عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة

لطالما تساءلت مرارا  وتكرارا ووقفت مشدوها حائرا عن سبب جري مَن يعتبرون أنفسهم نخب المجتمع ومثقفيه وأعيانه جريا جنونيا محموما تستخدم فيه كل الوسائل حتى الساقطة منها، من أجل الظفر بمناصب المسؤولية لتدبير شؤون المجتمع ومشاكله الكثيرة والمتعددة والعسيرة أحيانا على الحل حتى بالنسبة للمنظرين الاقتصاديين والسياسيين الأكثر تفاؤلا في العالم، بينما تبدو بعض الفئات من هذه النخب في نفس الوقت غير قادرة وعاجزة تماما حتى على تدبير شؤون بيوتها وتنظيفها من روائحها العطنة وتهذيب وتخليق حفنة من نَسْلِها السيء السمعة والخلق والتربية، غير أنني أعتقد بحكم ما طوته كتب التاريخ القديم والحديث من أحداث وتجاوزات جسام وبحكم المعاينة الميدانية أن هؤلاء الأقوام مُصابون بمرض ليس باستطاعة أي جهاز طبي كشفه اسمه 'مرض السلطة'، وهو داء عضال قديم قِدَم البشرية، خطير لا نظير له، ولا شفاء يُرتجى منه مطلقا، وليس له إلا علاج واحد ووحيد: المقابر.
إذ كيف يمكن تفسير  إقدم  ابن برلماني بارز منتم لحزب ديناصوري مغربي عتيد على مطاردة هوليودية بسيارته الفاخرة شابين يمتطيان دراجة نارية، ثم قيامه بعد ذلك  بدهسهما بطريقة عدوانية وإجرامية وكأنهما فرخان من الدجاج، مما أدى إلى كسر رجل أحدهما وكسر في العمود الفقري للآخر، لا لشيء إلا لكونهما احتجا على ابن البرلماني الذي كان يدخن علنا في واضحة نهار رمضان؟؟
ويكفي أن يرجع أي مهتم إلى أرشيف الصحف المغربية كي يقف عن عدد لا يستهان به من الجنح والتجاوزات الخطيرة التي يرتكبها 'الفشوش' ونسلهم بحق المجتمع تصل أحيانا إلى حد الجنح الجنائية التي يعاقب عليها القانون، غير أن الواقع المعاش يثبت خروجهم سالمين غانمين معافين كما تُسَلُّ الشعرة من العجين، مع العلم أن عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة.
والحق يُقال أن ظاهرة ترفع واستكبار 'الفشوش' وأبناءهم عن بقية المجتمع وازدراءهم للعدالة والقضاء و تهكمهم بمقدسات وعادات وأعراف المجتمع ليست ظاهرة فريدة ومعزولة زمانيا ومكانيا، لأن البعض من هؤلاء يظنون أن تبوئهم تلك المناصب يحصنهم ويجعل بينهم وبين المتابعات الإدارية والقضائية سدا منيعا يحول دون الوصول إليهم ومحاسبتهم من طرف السلطات حسابا عسيرا  كما هو جار به العمل في محاسبة المستضعفين، وتمنحهم إضافة إلى ذلك قضاء مآرب أخرى ليست في متناول عامة الناس.
وعندما يُصبح مثل هذا التسيب عادة متأصلة في الفشوش و'تريكتهم' الفاسدة فمن العادي جدا ومن الطبيعي أن يفقد المجتمع ثقته في السلطات وأن يطلق هو أيضا الحبل على الغارب للاحتجاجات التي تصل أحيانا حد التهور والتجاوزات الخطيرة من أجل الحصول على البعض من حقوقه المسلوبة أو استرداد البعض من كرامته المهدورة، وتصبح تبعا لذلك القوانين مطاطية انتقائية كنسيج العنكبوت تقع فيه الطيور الصغيرة فتُسْحق بداخله سحقا وتعصف به الطيور الكبيرة وتتركه هباء منثورا تدروه الرياح.
فالقانون هو القانون يبقى حبرا على ورق إذا لم يخضع له ويحترمه أولئك الذين يسهرون على تشريعه وتنفيذه بالدرجة الأولى، وعندما تختل هذه المعادلة ويصبح القانون مسلطا فقط على فئة معينة من المجتمع كسيف ديموقليطس، فإن ذلك يؤذن بفساد كبير يؤدي عاجلا أم آجلا إلى فوضى عارمة وعدم انضباط وامتثال للقوانين داخل المجتمع، لأن الأصل في الاستقرار والطمأنينة والسلم الاجتماعي هما العدل والعدالة الاجتماعية، وأن يسري القانون على الجميع من قمة الهرم حتى قاعدته دون تمييز أو كيل بمكيالين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق