ليس بيد مخلوق تغيير قدره

*قيل لإبراهيم بن أدهم لو جلست لنا بالمسجد لنسمع منك شيئا، فقال: إني مشغول بأربعة أشياء لو تفرغت منها لجلست لكم، فقيل له: وما هي؟، قال: أولها أني تذكرت حين أخذ الله الميثاق على بني آدم فقال هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فلم أدر من أي الفريقين أنا، ثانيها أني تذكرت أن الولد إذا قضى الله بخلقه في بطن أمه ونفخ فيه الروح يقول الملك الموكل به: يا رب شقي أم سعيد، فلم أدر من أيهما سهمي، وثالثها أني تذكرت أنه حين ينزل ملك الموت ليقبض الروح يقول مع أهل السلامة أم مع أهل الكفر، فلا أدري كيف يخرج الجواب، ورابعها أني تذكرت قوله تعالى:"فريق في الجنة وفريق في السعير"، فلا أدري أي الفريقين أكون.
*يحكى أن رجلا رأى خنفساء فقال: هذه خلق مشوه، لا خلقها حسن ولا ريحها طيب، فماذا يريد الله بخلقها، فابتلاه الله تعالى بقرحة عجز عنها الأطباء حتى يئس من شفاءها، فسمع يوما صوت طرقي ينادي في الزقاق، فقال علي به حتى ينظر في أمري، فقالوا له ما تصنع بطرقي وقد عجز عنك حذاق الأطباء؟، فقال لا بد من حضوره عندي، فلما أحضروه وألقى نظرة على القرحة أمرهم بأن يأتوه بخنفساء، فضحك الحاضرون، وتذكر العليل ما كان سبق منه عند رؤية الخنفساء فقال لهم أحضروا له ما طلب فإن الرجل على بصيرة من أمره، فأحضروها له فحرقها وذر من رمادها على القرحة فبرئت بإذن الله تعالى، فقال العليل للحاضرين اعلموا أن الله تعالى أراد أن يعرفني أن في أخس مخلوقاته أعز الأدوية وهو الحكيم الخبير.
*يحكى أن جماعة من اللصوص خرجوا إلى قطع الطريق على قافلة، فلما جن عليهم الليل جاؤوا إلى رباط فقرعوا الباب وقالوا لأهل الرباط إنا جماعة من الغزاة ونريد أن نبيت الليلة في رباطكم، ففتحوا لهم الباب، فدخلوا وقام صاحب الرباط يخدمهم، وكان يتقرب إلى الله تعالى بذلك ويتبرك بهم، وكان له ابن مقعد لا يقدر على القيام، فأخذ صاحب الرباط سورهم وفضل مياههم وقال لزوجته: يمسح ولدنا بهذا أعضاءه فلعله يشفى ببركة هؤلاء الغزاة، فلما أصبحوا خرج اللصوص وتوجهوا إلى ناحية وأخذوا أموالا وعادوا إلى الرباط عند المساء، فرأوا الولد الذي كان مقعدا يمشي مستويا فقالوا لصاحب الدار: أهذا هو الولد الذي رأيناه مقعدا بالأمس؟، فقال: نعم أخذت سوركم وفضل ماءكم ومسحته به فشفاه الله ببركتكم، فأخذوا يبكون وقالوا له: اعلم أيها الرجل أننا لسنا بغزاة وإنما نحن لصوص خرجنا إلى قطع الطريق، غير أن الله تعالى عافى ولدك بحسن نيتك وقد تبنا إلى الله تعالى، فصاروا من جملة الغزاة والمجاهدين.
*يحكى أن أخوين كان أحدهما عابدا، والآخر مسرفا على نفسه، فسولت للعابد يوما نفسه أن يتبع شهواتها ترويحا لما ضيع من عمره في العبادة، ثم يتوب بعد ذلك لعلمه أن الله غفور رحيم، فقال العابد في قرارة نفسه: أنزل إلى أخي في أسفل الدار، وأوافقه على الهوى والملذات بعض الوقت ثم أتوب وأعبد الله فيما تبقى من عمري، فنزل على هذه النية، وقال أخوه المسرف: قد أفنيت عمري في المعصية وأخي العابد يدخل الجنة وأنا أدخل النار، والله لأتوبن وأصعد إلى أخي وأوافقه في العبادة ما تبقى من عمري، فلعل الله يغفر لي، فطلع على نية التوبة ونزل أخوه على نية المعصية، فزلت رجله فوقع على أخيه فمات الإثنان معا، فحُشِر العابد على نية المعصية وحُشِر المسرف على نية التوبة.
*جاء رجلان بمؤمن إلى فرعون ليقتله، فقال فرعون للرجلين: من ربكما؟، فأجابا: أنت، فاستدار إلى المؤمن وقال له: من ربك؟، فقال: ربي ربهما، فغضب فرعون وقال للرجلين: سعيتما برجل على ديني لأقتله، فقتلهما.
*سأل بعض الناس الإمام الشافعي عن ثمانية أشياء فقالوا له ما رأيك في واجب وأوجب وعجيب وأعجب وصعب وأصعب وقريب وأقرب، فرد عليهم بقوله: من واجب الناس أن يتوبوا ولكن ترك الذنوب أوجب، والدهر في صرفه عجيب وغفلة الناس عنه أعجب، والصبر في النائبات صعب ولكن فوات الثواب أصعب، وكل ما ترتجي قريب والموت دون ذلك أقرب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق