تَكْرِيمٌ سَخِيفٌ بَعْدَ عُمرٍ مِنَ الحِرْمَانِ

إلى كل أولئك الذين يفتحون أعينهم الصغيرة البريئة على الحرمان ثم يغلقونها بعد سنين من المعاناة إلى الأبد على الحرمان من بعدما يتسلل الفقر والوهن والوحدة والبرودة إلى الجسد كي يفتكوا بالروح، سطرت هذه الأسطر القلائل بدون دموع ولا حزن ولا أسى، وعن إذنهم وحدهم فقط أهم الآن بطرح سؤال قديم قدم البشرية، نظّر فيه العلماء والفلاسفة والأدباء وساقوا فيه كلاما كثيرا عجبا حتى أتى عليهم حين من الدهر لم يعد أي منهم شيئا مذكورا، إلا في ثنايا صفحات ما تركوا من أسفار وكتب، وبذلك لا يصير الموت نهاية في حد ذاتها بل هي نهاية لأعز ما لدى البشر من نزوات ورغبات وشهوات حسية مادية في حب التملك والاستحواذ والاكتناز والاستمتاع.
وهذا على كل حال موضوع لا يُحب أن يخوض فيه الكثير من الناس لأنه يفزعهم ويدخل الرعب في قلوبهم، لذا غالبا ما يتظاهرون كأنه أمر لا وجود له حتى يقع لهم على حين غرة، أو أمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد ما دام يُصيب  الآخرين، ومع ذلك فهو مسألة تهم جميع المخلوقات وليس البشر وحدهم، وكل الخلائق محكوم عليها بالفناء عاجلا أم آجلا، والقضية مسألة وقت ليس إلا، ويعتبر الموت إحدى المفارقات الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لقضية الوجود الإنساني وربما الواقع الأكثر إثارة للصدمة إطلاقا، إذ يأتي المرء إلى هذه الحياة الدنيا مرة واحدة ولفترة زمنية محدودة، مدتها وأجلها غير معروفين لكن نهايتها حتمية نهائية، ولعل اللغز المحير المخفي الكامن في وقت حلوله يعتبر من رأفة الخالق جل جلاله ومن مننها العظمى على المخلوقات، وإلا لأضحى المرء يطرح أسئلة سوداوية تُضحي معها الحياة تافهة مثل  هل من المجدي أن يعالج سنا مريضا؟.. هل من فائدة في شراء سيارة؟.. أو هل من وقت كاف لبناء منزل؟.. وهكذا دواليك، لدرجة أن العيش سوف يتحول إلى كابوس مرعب تُضحي معه الكثير من حوائج الناس ومصالحهم التي لا تقوم حياتهم إلا بها مشوشة ومضطربة  أو معطلة تماما.
إن الحياة هي أغلى هدية تُوهب للمخلوقات التي تبادلها حبا بحب وتتفنن في اختراع كل الوسائل والطرق المتنوعة لتجنب استذكار الواقع القاسي الذي يأذن طال الزمن أو قصر باسترداد الهدية وإعادتها إلى  بارئها، وليس لهذا الحب الجنوني للحياة الذي يعتبر  من أخطر الأمراض الفتاكة على الإطلاق إن طال أمده وعم بلاءه من دواء فعال غير الموت، دواء طعمه مر كالحنظل فريد من نوعه يوزع على الجميع مجانا بالتساوي والقسطاس في أعظم عدالة على الإطلاق وضعها الخالق جل وعلا للمخلوقات خاصة منها البشر، بدون واسطات ولا زبونية ولا محسوبية ولا بقشيش، وحتى النعش الذي يُحمل عليه الميت ليس سوى وسيلة أخرى من وسائل المواصلات، لكنه أكثرها راحة وأقلها تأثرا بحوادث السير كما قال في أيام الله الماضية الكاتب الليبي الراحل الصادق النيهوم الذي اعتبر الموت أخ البشر في الرضاعة يمشي في عروق العالم مثل بغل بري.
أما الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه فيرى الموت بمنظار الفيلسوف والعالم الاجتماعي المطلع على خلجات الأنفس عندما قال:" أفضل ما في الموت هو أن الكثير من المساكين الـمُحْتَقَرِين يعتبرون الوقار الذي يُعاملون به عند احتضارهم أجمل متعة في حياتهم كلها وعربونا يتلقونه كتعويض عن كثير من الحرمان"، غير أنني أرى كل ذلك الوقار وتلك العواطف الجياشة المتضامنة للناس مجرد  نفاق ودموع تماسيح ككلام الليل المكتوب بماء مالح ما يلبث أن يتبخر عندما تشرق عليه شمس النهار، إذ أين كانت كل تلك الأنهار من العبرات وكل ذلك الحزن والأسى العميقان عندما كان ذلك المسكين الـمُحْتَقَر حي يرزق يستحم في يم الفقر والتعاسة والشقاء إن كانوا صادقين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق