خرجو رجليه من الشواري

'امرأة الشارع' فيلم وثائقي أخرجته وأنتجته الطالبة بالسنة النهائية شعبة السينما 'صوفي بيترز' وصورته بواسطة كاميرا خفية، يعرض الفيلم، الذي قررت هذه الطالبة تقديمه كمشروع دراستها النهائية بشعبة السينما، الحياة اليومية للنساء بأحد أحياء بروكسيل ببلجيكا وما يتعرضن له من إهانات ومضايقات وشتائم يومية وعدوانية  من طرف الذكور بالشارع العام، وبمجرد عرضه بإحدى صالات السينما بالعاصمة البلجيكية في شهر يوليوز 2012، أثار الفيلم جدلا ونقاشا وطنيا واسعا بخصوص مسألة التحرش بالجنس (اللطيف) ومضايقته، مما استدعى إقدام المجلس المحلي لبلدية بروكسيل لا تخاذ إجراءت إدارية جزرية لمعاقبة مثل هذه التصرفات الرعناء  المخلة بالآداب العامة، مع فرض غرامة مالية قد تصل إلى 250 أورو لكل من تم ضبطه متلبسا بهذا السلوك الغير سوي.
غير أن هذه الآلية الجزرية التي تهدف إلى الحد من هذه الظاهرة المنحطة سوف تجد صعوبات جمة في تنفيذها، أولا لانتشارها بدرجة كبيرة ليس في بلجيكا وحدها بل في كل الأركان الأربع من الكرة الأرضية بدون استثناء، ثانيا لازدحام المحاكم وغرقها في العديد من القضايا  المرفوعة إليها فما بالك إذا أُضيفت إليها قضايا المضايقات والتحرشات التي سوف تكون طوفانا يغرقها حتى الأذنين ووبالا سوف يشغلها أبد الدهر، ثالثا لعدم كفاية الموارد البشرية والمادية للشرطة الكفيلة بالتصدي بكفاءة عالية لهذه الظاهرة المعششة في الأدمغة منذ الخليقة الأولى، رابعا لتفوق النظام الأبوي وهيمنة الذكور بشكل متفاوت في جل  المجتمعات البشرية بالرغم من قشور التحرر الظاهري في المجتمعات الغربية، وبالرغم من المخاض المستمر الذي تعرفه المجتمعات المحافظة قصد حصول النساء فيها على الحرية التي تثقن إليها كي تخلصهن من الوصاية الذكورية، إسوة بما يبدو لهن حرية في المجتمعات الغربية، تضمنها العهود والمواثيق الدولية التي تمت ديباجتها برعاية شيطانية غاية في المكر والدهاء تحت الرعاية الفعلية والفعالة لآل ماسون.
إن المضايقات والتحرش والشتائم ليست سوى الشجرة التي تخفي الغابة ومظهرا من بين مظاهر أخرى من ردات الفعل الذكورية اتجاه الاستفزازات الأنثوية المتنوعة والتي لها جذورها العميقة الضاربة القدم منذ فجر التاريخ البشري، فمنذ حقبة الإنسان البدائي الذي سكن الكهوف كانت الغلبة لفئة الذكور بصفة مطلقة حتى نزول الرسالات السماوية التي أعادت الاعتبار للأنثى، غير أن هذا الاعتبار بقي مبثورا وناقصا بدرجة مشوهة نظرا للتأويلات المتعصبة والمواقف المتصلبة لكهنة وسدنة المعابد،  تلكم الرسالات التي سعت إلى إيجاد نوع من التوازن والتكامل والتعايش والتودد والتراحم في العلاقات بين الجنسين، بيد أن المرأة في العصر الحديث عندما ضاقت درعا ببعض القوامية الممنوحة للرجل بعد ولوجها جميع مناحي الحياة العملية خلافا لما كانت عليه في السنين الخوالي، لم تعد راضية أن تعيش تحت ظل شمسون الذي لم يعد جبارا، لذلك شمرت على سواعدها وسعت جاهدة منذ منتصف القرن العشرين للتحرر منه وإنشاء ظل خاص بها حتى ولو أدى ذلك إلى ضرب التوازن والتكامل بعرض الحائط وذبح أواصر التعايش والتساكن والتودد قربانا على هيكل الحرية التي أضحت إلاه القرن الواحد والعشرين، ويبدو أن السنين القادمة سوف تكون حبلى بالمفاجئات المتواترة على كل الأصعدة بين الجنسين خصوصا في المجتمعات المحافظة، حيث سيسعى الجنس (الذي لم يعد لطيفا) إلى  انتزاع الندية التي يطوق إليها ولربما أكثر إن استطاع إلى ذلك سبيلا، أما الجنس الآخر الذي يبدو أنه لن يتنازل بسهولة عما تبقى من كرسيه العاجي المتداعي والمتصدع الذي تربع عليه منذ فجر التاريخ بحق أو بباطل فسوف يستعمل كل الوسائل للحفاظ على وضعه الذي احتفظ به منذ ظهور إنسان 'الهومو أبيليس' منذ ثلاثة ملايين سنة، وهذا ما يفسر في المرحلة الانتقالية الحالية البعض من التصرفات العدوانية بين الجنسين والتنافس الحاد والتباعد وظهور ظواهر اجتماعية أخرى مثل ارتفاع نسب العنوسة والطلاق ابتداء من تسعينيات القرن الماضي.
وحتى تحرر المرأة الغربية وضمان حقوقها ومساواتها بالرجل كما يدعي آل ماسون فإنها تبدو مجرد كلمات جوفاء حين تقارعها بالواقع المعاش، إذ لا تعدو أن تكون سوى حبر على ورق  مسطور في نصوص مواثيق المنظمات الدولية ومنطوق به في المنتديات وصالونات الفكر المخملية على قرع كؤوس الشمبانيا وسجائر المارلبورو، ولم تستطع لحد الآن الولوج عن قناعة واقتناع إلى أفئدة وعقول الكثير من الغربيين حتى ممن يُحسبون على صف الطابور المزمر والمنظر لحرية المرأة، لأن كل شيء يدور في الأدمغة وليس في أي مكان آخر ولو تعلق الأمر بالجمعية العامة للأمم المتحدة ونصوصها المكدسة في أرشيفها.
فالمرأة في الغرب بالرغم من كل ما يتم قصف العقول به بالصوت والصورة عبر الأقمار الاصطناعية  من  مظاهر خادعة عالية الحداثة، ما تزال تحتل الطليعة كأداة للمتعة الجنسية وإفراغ النزوات الذكورية حتى العدوانية منها والمكبوتة تصل أحيانا لدرجة الانتقام المرضي، بالرغم من العجعجة الإعلامية الغربية التي تُحاول إيهام الرأي العام بغير ذلك، ولعل ما تتعرض له المرأة في العمل من تحرشات وفي الشارع من مضايقات وشتائم وكلام ناب، والأنكى من ذلك ما تتعرض له من تبخيس لقيمتها وتسليعها تسليعا وضيعا ومنحطا في وسائل الإعلام والإشهار التلفزي والسينمائي وفي جميع وسائل الإعلام الأخرى من جرائد ومجلات 'البورنوغرافيا' و'البلاي بوي' وغيرها لهو أكبر دليل وبرهان صادم يُظهر إلى أي مدى أن كلمة مساواة مجرد حلم أو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وما لم يتم إرساء توافق وتراض يحفظ للجميع  مكانته  وكرامته ومساهمته في بناء المجتمع في إطار من الاحترام والتعايش والتراحم المتبادل المنبثقة من القيم الدينية والثقافية والخصوصيات المحلية، فإن هذه المواجهات المفتعلة تحت الرعاية الشيطانية  للماسونية العالمية التي أتت على الأخضر واليابس لن تخلف سوى المزيد من الكراهية والتنافر اللذان لن يؤديا في النهاية إلا إلى تدمير القيم وخراب الأسر وإفساد المجتمعات.
إن الاتجاه العام في المجتمعات الغربية ماض قدما وبسرعة جنونية نحو تقنين زواج الشواذ وزواج السحاقيات، لحد الآن الزواج يقتصر على شخصين، لكن من يدري فقد يصبح هذا الزواج الشاذ يشمل مسستقبلا مجموعة مكونة من أكثر من شخصين أي جموع متزوجة فيما بينها وليس زوجان،  وهذا يتماشى جيدا مع ما قاله الصحفي الأمريكي إرفين روزينتال (1908-2012) : "إن الشذوذ الجنسي هو الحل الأكثر واقعية لمشكلة الانفجار السكاني"، وإذا أضفنا إلى هذه الطامة الكبرى الحملات المغرضة للاستهزاء  بالأنبياء والرسل والديانات بطرق منحطة شائنة وساقطة بكل المقاييس، وكل ذلك باسم إلاه القرن الواحد والعشرين الحرية، تبدى لكل ذي بصيرة الدليل القاطع والبرهان الساطع على فساد الجنس البشري فسادا عظيما وتفسخه تفسخا فظيعا بشكل غير مسبوق حتى 'خرجو رجليه من الشواري' كما يقول المثل الشعبي المغربي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق