مع شاعر الحمراء 3

مضى أكثر من نصف قرن على رحيل شاعر الحمراء محمد بن إبراهيم (1900-1954) عن هذه الديار، وما زال إسمه يشغل حيزا كبيرا في الساحة الشعرية، لما تتميز به قصائده من حس مرهف، وسرعة بديهة، ونفس متقدة، وقدرة كبيرة على التعبير الذي لم يكن يخلو من لمسات إبداعية متميزة، ولا غرو أن يقول في صديقه الفأر الذي هجر بيته عندما لم يجد فيه ما يسمن ويغني من جوع في  قصيدة 'الفأر الفار' الشهيرة المعروفة بعنوان آخر وهو 'نلت عطفي':

إن  قصيدة 'الفأر الفار' لهي وصف في غاية الدقة للبيت المتواضع لشاعر الحمراء ولوضعه الاجتماعي الذي لم يكن يُسيلُ حتى لعاب الفئران، لقد كانت فلسفته في الحياة تتلخص بالمجمل في كونها لا تستحق كل هذا العناء المضني والقاتل الذي يبذله معظم الخلق من أجل الظفر بحبها، لذا عاش حياة متواضعة ومتناقضة تتجاذبها حياة المرح والقناعة والوحشة والضياع والفقر والغربة والإثارة في آن واحد، وقد تجلى ذلك تجليا واضحا في جميع قصائده الشعرية الشاعرية  التي كانت تتواضع عن اقتدار أمام القراء بأسلوبها الجميل السهل الأخاذ، الذي كثيرا ما كان يتوشح برداء من التهكم والسخرية والمرح والفكاهة والتنكيت.
فعلى الرغم من حرص والده منذ نعومة أظافره على تلقينه القرآن الكريم والمتون العلمية والفقه والتفسير وعلوم اللغة العربية، إلا أن شاعر الحمراء كان له رأي آخر ووجهة أخرى لانجذابه الشديد نحو الأدب الذي كانت ثورته تجيش بين جوانحه، فراح ينهل من معين دواوين ابن خفاجة وابن مطروح وابن سهل والمعري وبهاء الدين زهير والمتنبي  وغيرهم من الفطاحل، مما أتاح له أن ينظم قصائده في كل فنون الشعر من مدح وهجاء ووصف وغزل وفخر ورثاء وشوق وشكوى، إلى غير ذلك من فنون الشعر، وهذا ما يتجلى في بعض المقتطفات من شعره في الأبيات التالية:
غَيْرَ أَنِّي غَيْرَ أَنِّي
يَا صَـــــــــدِيقِي وَوَثِيقِي....وَشَقِيــــــــقُ الــــــــــرُّوحِ مِنِّي
عَنْكَ مَا غِبْتُ حَيَاتِي....إِنْ تَكُ قَدْ غِبْتَ عَنِّي
كـــَـــمْ تَـــــــــرَدّدْتُ مـِــــرَاراً....فِي اشْتِيـَــــــاقٍ لِمَكـَـــــــانِكْ
عـَــــــلّنِي أَظْفَـــــــرُ حَــــــتّى....بِسَـــــــــلاَمٍ مِنْ بَنَــــــــــــانِكْ
فَأُعَـــــانِي مَا أُعـَـــــــــانِي....مِنْ عَنَـــــــــــاءٍ وَاكْتِـــــــئَابِ
وَأُوَارِي السِّـــــرّ مِنِّي....فِي غَيـَــــابَاتِ الحِـــــــجَابِ
غَيْرَ أَنِّي غَيْرَ أَنِّي
عَجِيبٌ أَمْرُ عَبْدِ السُّوء
أُمُـــــــــورُ عَبِيدِ السُّوءِ دَوْماً عَجِيبَةٌ....وَلَكِنّ هَذَا العَبْدَ أَمْرُهُ أَعْجَـــــــــــــــبُ
وَلَمْ يَدْرِ أَنّ العَبْدَ عَبْدٌ وَلَوْ مَشَى....بِأَقْدَامِهِ مِنْ خَالِصِ التِّبْرِ قَبْقَبُ
وَأَنْـــــــــتَـــــــــنُ مَــــا يَـــــبْـــــدُو مُتَـــــــــــطَيِّــــــباً....وَلَيْسَ مُجْـــــــدٍ فِي الصِّـــنَانِ تَـــطَيُّبُ
لَنَا اللهُ تَعَالَى
قُلْ لِمَنْ غَضُّوا بِطَرْفٍ....ثُمّ حَيّوْنَا كُسَالَى
سَكَرُوا بِالْمَالِ وَالْجَا....هِ فَهُمْ مِنْهُ ثُـمَالَى
لَكُــــمْ مَــــــالٌ وَجَـــــــــاهُ....وَلـَـــــنَا اللهُ تَعَـــــــــــالَى
عُدّ الصّحِيحَ
قَدْ قَصَدْتُ الطّبِيبَ يَوْماً لِفَحْصِي....غَيْرَ أَنّهُ وَهْوَ الطّبِيبُ الجَلِيلُ
كُلّــــــــــمَا مَسّ مِنِّي عُضْــــــــــواً يُنَــــــادِي....إِنّ ذَا مِثْلُ ذَاكَ أَيْضاً عَــــــلِــــيلُ
قُلْتُ: خَـــلِّ الْعَــــــلِـــيلَ فَهْوَ كَــثِــــيـــــــرٌ....وَلْتَعُـــــدّ الصّـــحِيحَ وَهْــوَ قَـــــــلِيـــــلُ
سَلِ الفَضْلَ
سَلِ الفَضْلَ أَهْلَ الفَضْلِ قُدماً وَلاَ تَسَلْ....غُلاَماً نَشَأَ فِي الفَقْرِ ثُمّ تـمَوّلاَ
فَلَوْ مَـــلَكَ الــــــدُّنْيَا جَــــــمِيـــــــــــعاً بِأَسْــــــــرِهَا....تُـــــــذَكِّــــرُهُ الأَيـّــــــامُ مَــا كَانَ أَوّلاَ
وقال عن الصفقاء والنزقين والمتنطعين والمترفعين والمتبجحين الذين سكبهم جميعا في قالب واحد واخترع لهم شخصية مُفَضّل النمطية:
مُفَضّلٌ
مُفَضّلٌ مُسْتَعْجِلٌ...فِي الحُكْمِ وَالْكَلاَمِ
يَقُـــــــولُ فِي دَقِيقَــــــةٍ...مَا قُــــــلْتُهُ فِي عَــــــــــــــامِ
كَأَنّـــــمَا يَعِيــــــشُ فِي...ضَيْــــــقٍ وَفِي زِحَــــــــامِ
لَكِـــــــــــنّ مَا يَقُولُـــــــــــهُ...أَقْـــــــوَى مِنَ الأَوْهَامِ
كَــــــأَنّـمَا كَـــــــــــــــلاَمُـــــــــهُ...نَفْــــخٌ عَلَى الأَنَــــــــامِ
لاَ تَعْجَبـــــــُوا فَجِسْمُهُ...زِمْــــــــــــــــرٌ بِلاَ لِــــــــــجَامِ
كَــقِـرْبَـــــــــةٍ مَنْـــفُوخَــــــــــــةٍ...تُـــــــدَاسُ بِالأَقْـــــــــــــــدَامِ
وعن سخافة مفضل فقال إبن إبراهيم:
أَرَادَ أَنْ يَحْظَى مُفَضّلٌ بِمَا...يَرْفَعُ رَأْسَهُ أَمَامَ العُلَــــــــــــمَا
فَجَمَعَ النّاسَ عَلَى مَأْدُبَةٍ...وَصَارَ يَفْخَرُ بِمَا تَعَلّــــــــــــــمَا
فـَـــقَــــرّرَ الـمُجْتَمِـــعُـــــــونَ أَنّهُ...أَثْقَلُ خَلْقِ اللهِ ظِلاًّ وَدَمَا
أما عن وصف مفضل وهو يضع نظارات على عينيه فليس هناك أوجز من هذا الوصف الغارق في السخرية حتى النخاع:
وَحِينَ غَابَ مَرّةً...وَصَفَهُ بَلاَغُ
بِأَنّــــــــــهُ نَظّــــــــــــــــــــارَةٌ...وَخَلْفَهَا فَرَاغُ
وعن جهل مفضل بالرغم من مظهر المثقف الذي يبدو عليه فقال إبن إبراهيم:
مُفَضّلٌ بِالرُّغْمِ مِنْ خَـــــــــــوَاهُ...وَجَهْلُهُ يَنْفَعُ مَنْ سِــــــــــــــــوَاهُ
فَكَمْ مِنَ الأَوْلاَدِ فِي حَارَتِهِ...تَعَلّمُوا الصّفْعَ عَلَى قِفَاهُ
أما في هجوه لرجال الدين والكهنوت الذين يُكَفِّرُونَ الناس إرضاء لأولياء نعمتهم ويفتون بفتاوى على المقاس طولا وعرضا وارتفاعا بحسب ما يحصلون عليه من حطام الدنيا كمقابل فقال إبن إبراهيم:
يَقُولُونَ: الـمَعَرِّي مُلْحِــــــــــــــدٌ بَلْ...مِنَ الإِلْحَادِ قَدْ أَبْدَوْا فُنُونَا
فَقُلْتُ: مَقَالُكُمْ ذَا عَنْ يَقِينٍ...وَجَــــــزْمٍ أَمْ تَظُنّونَا الظُّنُـــــــــــــونَا
فَقَالُوا: بَلْ عَنْ إِيـــــــمَانٍ وَجَزْمٍ...وَنَحْــــــــنُ لِمَا نَقُولُهُ مُوقِنُـــــــــــــونَا
أَلاَ للهِ دَرُّ أَبِيـــــــــــــــــــــــــكُــــــــــــــمْ إِذْ...بِإِلْــــــــــحَادٍ غَدَوْتُمْ تُؤْمِنُـــــــــــــــونَا
وعن مرضه تكلم إبن إبراهيم بأسلوب السخرية السوداء من حالته الصحية اقتداء بمقولة الابتسامة إهانة للمصيبة:
أَيْنَ أَنْتَ
زَارَنِي مُــــمَـــــــــــــــــرِّضِي فَلَمْ يَــــــــــــــــــرَ مِــــــــــــنِّي...فَوْقَ فَرْشِ السّقَــــــــــــامِ شَيْئاً يَــــــــــــــــرَاهْ
قَالَ لِي: أَيْنَ أَنْتَ قُلْتُ: الْتَمِسْـــــــــــــــــنِي...فَبَكَى حِينَ لـَمْ تَجِـــــــــــدْنِي يــَــــــــــــــدَاهْ
وأختم هذه المقالة بما قاله عن الحقيقة:
الحقيقة
قَالوا الحَقِيقَةُ وَالْحَقِيـــــــــــــــــــــ...ـقَةُ تَـــرْكُهُمْ مَا يُتْـــــــرَكُ
تَعِبَتْ عُقُولُ النّـــــاسِ فِي...إِدْرَاكِ مَا لاَ يُـــــــــــــدْرَكُ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق