جاك بريل Jacques Brel الفنان الكاريزمي

يعتبر الفنان الراحل 'جاك بريل' (1928-1978) الفرنسي الموطن البلجيكي الأصل من بين الفنانين المرموقين الذين تركوا بصمات بارزة على فن القرن العشرين، فهو مغن وشاعر وملحن ذو كاريزمية خارقة وشخصية قوية، متحرر إلى أبعد الحدود من جميع البروتوكولات ومظاهر الأبهة الفارغة، لم يتنازل مرة واحدة عن مبادئه وأفكاره في يوم من الأيام، لدرجة أنه بقي متشبتا بإحداها طوال حياته: "عندما كنت صغيرا، نَسِيَتْ أسرتي أن تُحذرني من أن الغرب المتوحش والحب ليس سوى مجموعة من التنكيتات"، لذلك كثيرا ما كان يبدو للبعض على أنه شخص غريب الأطوار مكون من مجموعة من المفارقات والتناقضات التي صُهِرَت في روح جبارة وحَلّت في جسد نحيف.
عندما يقف 'جاك بريل' عل الخشبة من أجل الغناء كي يعبر بصدق عن غضبه وحبه وخيبات أمله، فإنه يتجاوز تماما المتعارف عليه عند الجميع باندماجه الكلي بمشاعره وبجميع حركات جسمه وأطرافه وقسمات وجهه وصوته المدوي الذي يقذف بكلمات مزلزلة دامغة ومبللة بالعرق، موزونة ومنتقاة بعناية فائقة، بينما اللحن الذي يستحيي استحياء يبقى في الخلفية لا يجرأ أن يتقدم إلى الواجهة أمام عمق المعنى وقوة العبارة، مما يُضفي على فنه لونا فريدا من التميز الذي يسمو به إلى روائع المسرح العالمي ذي الطراز الرفيع.
من بين القطع الكثيرة الرائعة والهادفة قلبا وقالبا في آن واحد التي كتب كلماتها ولحنها وغناها بنفسه  قمت باختيار خمسة وعشرين قطعة موسيقية أعتبرها شخصيا من أروع التحف التي  ترك هذا الفنان بعد رحيله وعلى رأسها أغنية "هؤلاء الناس" )"Ces gens là"(، التي وإن كان لسانها فرنسيا فإن حمولتها ومغزاها في المجمل ينطبقان على كل المجتمعات البشرية في العصر الحديث بغض النظر عن الدين أو اللغة أو العِرْق.