بعيدا عن جنانهم الأرضية المزيفة المغشوشة


هذه التدوينة هي عبارة عن حدث جد محدود في الزمان والمكان من السيرة الذاتية للأخ المهندس قويدر الذي وافته المنية يوم الأربعاء 16 ماي 2012 وما زال في قمة نشاطه وعطائه، رحل عن هذا العالم القاسي المليء بالكثير من الفساد والظلم والقهر والشحيح بالقليل مما نذر من النزاهة والصلاح والعدل والعدالة والرحمة والإنسانية، صورة معبرة وصادقة أنقلها من قلب الحدث وأوقات العمل التي جمعتني بالمرحوم وكما عايشتها بجميع حمولتها التي ما تزال حية في مخيلتي، صورة لم أجد فيها غير البساطة والقناعة  والصراحة والصدق، إن مثل هذه الدروس لا تلقن لا في المدارس والكليات والمعاهد العليا ولا في المؤلفات والكتب والصحف والمجلات، ومهما مر عليها الزمن مرور السحاب تبقى مع ذلك محفوظة بنسختها الأصلية الصافية في الذاكرة المتوارية عن الأبصار والأنظار:
في شهري مارس وأبريل من سنة 1997 هطلت أمطار طوفانية على ضواحي مدينة مراكش وصلت إلى 102 ملم في ظرف ساعتين متسببة في فيضانات استثنائية بكل المقاييس أحدثت أضرارا بليغة بممتلكات الفلاحين وبالتجهيزات الهيدروفلاحية لشبكة صرف المياه السطحية ومنشآتها التي كانت مُحدثَة خصيصا لحماية المنطقة من مياه الفيض، وقد شاء ت الأقدار أن أُساهم مع الأخ المهندس قويدر بإبداء بعض الملاحظات أو اقتراح بعض التغييرات الطفيفة على الدراسة التي قام  بإنجازها وحده بالكامل في ظروف صعبة ومستعجلة قصد إعادة تأهيل شبكة صرف المياه بالمنطقة المتضررة، وبعد اكتمال الدراسة واختيار المقاولة التي كٌلفت بإنجاز الأشغال، اتصل المقاول بالإدارة من أجل تحديد يوم لمعاينة المنطقة والوقوف على الأماكن المتضررة والنقط السوداء بها، وفي اليوم الموعود  انطلقنا جميعا نحو المنطقة المعنية، كان المقاول يسبقنا على طريق 'أوريكا' بسيارته رباعية الدفع من آخر صيحة، سوداء اللون يكاد ممتص صدماتها المصنوع من النيكل يعمي أبصارنا عندما ترتد عليه أشعة الشمس، بينما كنت أجلس بجانب الأخ قويدر الذي كان يقود سيارة من نوع 'أونو' عبارة عن علبة معدنية بيضاء هرمة ومهترئة تسير فوق أربع عجلات تصلح فقط لحمل الدجاج، كلما سلكنا بها طريقا غير معبد كان الغبار يهجم علينا من جميع نوافدها ومنافذها الغير المحكمة الختم، ويُحدث داخل السيارة عاصفة هوجاء من الأتربة والغبار، كان الصمت سائدا  لا يسمع من خلاله سوى هدير محرك السيارة ودوران العجلات على الإسفلت، لأن المرحوم قويدر لم يكن بطبعه ثرثارا ولا مداهنا ولا متملقا، كنا نتواصل من دون أن نتكلم لأننا كنا نعرف جيدا الكثير من قوالب أصحاب المقاولات ورجال المال والأعمال، فجأة تكلم قويدر وخاطبني قائلا:"إن هذا 'السَّارَحْ'* يريد أن يبرز علينا عضلاته بسيارته الفخمة المكيفة والمجهزة بثلاجة مليئة حتى حافتيها بقنينات المياه المعدنية والمشروبات الغازية، إنني أشعر به كأنه يستدرجنا ليمهد الطريق كي يشترينا، وعندئذ يخلو له الجو ليفعل ما يشاء وقت إنجاز الأشغال، لكننا لن نسمح له بذلك، وليذهب إلى الجحيم هو وسيارته وثلاجته وجميع أمواله"، وبدون تحفظ ولا تأخير وافقته على ذلك الرأي الذي لم أجد فيه غير السداد والصواب لأن دفتر التحملات لم يكن ينص في بنوده الكثيرة والمتنوعة لا على ثلاجة ولا على مياه معدنية ولا على مشروبات غازية، وبمجرد وصولنا لعين المكان ترجلنا من السيارة ولحق بنا المقاول، وكان أول شيء قام به كما كنا نتوقع هو دعوته لنا لتناول بعض المشروبات قبل بداية الجولة، اعتذرنا له وأوضحنا له بأن مهمتنا تنحسر فقط في تعريفه على مكان الورش ونوعية الأشغال التي عليه إنجازها متجلية في إعادة تقويم وتشكيل خنادق صرف المياه السطحية المتضررة ومنشآتها الفنية التي ينبغي ترميمها وتلك التي يقتضي الأمر هدمها وإعادة بناءها بالكامل، وذلك وفقا لاشتراطات دفتر التحملات وبنوده والتصاميم المرفقة له لا غير،  ثم ودعناه وامتطينا سيارة 'أونو' المهترئة في طريق عودتنا إلى قواعدنا، بينما علت بسمة ارتياح مشرقة صافية وجه الأخ قويدر الذي يرقد الآن في سلام بعيدا عن جنانهم الأرضية المزيفة المغشوشة.
السّارَحْ: مصطلح عامي مغربي جمعه سُرّاحْ وهم رُعاة الإبل والغنم والبقر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق