عندما تستأسد التفاهة

لم تكن لي بها صلة ولا معرفة من ذي قبل ولكنها عكرت صفو عيشي خصوصا مع مطلع الألفية الثالثة، لما بدأت تشغل حيزا أكثر مما كان مخصصا لها في حدائق الناس السرية لما كانوا أحياء، هي نفسها حدثتني مرة وقالت هامسة في أذني بأنها لم تعد ترى سوى الموتى أينما حلت وارتحلت، فعقبت عليها بالنفي قائلا: "وهذه الحركة الدائبة وهذا الهرج والمرج أليس دليل حياة؟"، فأجابت: "لا، ذلك مجرد وهم وخيال وأشباح"، ولما شعرت بها تشدني من معصمي وتجذبني بقوة نحو حشودها المسعورة، نجحت في التخلص منها والابتعاد ما أمكن عن الساحات والشوارع المكتظة والممتلئة بالتجمعات البوهيمية السكرانة المترنحة التي كانت التفاهة تعشقها لدرجة الجنون، وصار من دأبي وديدني اقتفاء الفضاءات الواسعة المفتوحة الخفيفة الحركة وحتى الخطيرة أيضا حتى لا ألقاها أو تلقاني، غير أنه أحيانا لضيق الوقت أو في زحمة الأحداث أكون مضطرا أن أستقل حافلة النقل الجماعي، فما إن أصعد الحافلة حتى أشعر بها تحيط بي من كل الجهات، تارة تصيح وأخرى تتسفسط وتارة أخرى تتحدث في هاتفها المحمول الذكي والفريد من نوعه وتقهقه بصوت عال كي تسمعني ذلك، فأشيح ببصري عنها نحو نافذة الإغاثة وأحاول كل مرة أن أبتكر شيئا يخلصني من صورتها وصوتها النشاز كأن أحسب مثلا عدد الأشجار المعمرة الوارفة الظلال التي كانت تحمي جلودنا من أشعة الشمس في عز حر صيف مراكش كما قال في ذلك الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي: إِذَا مَا وَجَدْتَ فِي الأَرْضِ ظِلاّ .....فَـتَفَـيّأْ بِهِ إِلَى أَنْ يـَحُولاَ، تلكم الأشجار  التي غرسها المستعمرون الفرنسيون على طول شارع الحسن الثاني منذ الثلث الأول من القرن الماضي ثم أعدمتها في الأخير بدون رحمة ولا شفقة آلة الهندسة المغربية العبقرية  قصد توسيع هذا الشارع حتى يتسنى للسيدة المصونة المحترمة التفاهة التسكع على الطرقات بالمزيد من سياراتها الممولة بالسلف من طرف الأبناك الرأسمالية الربوية، أو كأن أحسب عدد المارة من كل جنس على حدة لأتبين أي من الجنسين يطغى على الآخر ويتمكن في الأخير من افتراسه، أو أحسب عدد المقاهي وحارسي الدراجات والسيارات المصطفين والمنتشرين على أرصفة الطريق لأقدر كم من الأموال تذهب هدرا في جيوب حامضة مثقوبة، لقد حفظت هذا الشارع عن ظهر قلب في أدق تفاصيله وأدق تقاسيم وجوه مرتاديه من المتسكعين والمتسكعات، بل صار بإمكاني أن أغمض عيني وأتعرف على رأس كل دقيقة المكان الذي وصلت إليه حافلة النقل الجماعي.
وحتى بعد نزولي من الحافلة لم تكن تفارقني التفاهة، فها هي ترافقني في الشارع العام، تارة تزاحمني بالأكتاف وأخرى تدفعني من الخلف أو تتقافز من حولي كالقرد النسناس بالرغم من وجود متسع على الأرصفة، وتارة أخرى تطلق العنان لمنبه سيارتها بكل عصبية وعنجهية كي أفسح لها الطريق للمرور ولو كنت السباق في ممر الراجلين، ولا أصل المنزل إلى بعد جهد جهيد وكأني قد خرجت توا من معركة حامية الوطيس ليس من أجل العزة أو الشرف وإنما من أجل معاكستها وعجرفتها النابعتين من الانحطاط التربوي والاندحار الأخلاقي، ولا أكاد أجلس على المائدة لتناول غذائي حتى يصل مسامعي صوت التفاهة البشع الذي ظننت أنني تركته من ورائي في الشارع العام، فينطلق مزمجرا من داخل صندوق العجائب والمصائب، تارة متشحة بذلة رياضية وأخرى بذلة قانونية أو سياسية أو أدبية أو فنية أو ترفيهية أو شبابية أو حتى جنسية متخفية تحت عباءة من الصراحة المتصنعة المفضوحة، إذ ذاك ألعن التلفاز وكل ما جاء على وزن عرب الذل عفوا 'عرب أيدول' ومهنث بن مخنث عفوا 'مهند'  وفوازير وفائز بن فواز، وحتى عندما ألجأ أحيانا إلى تشغيل كمبيوتري الشخصي كي أكون حرا في اختيار ما سوف أطلع عليه بنفسي ومن أجل قراءة بريدي الإلكتروني، كان دائما وجهها المدهون الملطخ بالأصباغ أول من يداهمني في نوافذ متعددة منبثقة هنا وهناك على الشاشة كما ينبت الفطر في الغابة الندية الظليلة، لدرجة أنني أصبحت أحيانا أتجنب قراءة جميع بريدي الإلكتروني وأقذف به مباشرة في سلة المهملات حتى أتخلص من رسائلها الغرامية والتعارفية والإشهارية والدوائية والربحية والنصائحية والاستعراضية للعضلات التي تغرقني كل يوم وهلم جرا، ولقد بلغت بها الجرأة لدرجة أن تتبعني حتى مقر عملي وأن تتقمص كل مرة شخصية معينة كي تتمكن من التهجم علي حتى داخل مكتبي، غير أنني كنت أتقي شرها وأهرب من مكرها وخبثها بأن أتفنن في ابتكار وسائل دفاعية فعالة لا أريد أن أفصح عنها هنا حتى لا تستغلها وتفاجئني بالهجوم، ولكم تمنيت مرارا وتكرارا أن تصلني يوما ما رسالة واحدة صادقة ليست على وزن 'كيف تتخلص من التفاهة بدون معلم'، بل رسالة تدلني، بدون فلسفة وبدون فهامة زائدة كتلك الذي يقصفني بها التلفاز، على كيفية التخلص منها بصورة نهائية دون أن يضيع عقلي أو أفقد حياتي، عند ذاك أظن أن كل شيء سوف يسير على ما يرام، لأن الأمور تمشي بأهل الرأي ما صَلُحَتْ فإذا فسدت فبالتفاهة تنقاد. 

هناك تعليقان (2):