المجزرة الفظيعة: الذكرى 34 لمذبحة صبرا وشاتيلا

بعد صمود بطولي للمقاومة الفلسطينية طيلة تسعة وسبعين يوما أمام أعتى جيش بالشرق الأوسط استسلمت المقاومة في الأخير للأمر الواقع ورحلت عن بيروت في الأول من سبتمبر سنة 1982، وكان رحيلها اضطراريا مرا كالحنظل حتى تُجنب وتتفادى المزيد من القصف والدمار والمعاناة للمدنيين العزل من جهة، ومن جهة أخرى شعورها باليأس التام  من بعض المساعدة التي قد تأتي من العربان المكبلين الذين كانوا يرزحون تحت حذاء اليانكي الأمريكي كما هو عليه الحال في هذا العصر الخبيث.
غير أن الفظيع في الأمر والذي يُثير الاشمئزاز هو تعهد كل من الحكومتين اللبنانية والأمريكية بتأمين رحيل المقاومين الفلسطينيين وفي نفس الوقت تأمين سلامة المدنيين العزل الباقين في بيروت أمانة في عنق القوات المتعددة الجنسيات التي ما لبثت أن انتشرت على خطوط التماس، ووعدت على نفسها وعدا بأنها لن تغادر المكان حتى يستتب الأمن والنظام وتأخذ السلطة اللبنانية الشرعية بزمام الأمور في بيروت الغربية، وبحلول يوم 10 شتنبر 1982 وقع انقلاب غريب والتفاف خطير على ما تم الاتفاق عليه، فسحبت الولايات المتحدة الأمريكية مشاة بحريتها، ما لبثت أن حدت حدوها القوات الإيطالية بتاريخ 11 شتنبر ثم القوات الفرنسية بتاريخ 13 شتنبر، معللة كل منهما قرارها بعدم قدرتها على القيام بهذه المهمة بدون وجود القوات الأمريكية، بينما كان من المقرر أن تبقى هذه القوات بلبنان حتى حلول يوم 21 شتنبر كما تم كان متفقا عليه بالإجماع.
ومما زاد الطين بلة وسكب المزيد من البنزين على النيران المشتعلة هو عملية اغتيال الرئيس بشير جميل بتاريخ 14 شتنبر في معقل الكتائب ببيروت الشرقية بمقر حزبه بالأشرفية، إثر انفجار عبوة ناسفة هدمت المبنى بكامله على رؤوس كل من كان متواجدا  بداخله، وبحلول يوم 15 شتنبر تم إعلان حظر التجوال من طرف الصهاينة في جنوب لبنان وذلك من أجل التغطية على التحركات المريبة للجيش 'الإسرائيلي' والمليشيات اللبنانية العميلة المتحالفة معه، ثم بدأ الهجوم على بيروت الغربية مما مكن  الجيش الصهيوني من بسط سيطرته على كامل ترابها في ظرف زمني وجيز، فقام بقطع التيار الكهربائي عنها وعزل أحياءها عن بعضها البعض وفرض حظر التجوال وإغلاق جميع المنافذ المؤدية إلى العاصمة، بحيث أصبح مخيما صبرا وشاتيلا محاصران بما يفوق 150 دبابة و100 ناقلة جند و 14 عربة مدرعة و 20 جرافة، وقد شاهد سكان مدينة الشويفات ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم من يوم 16 شتنبر 1982، وهو الشيء الذي أكدته مصادر أخرى من الجيش اللبناني، عندما بدأت تتوافد صفوف طويلة من الشاحنات وناقلات الجند التي كانت تحمل أشخاصا يرتدون زي الميليشيات آتية من جهتين: من الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث يوجد معقل العميل  الصهيوني سعد حداد، ومن الطريق المؤدي إلى بيروت الشرقية حيث يقبع معقل الكتائب العميلة، وفي تمام الساعة الرابعة من بعد زوال نفس اليوم وصلت مليشيات العملاء القتلة المجرمين إلى مدخل المخيمين اللذين كانا يحاصرهما جنود صهاينة، فتم فتح الطريق لهؤلاء المجرمين مع  قيام الصهاينة بقصف عنيف على المخيمين للتغطية على توغلهم بداخلهما، ثم بدأت بعد ذلك المجزرة المروعة: ذبح من الوريد إلى الوريد، قطع الرؤوس والأطراف والأجهزة التناسلية للرجال، تجميع الشيوخ والفتيان وإعدامهم رميا بالرصاص، اغتصاب النساء والفتيات ثم إفراغ الرصاص عن قرب في رؤوسهن، قطع أثداء النساء وبقر بطون الحاملات منهن ثم استخراج الأجنة وإطلاق الرصاص عليها، التمثيل بجثت الجميع.
لقد حول هؤلاء المجرمون القتلة مخيمان كانا ينبضان بالحياة إلى مقبرة جماعية لم يعد يُشم فيها سوى رائحة الموت، ولم يعد يُسمع في أرجاءها غير أزيز الذباب، ولم يعد يظهر في طرقها وشوارعها الفرعية وتحت العربات وفوق أكوام الأنقاض والقمامة وفي مداخل البيوت المتهدمة وداخل غرف النوم  سوى أكوام من الجثث..جثث منتشرة في كل مكان، وقد قُدّر عدد ضحايا هذه المجزرة الفظيعة التي لا تخطر حتى على بال الشيطان بما يزيد عن 4.000 ضحية كلهم من المدنيين العزل بدون استثناء، دون احتساب الجثث التي تم شحنها بواسطة شاحنات إلى جهات مجهولة من طرف الصهاينة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق