الأمن الغذائي أم الصحة العامة

لقد أصبحت الأدلة واضحة على أن عددا من أمراض السرطان لها ارتباط بدرجات متفاوتة لمدى التعرض للمبيدات الزراعية والمبيدات الحشرية، وقد أظهرت ثلاثون عاما من الدراسات الوبائية التي أجريت بشكل رئيسي في الولايات المتحدة وكندا وبعض الدول الأوروبية أن أنواعا عديدة من السرطان (سرطان الدم، سرطان الدماغ، ورم الغدد اللمفاوية، ورم ويلمز....) لها ارتباط وثيق بمدى التعرض للمبيدات الحشرية والزراعية.
إن  90 % من المياه السطحية في الأنهار و 58 % من المياه الجوفية أصبحت ملوثة بالمبيدات الحشرية وترسبات الأسمدة النتروجينية والفوسفاطية، ويوجد ما يناهز 148 نوعا من المبيدات منحلة في المياه الجوفية من ضمنها مواد محضورة منذ سنوات مثل 'لنيدان' و'أترازين'، كما أن هناك 40 % من الحبوب والفواكه والخضر تحتوي على بقايا مبيدات تتجاوز في 5,1 % منها الحدود المسموح بها، ويحتل مبيد الحشائش (الضارة) الشهير في العالم 'راوندوب' المرتبة الأولى في تلويث المياه الجوفية، في حين يصرح ويعلن كل مرة  منتجوه كذبا وبهتانا بأنه متحلل ويحمي ويحترم البيئة.
وإذا كان من غير الممكن نكران الآثار المفيدة للأسمدة والمبيدات الزراعية ومبيدات الحشرات، فإن استعمالها على العكس من ذلك يطرح مشاكل خطيرة على البيئة الطبيعية وصحة الإنسان والحيوان، فالسماد هو مصدر المواد الغذائية التي توفر نمو النبات ومقاومة الأمراض، غير أن استعمالها اللاعقلاني وبطرق خرقاء يؤدي إلى تلويث المياه وتعريضها لتركيزات عالية من النترات والفوسفاط، أما المبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب ومبيدات الفطريات فإنها تستخدم لمكافحة الآفات التي تدمر المحاصيل الزراعية كالفئران والحشرات والطفيليات والبكتيريا والفيروسات والفطريات والأعشاب الضارة التي تسبب أضرارا جسيمة بالمحاصيل قد تأتي جملة وتفصيلا على 30 % من منتوج المحاصيل، مع ما يترتب عن ذلك طبعا من استنفاذ للطاقات وتعريض الأمن الغذائي للبشرية للخطر هذا إضافة لما يحدث جراء ذلك من خراب مادي ومعنوي.
وتبت واقعيا أن المبيدات الحشرية ومبيدات النباتات الضارة تتسبب في مشاكل بيئية وصحية خطيرة كعدم القدرة على التكاثر بشكل عادي وطبيعي عند بعض الأنواع من الطيور، والقضاء على مجتمعات برمتها من النحل التي تعتبر عاملا حيويا مهما جدا في تلقيح النباتات علاوة على موت الأجنة في الرحم أو ظهور تشوهات جنينية لديها وظهور أنواع من السرطانات العصرية إضافة إلى التسممات القاتلة التي تحصل للمستعملين لهذه المواد لعدم تقيدهم بقواعد الاستعمال، وكمثال صارخ على ذلك، فقد صفق وهلل العالم أجمع عندما  تم اكتشاف دي تي تي ((DDT  سنة 1939 فتم استخدامه بنجاح على نطاق واسع عبر العالم لمكافحة ناقلات الأمراض مثل الملاريا، لكن على الرغم من خدماته للإنسانية وإنقاذه حياة 25 مليون شخص منذ سنة 1945 حسب ما أعلنت عنه منظمة الصحة العالمية، فإن هذا المركب وباقي مركبات الكلور العضوية الأخرى اتضح فيما بعد أنها كانت الأكثر إضرارا بالبيئة، فبالإضافة إلى سميتها تكمن خطورتها الكبيرة في استقرارها بحيث يمكن أن تبقى في البيئة بدون تحلل لسنوات طويلة مع وجود تأثير تراكمي مدمر على المديين المتوسط والبعيد، و مع مطلع الستينيات من القرن الماضي دق العلماء ناقوس الخطر عندما لا حظوا تراجعا خطيرا في أعداد معينة من الطيور، وفي السبعينيات اتخذت العديد من الدول قرارا بحظر استعمال دي تي تي وجميع مركبات الكلور العضوية الأخرى.
على مدى نصف قرن من الزراعة المكثفة استخدمت المبيدات بكميات كبيرة  وأصبح من العادي جدا العثور عليها في كل مكان: في الهواء، في الماء، في التربة، في الضباب والأمطار، في الثلوج فوق قمم الجبال، في الغذاء وحتى في حليب الأمهات، وهي موجودة  أيضا في غذائنا  وينتهي بها المطاف أخيرا في أجسامنا التي أصبحت مأوى ومضيفا للعديد من الجزيئات السامة بما في ذلك مبيدات الآفات، إن أول تهمة للمبيدات تكمن في سميتها الحادة وتسببها في اختلال خطير للبيئة والنظام الإيكولوجي وتلويث المياه والسلسلة الغذائية مع احتمالية كونها مسرطنة ومخلة بالتوازن الهرموني ومسؤولة عن اضطرابات الجهاز المناعي العصبي والتناسلي لدى الإنسان، أما على المدى البعيد فإن آثارها البيولوجية ومدى خطورتها غير معروفة العواقب، وفي أوروبا وحدها التي وصلت فيها المكننة المجنونة واستغلال الطبيعة بأقصى طاقتها باستعمال المبيدات درجة خطيرة يوجد ما يفوق 100000 مادة كيماوية تحتويها المواد الغذائية المعروضة في الأسواق الكبرى تحت الأضواء الساطعة والتعليب المتقن 'اللي يضربوا الناس على الشعا' لم يتم دراسة آثارها عل صحة الإنسان سوى ل5 % منها فقط، لدرجة أن باحثين استطاعوا العثور في دم الحبل السري للأطفال المولودين حديثا  على 270 جزيء كيماوي يحتوي على 200 مادة سامة و187 مادة مسرطنة من بينها مبيدات حشرية تم حضر استعمالها منذ 30 سنة.
إن الانفجار السكاني في العالم وخاصة في الدول التي هي في طريق النمو وما رافقه من ارتفاع في المستوى المعاشي وتفاقم في الاستهلاك بشكل كبير في ظل تضاؤل وشح الموارد المتوفرة وتلويث البيئة الطبيعية أدى بالجميع إلى إغماض عينيه حتى لا يحدق في عيني الكارثة الحمراوتين، لكون المشكلة عويصة وعسيرة على الحل، أولا لاستعصاء ضمان الأمن الغذائي للبشرية دون اللجوء إلى استعمال الأسمدة والمبيدات على اختلاف أنواعها وسميتها، وثانيا لتضارب مبدأ حفظ الصحة العامة للبشر مع مبدأ رجال المال والأعمال المتمثل في مصالح الشركات الصناعية الكبرى التي تعمل بمقولتي "اللي ما قتلت تسمن" و"الله يرحم من زار وخفف"، ولم يعد من المستغرب حتى في المعاهد العليا لتخريج الأطر أن تتم برمجة عقول المهندسين الزراعيين كما تُبرمج الروبوتات بالنموذج الإنتاجي المبني على استغلال الطبيعة بأقصى طاقتها باستعمال الأسمدة والمبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب الضارة على نطاق واسع وترويجها وسط الفلاحين المستسلمين لتلويث كل شيء من حولهم من تربة ومياه وهواء لتصل الدورة في آخر المطاف إلى هلاك الإنسان نفسه، فأصبح الفلاح النموذجي العصري الناجح هو الذي يسعى لرفع إنتاجيته للطاقة القصوى بكل الوسائل الممكنة والمتاحة حتى استعمال المبيدات بشكل مكثف وأحيانا بشكل أخرق ومجنون، وليس ذلكم المزارع الذي يعرف كيف يوازن بين الزراعة المكثفة المعقلنة المبنية على استعمال الأسمدة والمبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب الضارة مع الزراعة المستدامة المعتمدة على الدورات الزراعية والسماد الأخضر والعزق بالرغم من كون هذه الأخيرة تتطلب الكثير من الوقت والعمل والصبر.
لكن على ما يبدو أن صراعا حقيقيا بين مبدأ  تحقيق الصحة العامة ومبدأ أرباب الشركات المصنعة للمبيدات يميل بدرجة كبيرة لصالح الحيتان الصناعية الكبرى ويحول دون وضع سياسات حكيمة ورشيدة في الاستخدام العقلاني والغير مضر بالبيئة، خاصة في الدول النامية التي يفصل بينها وبين الدول الغنية  خندق شاسع في ميدان وضع قوانين وتشريعات متطورة ومتلائمة مع الخصوصيات المحلية في الحد من الاستخدام المفرط للأسمدة والمبيدات، إضافة للارتجالية والتسيب والعشوائية التي لا زالت لحد الآن تخيم بغيومها السوداء على هذا الميدان في انتظار هبوب العاصفة الكبرى. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق