في سلسلة الأرقام المتتالية من أجل إنتاج الكم على حساب الكيف، وتبقى الحقيقة المطلقة بعيدة المنال في مكان وزمن  وأبعاد أخرى لا تمت بصلة للعالم الذي نعيش فيه، عالم  كل شيء فيه نسبي  قابل للتأويل ومفصل على  المقاس حسب رؤية كل منا للأشياء باستثناء شيء واحد ووحيد هو أن حقيقة هذا العالم في جميع الأحوال هي الموت.
فرص الاستحمار
مع بزوغ فجر العولمة والتحرر والهلوسة الجماعية ب'الفيلا والطاموبيلا والعطلة في ماربيلا*' تحولت المدن الكبرى في العالم إلى مصانع ضخمة لإنتاج الغازات الملوثة و تشكيل جنس بشري أناني حتى النخاع وسعيد بعصبيته وتعاسته وسطحيته بالرغم من بعض المظاهر الزائفة التي لا تزيد عن قشور يحاول عابثا أن يُخفي بها ذلك، تسابقت 'القرافيد' و'البزوز الضخمة' و'المؤخرات المترهلة' و'الرؤوس الصلع' في اصطياد فرص الاستحمار عفوا الاستثمار في المشاريع التنموية الضخمة لاستبدال الأشجار والمساحات الخضراء بسجون وأقفاز من الإسمنت المسلح لا تتجاوز مساحتها خمسون مترا مربعا، ُيحشر فيها المستضعفون حشرا كما تُحشر الدواب في الاصطبلات، ثم يأتي دور حرب استنزاف جيوب هؤلاء المساكين وعصرهم عصرا كالليمون  إلى آخر قطرة من دمهم من طرف هؤلاء الصلع الرأسماليين ومرابي الأبناك الربوية الخسيسة، كل هذا الظلم والقهر وهذه 'الحكَرة' من أجل ماذا؟، من أجل حبيبتهم الشقراء 'ماربيلا*'.
وحشية وغباوة 'الهوموسابيينس'
الصورة أعلاه أُخذت سنة 1870، يظهر فيها رجلان من البيض واحد يقف فوق جبل من جماجم ثيران أمريكا الشمالية والآخر يقف عند سفحه، ويُظهر هذا الأخير علامة من الزهو والانتصار بوضعه رجله اليسرى على إحدى الجماجم،  كان عدد هذه الثيران يقدر ب70 مليون رأس قبل وصول الرجل الأبيض ذي القلب الأسود ليتقلص عددها بعد استيطان هذا المجرم  إلى عدة آلاف جراء حمقه وغباءه اللذين لا حدود لهما.
أما في الوقت الحالي وحسب منظمة الأغذية والزراعة فالأمور تبدو أشد قتامة، إذ يتم استهلاك 9075 كلغ من اللحوم كل ثانية عبر العالم أي ما يناهز 286 مليون طن سنويا حسب إحصائيات  2010، ومع تزايد عدد السكان الذي سوف يبلغ سنة 2050 ما يناهز 9 ملايير نسمة من المتوقع أن يزيد استهلاك اللحوم ليصل إلى 600 مليون طن سنويا، مع العلم أن استهلاك اللحوم يعرف ارتفاعا سنويا يقدر ب 2,30 %، كما تجدر الإشارة في نفس الإطار أن 'الهوموسابيينس' استهلك سنة 2010  ما مجموعه 700 مليون طن من الحليب و 130 مليون طن من السمك، وقد أصبح العلماء في السنين الأخيرة حائرين ومنشغلين بتوفير بديل لوقف المجازر الوحشية التي ترتكب بحق الحيونات عبر العالم وما ينتج عن ذلك من استنزاف وتلوث بيئي شديد وخطير، وقد بدأت تروج في السنين الأخيرة فكرة إنتاج لحوم بطريقة صناعية عن طريق استخدام التكنولوجيا الحيوية مما سيقلل كثيرا من معاناة الحيونات ومن خطورة التلوث البيئي، إلا أن العقبة الكأداء تكمن في أن إنتاج كيلوغرام واحد من اللحم الاصطناعي في المختبر لا زالت كلفته عالية جدا وتصل إلى خمسة ملايين دولار لكل كيلوغرام، ورغم ذلك فلا زال العلماء يعقدون آمالا كبيرة في الأمد البعيد من أجل إنتاج لحوم بطريقة اصطناعية، لأن منافعها على كوكب الأرض وعلى البشرية سوف تكون ذات فائدة عظيمة، إذا أخذنا بعين الاعتبار المساحة المخصصة حاليا لتربية المواشي والتي تقدر ب 30 % من مجموع أراضي اليابسة على كوكب الأرض وتساهم في انبعاث غازات الدفيئة الصادرة عن النشاط البشري بنسبة 18 %، إن الإنسان على كل حال في كل زمان وفي كل مكان  "يُريد أن يأكل، فإذا لم يجد ما يأكله أكل لحم البشر، أما إذا شبع وأترف وحفت به مظاهر النعيم فإنه يتطلع آنذاك إلى الفسق والفجور" كما قال يوما عالم الاجتماع العراقي علي الوردي رحمه الله.
هوامش:
*ماربيلا: المدينة ذات الأجواﺀ الرائعة والشواطئ الجميلة والرمال الذهبيّة وأشعة الشمس الدافئة والحسناوات الشقراوات ذوات العيون الخضر والزرق وما بين ذلك من الأطياف، تقع في مقاطعة مالقة جنوب شرق إسبانيا وتطل على البحر الأبيض المتوسط، تسمى  بمدينة الأمراء لأن فيها يفرغ الأعراب كبتهم التاريخي التليد. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق