إذا السماء لم تبك مقلتها

كما جرت به العادة كل ثلاث سنوات منذ انعقاد أول  منتدى عالمي للمياه بمدينة مراكش المغربية سنة 1997، يتناول قضايا الماء حول العالم،  اجتمع بمدينة مرسيليا بفرنسا، التي احتضنت المنتدى العالمي السادس للمياه من 12 حتى 17 مارس 2012، رؤساء الدول والحكومات وممثلي قطاع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني ل 140 دولة وحوالي 20 ألف مشارك لتدارس مشاكل المياه على المستوى العالمي، وانعقد هذا المنتدى على وقع أرقام وإحصائيات عن المياه وما يرتبط بها حول العالم، سبق لمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف والأمم المتحدة أن نشرت تقريرا عنها سنة 2010، يُظهر أن هنالك أكثر من 800 مليون شخص لا يحصلون على مياه شرب مأمونة، و2,50  مليار إنسان لا يتوفرون على أية تجهيزات أساسية للصرف الصحي.  
وأبدت تلك التقارير بعض التفاؤل بشأن أحد أهداف الألفية المتجلي في تقليص عدد الأشخاص الذين لا يتوفرون على مياه صالحة للشرب إلى النصف بحلول سنة  2015 بالمقارنة مع 1990، والذي  قد تم بالفعل تحقيقه قبل الموعد المحدد له، بحيث أصبح 89 % أي ما يعادل 6,1 مليار إنسان يتوفرون على مياه صالحة للشرب سنة 2010، بينما الهدف المسطر كان يتوخى بلوغ 88 % سنة 2015، ومع ذلك فمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف تحذر بأخذ هذه الأرقام بحذر في غياب مؤشرات دقيقة وذات مصداقية عالية تتعلق بنوعية المياه حول العالم، وأن هناك حاجة ماسة لبدل مجهودات كبيرة لضمان جودة وصلاحية المياه المحسنة للشرب.
من جهة أخرى  يرى خبراء شركات القطاع الخاص في خدمة الماء الأمور بمنظار غير الذي استعملته المنظمات السالفة الذكر، منظار أقل تفاؤلا ويدعو إلى التعامل مع هذه الأرقام بحذر، إذ يعتبرون بأن هنالك ما بين  3 إلى 4 ملايير إنسان لا يحصلون على مياه آمنة ومستدامة، ويستعملون يوميا مياها مشكوك في صلاحيتها وجودتها، إضافة أن من  ضمن 3,80  مليار إنسان الذين يتوفرون على حنفيات للمياه الصالحة للشرب بمساكنهم أو بالقرب منها لا يحصلون على هذه المياه إلا ساعات قلائل يوميا، وليس 24 ساعة على 24 كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، بل منهم من لا يحصل عليها إلا خلال بضعة أيام في الأسبوع. 
أما على المستوى الإقليمي فتبقى الفوارق كبيرة بين إفريقيا جنوب الصحراء الأكثر فقرا والأسوأ حالا بحيث أن 40 % من سكان هذه المناطق لا يتوفرون البتة على مياه صالحة للشرب مقارنة مع الدول الصاعدة بآسيا وأمريكا الجنوبية، كما أن المناطق الريفية للدول الفقيرة لا تزال تعاني من نقص مهول في التزود بالمياه الصالحة للشرب، إذ أن 97  % من قاطني هذه المناطق غير مرتبطين بشبكة توزيع المياه، و14 % منهم ما زالوا يشربون جنبا إلى جنب مع حيواناتهم من مياه البرك والبحيرات والأنهار.
أما بخصوص التطهير السائل فتشير إحصائيات نهاية سنة 2010 إلى وجود 2,50 مليار شخص يفتقرون إلى خدمات الصرف الصحي، و1,10 مليار شخص ما زالوا يقضون حاجتهم في الخلاء خصوصا بالمناطق الريفية، وتبعا لتقرير الأمم المتحدة لسنة 2012 يتواجد 64 % ممن لا زالوا يتغوطون في الهواء الطلق بجنوب آسيا، وفي هذا الصدد فإن الهند لوحدها تضم  638 مليون من هؤلاء المتغوطين، مع المفارقة الغريبة والعجيبة التي تقفز إلى الأذهان لكون الهند هي أول مستهلك للمياه على المستوى العالمي، من جهة أخرى فإن 90  % من مياه الصرف الصحي في البلدان النامية تتدفق إلى الأنهار والبحيرات والمناطق الساحلية وتتسرب إلى الفرشة المائية للمياه الجوفية من دون أية معالجة، مما يهدد الصحة العامة والأمن  الغذائي، وحسب نفس التقرير الصادر عن الأمم المتحدة تعد المياه العادمة بمثابة قاتل متسلسل يعتبر السبب الأول  للوفيات على المستوى العالمي ب 3,60 مليون حالة وفاة سنويا، أي ما يعادل 7 حالة وفاة كل دقيقة معظمها من فئة الأطفال.
ولننتقل الآن من قاعة المنتدى العالمي للمياه بمرسيليا نحو عالمنا العربي المسكين الذي يشكو من عدة أمراض مزمنة، فإن كانت الأمور تبدو رمادية تتخللها بقع من البياض هنا وهناك بالنسبة لخبراء منظمة الصحة العالمية وخبراء الأمم المتحدة والمجلس العالمي للماء على المستوى العالمي، فالأمور في العالم العربي تبدو لي على العكس من ذلك رمادية مخططة بالرمادي الغامق وتتخللها بقع سوداء، إذا أخذنا بعين الاعتبار عدد سكانه البالغ حاليا 363 مليون نسمة، والذي سوف يرتفع ليصل إلى 460 مليون نسمة في أفق  2025، ثم 600 مليون نسمة في أفق 2050، مما سيشكل ضغطا متزايدا باطراد على منطقة ذات أراضي قاحلة بنسبة 68,4  % من مجموع مساحتها البالغة 14,15 مليون كلم²، تساقطاتها المطرية ضعيفة لا تتجاوز في المتوسط 2148 مليار م³/سنويا، يتبخر منها 90 %، ويتسرب إلى خزانات المياه الجوفية % 1,80 ، ويجري منها على السطح % 8,20، وهي موزعة بشكل غير متوازن وغير منتظم، بحيث أن السودان لوحده يحصل على حوالي 50  %من مجمل التساقطات على المنطقة، كما أن الموارد المائية السطحية في العالم العربي محدودة ومشتركة مع بلدان مجاورة بنسبة  54 % في المتوسط، أما موارد مياهها الجوفية فهي مُسْتَغَلَّةٌ بشكل  مفرط من الصعوبة التحكم في ضبط استغلالها وهي غير متجددة أحيانا.
وتُقدر الموارد المائية المتجددة لمجموع الدول العربية بنحو 301 مليار م³/سنويا (في تقارير أخرى تُقَدَّرُ ب 335 مليار م³ /سنويا)، أكثر من نصفها يَرِدُ من خارج المنطقة وبصفة رئيسية عن طريق أنهار النيل، دجلة والفرات، ويقدر العجز المائي في العالم العربي من أجل مسايرة تزايد عدد السكان وتوفير احتياجاتهم في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يتراوح ما بين 162 و 200 مليار م³/سنويا، أي ما يعادل 54  % حتى 66  % من الموارد المائية المتجددة حاليا بالمنطقة.
وتجدر الإشارة أن نصيب الفرد من المياه في المنطقة كان سنة 1950 يصل إلى 4000 م³/سنة، ما لبث أن تقلص إلى 1312 م³/سنة بحلول عام 1995، وهو حاليا تحت عتبة الفقر المائي ب 830 م³/سنة، ومن المحتمل أن ينخفض في أحسن الأحوال إلى 547 م³/سنة في أفق 2050، ولتوضيح ضعف هذه الحصة من الماء تكفي الإشارة على أن إنتاج كيلوغرام واحد من القمح يحتاج إلى 1500 لتر من المياه بينما إنتاج كيلوغرام واحد من لحم البقر يحتاج إلى 10 أضعاف هذه الكمية أي 15000 لتر من المياه.
أما فيما يخص السكان المرتبطين بشبكة الماء الصالح للشرب في المناطق الحضرية والقروية فهنالك تحسن ملموس حصل ما بين 1970 و 2008 حيث ارتفعت نسبة المرتبطين بالشبكة في المتوسط من 60  % إلى 90  %، مع وجود فوارق كبيرة ما بين الدول مثل الصومال التي لم  تتجاوز فيها هذه النسبة مستوى  30  %سنة 2008، أما فيما يتعلق بفرص الوصول إلى شبكة الصرف الصحي فقد وصلت نسبة المرتبطين بالشبكة إلى 68  % سنة 1990، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 88  %في أفق 2015.
إن العالم العربي يعتبر حاليا من أكثر المناطق جفافا وندرة للمياه على وجه الكوكب، لدرجة أن الخبراء أطلقوا عليه إسم "مثلث العطش" الذي يمتد من المغرب حتى باكستان ثم الصومال، بحيث أن نصف سكانه يعيشون في ظروف إجهاد مائي متفاقم باطراد سنة بعد أخرى، علما أن 13 دولة من أصل 19 دولة تعتبر الأفقر مائيا في العالم  هي دول عربية لا يتجاوز في ثمان منها  الحصيص الفردي من المياه 200 م³/سنة، بل ينخفض أحيانا هذا الحصيص إلى ما دون 100 م³/سنة مقارنة مع متوسط الحصيص الفردي على المستوى العالمي، الذي يتراوح في المتوسط ما بين 6000 و 8000 م³/سنة، وبحلول سنة 2025 لن يبق من الدول العربية التي يتجاوز فيها الحصيص الفردي عتبة الفقر المائي المحدد في 1000 م³/سنة سوى العراق والسودان، مع العلم أن مؤشر التبعية المائية الذي يصل في الدولتين على التوالي إلى 53,45    %و 76,92 %  يُظهر إلى أي مدى هشاشة وعدم استقرارية جيوستراتيجية المياه فيهما.
والدول العربية جميعها مقبلة في السنين المقبلة على أوضاع صعبة وجد خطيرة فيما يخص مواردها المائية، ولن أكون مبالغا إذا قلت بأن التحدي الأكبر لجميع الدول العربية مستقبلا على المديين المتوسط والبعيد سيكون هو الماء وليس الطاقة، إذ يمكن لأي شخص أن  يُضيء بشمعة أو قنديل ويستغني عن الكهرباء، ويمكنه أيضا أن يستغني عن السيارة والطائرة و التجهيزات المنزلية وجميع الكماليات، لكنه من المستحيل و لا يمكنه إطلاقا أن يعيش باستبدال الماء بالبترول أو الذهب أو الماس أو المال، لأن الإنسان بكل بساطة مخلوق مائي يحوي جسمه 70 % من الماء، ودمه 80 %، ومخه 70 %، وعضلاته 70 %، ودهون جسمه 25  %  وعظامه 22 %، و بدون ماء تتقلص حياته الأرضية إلى أسبوع واحد فقط، ويُصاب بالإعياء والصدمة الحرارية لفقده 10 % من ماء جسمه، ويقف على أبواب الموت إذا فقد 20 % منها، يا لضعف الإنسان من دون ماء!!
لقد أصبحت الدول العربية مطالبة بإلحاح اليوم قبل الغد باتخاذ تدابير فعالة وملموسة لتحسين إدارة المياه ومؤسساتها قبل فوات الأوان، وإلا فإن الوضع سيضحي كارثيا في المستقبل المنظور، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار التوقعات المناخية المستقبلية المتشائمة من طرف الكثير من المنظمات الدولية والمختصين والمهتمين بقضايا الماء حول العالم، في ظل الاحتباس الحراري، والتي تتنبأ بأن العالم العربي سوف يعرف خلال النصف الثاني من هذا القرن انخفاضا في التساقطات يصل إلى 25  %، وارتفاعا في نسبة التبخر يصل إلى 25  % مما سينتج عنه انخفاض في الإنتاجية الزراعية بمعدل 20  %.

إن مسألة تحسين إدارة المياه ومؤسساتها لم تعد  أُمنية أو هدفا ثانويا أو عرضا خطابيا للظهور أمام الملأ بصفة الخبير في صالونات المؤتمرات والمنتديات الجهوية والدولية، ثم يتفرق الجمع من بعد أكل وشرب وتمتع في أفخر الفنادق، ويذهب كل إلى حال سبيله، بل أضحت أمرا حيويا وخطيرا للغاية يستدعي اتخاذ تدابير مستعجلة وملموسة على أرض الواقع، وليس على الورق والماكيتات، وذلك يقتضي تغيير السياسات المتبعة حاليا في إدارة المياه، باتباع أسلوب الإدارة المتكاملة والحكامة الجيدة التي تأخذ بعين الاعتبار دورة المياه بشموليتها من مياه سطحية وجوفية وساحلية ومياه صرف صحي ومياه مخزنة في التربة، قصد تحقيق توازن بين الحاجات المتفاوتة في شتى القطاعات وتأمين توازن بين الوسائل والأدوات والمناهج الضرورية بغية تحقيق الأمن والاستدامة المائية، وهذا يقتضي بطبيعة الحال توفر رؤية وإرادة سياسية من أجل الطرح والتطبيق. 
ومن ضمن جملة توصيات أخرى يمكن على سبيل الذكر لا الحصر اعتماد لا مركزية اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون المياه، ووضع حد للتهاون المتعلق بشأن الكفاءة في استخدام الأراضي، والإفراط في استعمال  المياه خصوصا منها المياه الجوفية الغير قابلة للتجدد، ومحاربة جميع أنواع الهدر المائي بكل تجلياته وعلى مختلف مستوياته، ووضع حد لجميع أنواع التلوث والإضرار بالبيئة الطبيعية، مع الحفاظ على استدامة البنيات التحتية الأساسية، وحسن صيانة مرافقها وتجهيزاتها لكونها تعتبر بمثابة العمود الفقري لتدبير الموارد المائية.