في رحاب الحكمة الصينية

صور الصين العظيم أضخم إنشاء معماري بناه البشر على وجه الأرض على مر التاريخ طولا ومساحة 
ووزنا، تم الشروع في تشييده ابتداء من القرن الثالث قبل الميلاد، وهو البناء الوحيد الذي يمكن رؤيته 
بالعين المجردة من الفضاء الخارجي للكرة الأرضية.
عُرف عن الصين على مدى تاريخها الطويل الموغل في القدم منذ أربعة آلاف سنة قبل الميلاد وحضارتها العريقة التي تعتبر من أعرق الحضارات التي عرفها بنو البشر أنها الأوفر إسهاما بدون منازع في رقي وتقدم البشرية في العديد من المحطات التاريخية، حضارة بُنيت على أسس صلبة فأضاءت الدنيا وأبهرتها بفكرها النير وابتكاراتها التي وقف أمامها مندهشا العالم الإسلامي والعالم الغربي على حد سواء خلال القرون الأولى والقرون الوسطى، فنهلوا من معينها  الفياض الذي لم ينضب يوما من الأيام ولم ينقطع عن العطاء بسخاء للبشرية جمعاء.
إنها أرض معطاء طيبة مترامية الأطراف وموطن للحكمة والفلسفة والقيم الكبرى والمبادئ السامية والمثل العليا في الفكر المتقد البارع والسلوك المهذب الرفيع، ولا غرو في  أن أهلها اتخذوا الحكمة دينا لهم وزادا ضروريا في الحياة الدنيا من المهد إلى اللحد لدرجة أنهم قدسوا الرجل الحكيم، واعتبروا أن من لم يعشق الحكمة ولم ينل منها ولو قسطا يسيرا فموته خير له من حياته.
فهذا الحكيم والأخلاقي والمربي وفيلسوف الصين الكبير كونفوشيوس الذي كان يؤكد على المحافظة على الروابط بين أفراد المجتمع بشكل سليم مع رعاية المبادئ الأربعة المتمثلة في العلم الغزير والسلوك الحسن والطبيعة السمحة والعزيمة القوية كان يردد سواء في وحدته أو أمام الملأ:
"حياتي هي صلاتي"
"لا يمكن للمرء أن يحصل على المعرفة إلا بعد أن يتعلم كيف يفكر"
"ينبغي أن تعامل مرؤوسيك كما تريد أن يعاملك رؤساؤك"
"كل شيء يمتلك جماله ولكن لا يستطيع الجميع رؤيته"
"جميع الناس بين البحار الأربعة إخوة...لا تفعل للغير ما لا تحب أن يفعله الغير لك"
"إن كنت تعرف الأمر اعمل كرجل يعرفه، وإن كنت لا تعرف الأمر اعترف بأنك لا تعرفه..تلك هي المعرفة"
"قُوتُ الأجساد الطعام وقُوتُ الأرواح الحكمة، فإن فاتت العقول قُوتَها من الحكمة ماتت كموت الأجساد عند قوت الطعام"
"ما أشقى الرجل الذي يملأ بطنه بالطعام طوال اليوم دون أن يجهد عقله في شيء، لا يتواضع  في شبابه التواضع الخليق بالأحداث، ولا يفعل في رجولته شيئا خليقا بأن يأخذه عنه غيره، ثم يعيش إلى أرذل العمر..إن هذا الإنسان وباء"
"إن من يبحث عنه الرجل الأعلى هو ما في نفسه، أما الرجل المنحط فيبحث عما في غيره، والرجل الأعلى يحزنه نقص كفايته، ولا يحزنه أن يجهله الناس وإن كان يكره ألا يذكروه بعد موته، وهو متواضع في حديثه متفوق في أعماله، فلا يتكلم، فإذا تكلم أصاب من فوره هدفه، والرجل الأعلى يتحرك بحيث تكون حركاته في جميع الأجيال طريقا عاما، ويكون سلوكه بحيث تتخذه جميع الأجيال قانونا عاما، وإنه ليعمل قبل أن يتكلم، ثم يتكلم بعدئذ وفق ما عمل وما يعمل"
"كلما سرت مع رجلين وجدت لنفسي أستاذين: من له فضائل فهو قدوتي، ومن له رذائل فهو عبرتي"
"إن الإنسانية الصحيحة أي الفضيلة تتطلب قدرة جبارة، والطريق إليها صعب المنال، فأنت لا تستطيع أن تلمسها بالأصابع ولا أن تصل إليها سيرا على الأقدام، وعلى ذلك فالفرد الذي لا يستطيع أن يقترب منها أكثر من الآخرين يعتبر فاضلا، ومن تم إذا قاس الإنسان الناس بمقياس الفضيلة المطلق فسيكون من المستحيل أن نجد شخصا فاضلا، ولكنه إذا قاس الناس بعضهم ببعض فإن الأفضل منهم يعتبر مقياسا لغيره"
""الرجل الحكيم ذو المروءة هو الذي يتثاقل عن القول...قلما يكون الشخص ذو الخطب المؤثرة في المظهر رجلا فاضلا...إن الكلام المنمق يجعلنا أحيانا عاجزين عن التفرقة بين ما هو حسن وما هو سيء...إني أكره جعجعة الخطب...إن الرجل العاقل لا يحكم على الناس بأقوالهم بل بأعمالهم، ففي العالم المتحضر نجد المجتمع زاخرا بالأعمال السامية، بينما في العالم المتخلف أو غير المتحضر نجد المجتمع زاخرا بالخطب الرنانة"
أما الفيلسوف لاو تسو الذي كانت فلسفته تتلخص بإيجاز في جملتين يقول فيهما بأن أولئك الذين يتكلمون لا يعرفون، وأولئك الذين يعرفون لا يتكلمون، فينتسب إلى المدرسة الطاوية التي تعتبر ثاني مدرسة عقلية بعد الكونفوشية في تأثيرها على المجتمع الصيني، ومصطلح الطاوية يعني طريق الهداية لذلك سُمِي متبعوها بالمهديين، فإن كان اهتمام الكونفوشية قد انحصر في سلوك البشر في حياتهم اليومية، فإن الطاوية كانت تخاطب بدرجة كبيرة الجانب الروحاني في الإنسان، لذلك جابت كلمات هذا الحكيم الآفاق وعاشت من بعده منارات مضيئة للباحثين عن سبل الخلاص من الأنانية ومعرفة قدر الإنسان والرقي بالأجساد الفانية نحو العلا  حتى قال:
"رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة"
"لقد سمعت أن الأغنياء يهدون الناس بالمال، أما الفضلاء فيهدونهم بالنصائح، وسأقدم لك بعض النصائح: إن حياة الرجل الذكي الألمعي دائما في خطر، لأنه يميل غالبا إلى نقد الناس، والرجل النابه المعروف الذي يقرأ له الناس يعرض نفسه للخطر، لأنه يميل إلى الكشف عن نقط الضعف فيهم، فلا تفكر إذاً في نفسك دون سواها عندما تعمل كابن للعدالة أو قاضيا لها" من نصيحة لاو تسو لكونفوشيوس.
"عندما يسود الحق، تسخر الخيول لأعمال المزرعة، وعندما يسود الباطل تسخر الخيل لخوض المعركة"
"إذا لم تقاتل الناس فإن أحدا على ظهر الأرض لن يستطيع أن يقاتلك، قابل الإساءة بالإحسان، أنا خير للأخيار وخير لغير الأخيار، وبذلك يصير الناس جميعهم أخيارا، أنا مخلص للمخلصين، ومخلص لغير المخلصين، وبذلك يصير الناس جميعهم مخلصين، وألين الأشياء في العالم تصدم أصلبها وتتغلب عليها، وليس في العالم شيء ألين من الماء في مغالبة الأشياء الصلبة القوية"
"إن كل ما في الطبيعة من أشياء تعمل وهي صامتة، وإنها لتوجد وليس في حوزتها شيء، وتؤدي واجبها دون أن تكون لها مطالب، وكل الأشياء على السواء تعمل عملها ثم نراها تسكن وتخمد، وإذا ما ترعرعت وازدهرت عاد كل منها إلى أصله، وعودة الأشياء إلى أصولها معناها راحتها وأداؤها ما قدر لها أن تؤديه، وعودتها هذه قانون أزلي، ومعرفة هذا القانون هو الحكمة"
أما الفيلسوف منشيس الذي تتلمذ على يد كونفوشيوس وصار على نهجه فيقول:
"إن الناس هم أهم عناصر الأمة والدولة، وإن الملك أقل هذه العناصر شأنا"
"أصلح ما في عقل الأمير من خطأ، فإنك إن قومت الأمير استقرت شؤون الدولة"
"ليس ثمة حرب عادلة...من الناس من يقول إني بارع في تنظيم الجند، وإني ماهر في إدارة المعارك، أولئك هم المجرمون حقا"
أما الفيلسوف والمربي والقائد العسكري وانج يانج المنتمي إلى أسرة منج وأحد أعمدة ورواد المدرسة الكونفوشية الحديثة فيقول عن الخير والشر :
"إن الخير والشر لفظان تسمى بهما الأشياء حسب ما فيها من نفع أو أذى لبني الإنسان..إن الغرض الذي تهدف إليه السماء من وراء عملية الخلق ليتمثل في الأزهار والحشائش، فهل لدينا طريقة نفرق بها بينهما، فنقول هذه خير وتلك شر؟؟، إذا سرتك رؤية الأزهار قلت بأن الأزهار حسنة، وإذا كانت بك إلى الحشائش حاجة قلت إنها خير، إذاً فالخير والشر قادمان مما هو كامن في عقلك ونفسك من حب هذا الشيء أو كراهيته، أي أنهما لا يوجدان في الأشياء نفسها، إنما يوجدان في عقل الإنسان".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق