الحاكم الذي يعمل أكثر مما يتكلم (معركة الزلاقة التاريخية المجيدة)

"إن يوسف بن تاشفين لو استطاع أن يستغل نتائج انتصاره في معركة الزلاقة، لكانت أوروبا الآن تدين بالإسلام، ولرأينا القرآن يُدَرَّسُ في جامعات موسكو وبرلين ولندن وباريس" المؤرخ الألماني جوزيف أشباخ (1801-1882)
في هذه البناية الاقتصادية المتواضعة على مقربة من فندق المامونية الباذخ بمدينة مراكش يـرقد جثمان بطل الـزلاقة يوسف بن تاشفين رحمه الله رحمة واسعة 
معركة الزلاقة التي وقعت يوم الجمعة 13 رمضان من عام 479 هجرية الموافق ل 23 أكتوبر 1086 ميلادية بين المسلمين بقيادة يوسف بن تاشفين والفرنجة تحت إمرة الملك ألفونسو السادس، لم تكن معركة عادية لكونها غيرت مجرى تاريخ المنطقة ومدت في عمر الدولة الإسلامية بالأندلس لما ينيف على أربعة قرون من الزمن، وذلك بالرغم من التشويه المتعمد من طرف مؤرخي دولة الموحدين التي قامت على دماء كثيرة للمرابطين من جهة، ومن طرف مؤرخي النصارى الذين كانوا يكنون كرها وحقدا لا مثيل له ليوسف بن تاشفين والمرابطين عامة، ويمجدون تمجيدا أخرقا ملوك الطوائف، ولا زالت هذه العادة المزورة للحقائق التاريخية مستمرة إلى يومنا هذا، غير أن ذلك لم يمنع من ظهور بعض القناديل المضيئة في ظلمة الليل البهيم لتُنصف يوسف بن تاشفين ودولة المرابطين وتضع كل منهما في مكانه الصحيح، يوسف بن تاشفين  كقائد فذ كبير كان يعمل أكثر مما يتكلم بصدق للإسلام والمسلمين، والمرابطون كدولة عظمى بالمغرب الأقصى كان يُقام لها ويُقعد من طرف العدو والصديق.
كانت قشتالة  ترزح تحت حكم الملك المتجبر ألفونسو السادس الذي انتهج سياسية فرق تسد بين ملوك الطوائف بتأنيب بعضهم على البعض الآخر، وإذكاء القلاقل والأحقاد وروح الكراهية فيما بينهم، وقد وصل الجشع بهؤلاء الأمراء في حب السلطة والمال وامتلاك الحور العين إلى درجة طلب المساعدة من ملوك النصارى لدك إخوانهم المسلمين وذبحهم ذبحا، الشيء الذي كان سببا مباشرا في اندحار المدن والقلاع الإسلامية بالأندلس الواحدة تلو الأخرى أمام جبروت وطغيان ألفونسو السادس، حتى جاء الدور أخيرا على أمير إشبيلية المعتمد بن عباد بدعوى تأخره في دفع الجزية لألفونسو السادس، مما حدا بهذا الأخير إلى بعث رسول له للمعتمد قصد التنبيه، فحدثت مشادة كلامية بين الرجلين فقد على إثرها المعتمد بن عباد أعصابه، فقام على إثر ذلك مجموعة من العبيد انتقاما لكرامة سيدهم التي أُهِينت بقتل جميع مرافقي رسول ألفونسو السادس، وعندما أدرك المعتمد بن عباد هول المصيبة أصبح متيقنا أنه لم يعد لديه سوى خياران أحلاهما مر، إما الخضوع والطاعة والانصياع لملك الفرنجة ألفونسو السادس، وإما الاستنجاد بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، الرجل التقي الزاهد في الدنيا، الذي لم تمنعه سنوات عمره الثانية والسبعون من امتطاء صهوة جواده وحمل سيفه وتقدمه الصفوف الأمامية للمقاتلين، ورغم التحذير الذي أبان عنه مستشارو المعتمد بن عباد بالعدول عن طلب المساعدة من يوسف بن تاشفين، لأن في ذلك حسب ادعائهم نوع من الانتحار السياسي أمام رجل متدين متمرس على الحروب وذو بأس شديد مقارنة بملوك الطوائف الغارقين حتى النخاع في البذخ والترف والملاهي والملذات، وكان الرشيد الابن الأكبر للمعتمد في طليعة المعارضين للاستنجاد بالمرابطين عندما قال مخاطبا أباه:"أَتُدخِلُ علينا يا أبت من يسلبنا مُلْكَنَا ويبدد شملنا في أندلسنا؟"، فرد عليه المعتمد بن عباد: "أي بني، أنا في هذا الأندلس غريب بين بحر مظلم وعدو مجرم، وليس لنا ولي ولا ناصر إلا الله تعالى، فها هو ألفونسو قد رفع رأسه إلينا، فإن نزل علينا كما نزل بطليطلة يقتلنا، أو يجعلنا رعاة لخنازيره، وأنت يا ولدي تخشى أن يسلبني بن تاشفين مُلْكِي، وإني لأسألك بالله، فأيهما أشرف لأبيك، أن يرعى الخنازير في قشتالة أو يرعى الإبل لابن تاشفين في مراكش؟؟" ، وبهذا الجواب الصادح يكون المعتمد بن عباد قد حسم الأمر في الاستنجاد بيوسف بن تاشفين، الذي لم يتردد لحظة واحدة في الاستجابة للنداء، ولا غرو أن يصدر ذلك عن رجل يعتبر نموذجا يحتدى ويقتدى به للحاكم المسلم العادل التقي الذي اعتبر عدم الاستجابة لأخ يستنجد به نوعا من الخيانة.
دخل يوسف بن تاشفين أراضي أوروبا على رأس 15.000 محارب، وما إن علم ألفونسو السادس بالخبر حتى أرسل إليه رسالة تهكم مبطنة بالتهديد والوعيد يقول فيها:" سمعت أيها البدوي الذي لا يعرف شيئا عن قتال صناديد قشتالة أنك تنوي السير إلينا، فرأينا أن نكفيك العناد ولا نكلفك التعب، فأنا قادم إليك حيثما كنت رفقا بك وتوفيرا عليك، وسوف ترى حين تواجه جيوشي، هذا إن لم تفر بمن معك قبل اللقاء، إن معي من الرجال من أستطيع أن أهزم به الجن والإنس، فماذا تكون أنت أمامي أيها البدوي الصحراوي"، فقال يوسف بن تاشفين لمن حوله: "هذا خطاب طويل يدل على قلة عقل، اكتبوا ردي عليه على ظهر كتابه، وهو لا يزيد على ثلاث كلمات:"الذي يكون ستراه"، فما إن وصل جواب بن تاشفين إلى ألفونسو حتى دبت في قلبه الرهبة وانتابه الرعب، فاستنجد بجميع ولاة الأقاليم مستخدما نفوذ البابا في روما للحث على الجهاد النصراني المقدس.  
إبان ذلك، انضم إلى جيش يوسف بن تاشفين القادم من المغرب الأقصى  10.000 مقاتل من الموريسكيين القادمين من مدن ألميريا، بطليوس، إشبيلية وغرناطة، ثم اتجهوا شمالا لملاقاة الملك ألفونسو الذي كان يقود جيشا جرارا أغلبه من النصارى  قوامه 100.000 مقاتل، وكان من المفترض كما اتفق عليه الطرفان أن تدور المعركة يوم السبت لأن يوم الجمعة هو عيد للمسلمين ويوم الأحد هو عيد للمسيحيين،  لكن النصارى أرادوا أن يستخدموا سلاح المفاجئة فنقضوا الاتفاق وهجموا على المسلمين في وقت صلاة الجمعة التي أُقيمت، لحدس وفطنة القائد يوسف بن تاشفين، كصلاة خوف كانوا خلالها على أهبة الاستعداد في حالة فُرِضَ عليهم فيها القتال.
في بداية المعركة التحمت جيوش ألفونسو بجيش المسلمين الذي كان على  رأسه المعتمد بن عباد في المكان الذي أُطلق عليه 'الزلاقة' لكثرة ما سقط فيه من جثت وسالت فيه من دماء، أضحت معها الأرض زلقة، بينما بقي جيش يوسف بن تاشفين متواريا عن الأنظار خلف خطوط المعركة ينتظر إشارة القائد، ولتفوق المسيحيين عدة وعتادا بنسبة عشرة لواحد ظن المسيحيون أن المعركة تميل لصالحهم، وأنهم قاب قوسين أو أدنى من النصر، وبالرغم من الجروح التي أُصيب بها المعتمد بن عباد فقد استطاع أن يُبقي على جيش المسلمين صامدا متماسكا حتى وصل جيش يوسف بن تاشفين، الذي استطاع أن يفقد النصارى بوصلتهم وتماسكهم ويبددهم تبديدا كما تبدد الريح أشجار الأوراق اليابسة في يوم ريح عاصفة، ملحقا بهم هزيمة مدوية نكراء، فر على إثرها جريحا مهانا كالفأر ألفونسو السادس مع حفنة ضئيلة مما تبقى من رجاله.
تعتبر معركة الزلاقة من أنصع صفحات المعارك في التاريخ الإسلامي، قادها فارس مغربي عظيم ذو بأس شديد، عاش زهاء مائة عام، قضى منها في الزعامة والكفاح زهاء نصف قرن، وقضى في حكم الدولة المرابطية الكبرى بالمغرب نحو أربعين عاماً، وحكم الإمبراطورية المغربية الأندلسية الكبرى نحو خمسة عشر عاماً، واضطلع في المغرب بحروب ومعارك لا حصر لها، وقاد الجيوش المرابطية بالأندلس مراراً من أجل أن ترتفع راية المسلمين خفاقة في الأعالي بين الأمم، وليس من أجل المغانم والقصور والأموال والجواري، لأنه كان بطبعه زاهدا في الدنيا معتادا على حياة الصحراء البسيطة المتقشفة، حتى أحرز أعظم انتصاراته في معركة الزلاّقة التاريخية العظمى الحاسمة، وهي بلا ريب من ألمع صفحات الجهاد وأنصعها في التاريخ المغربي والعربي والإسلامي.
وقد تجلى لنا صدق نية يوسف بن تاشفين وصفاء طويته وصلاح بطانته في الحضور القوي على المقدّمة في كافّة الميادين للعلماء حصون الأمة وقادتها ومثالها وقدوة المسلمين، غير منزوين عن الأحداث الجسام التي كابدتها الأمة أو ساعين للظفر بالمغانم من حطام الدنيا، وهو ما يؤكده استشهاد عدد من العلماء الفضلاء كابن رميلة صاحب البشرى، و العالم أبو مروان عبد الملك المصمودي قاضي مرّاكش، والفقيه أبو رافع الفضل ولد الـحافظ العالم العلامة الأندلسي الفقيه الأديب أبي محمد بن حزم الأندلسي وغيرهم.
لقد دخلت معركة الزلاقة التاريخ من بابه الواسع ليس لكونها معركة  تاريخية كبرى فاصلة  مدت في عمر الدولة الإسلامية بالأندلس أربعة قرون من الزمن، بل لأنها أضحت درسا بليغا وعبرة لجميع المسلمين في كل زمان ومكان على أهمية وحدتهم السياسية والعسكرية في سبيل أن ينتزعوا لهم موقع قدم تحت الشمس بعزة وكرامة بين أمم العالم العظمى.
الحياة وقفة عز.. وبدون عز لا طعم ولا معنى للحياة.