الحيلة أفضل من العار

قابل فأر صغير ساذج قطا صغيرا مثله أمام جحر والديه، ولم يكن يدري أي منهما بأن القطط تأكل الفئران، فبدأ يلعبان سويا بدون حقد ولا ضغينة، وسارا على هذا المنوال يمرحان ويلعبان ويجريان في كل الاتجاهات كل يوم من الصباح حتى غروب الشمس، غير أنهما في أحد الأيام انهمكا في اللعب وبدلا من أن يعودا إلى أهلهما وقت الغروب، ظلا يلعبان حتى منتصف الليل، وحين عاد القط الصغير إلى أمه وجدها قلقة وغضبانة، فسألته: أين كنت؟، القط الصغير:كنت ألعب مع صديقي، الأم: ومن هو صديقك؟، القط الصغير: إنه الفأر الصغير، فهدأت الأم وسألت القط الصغير: كيف وماذا فعلت به قبل أن تأكله؟، فهتف القط الصغير مندهشا: إنه صديقي وقد ألفت اللعب معه فكيف لي أن آكله؟، فصرخت القطة الأم مأنبة ابنها على جهله وسذاجته: إن الله قد خلق لنا الفئران لنأكلها، ولحمها ألذ من لحوم الدجاج والأرانب، وقد خلق الله لنا نحن القطط لحم الفئران لتدفئنا في الشتاء ولتجعلنا أكثر خفة ومهارة في القفز والجري والرؤية في الليل بسهولة، فاعتذر القط الصغير عن جهله، وطلبت منه أمه أن يحضر لها في الغد الفأر الصغير ليأكله أمامها إن أراد أن تسامحه ولا تعاقبه، فوعدها القط الصغير بذلك.
وعند عودة الفأر الصغير إلى جحره وجد أمه تبكي وتولول ظانة أن مكروها قد أصابه، غير أنها بمجرد رؤيته أمسكت به وانهالت عليه ضربا مبرحا وهي تسأله وتكرر أين كان، فأخبرها بـأنه كان يلعب مع صديقه، فسألته:ومن هو صديقك الذي أنساك أمك وقلقها عليك وبقيت تلعب معه حتى بعد مغيب الشمس؟، فرد الفأر الصغير: إنه القط، فصرخت الأم غير مصدقة ما سمعت وصاحت: القط، وكيف لم يأكلك؟، فأجاب: كيف يأكلني، وهل تأكل القطط الفئران؟، فضمته إليها وقالت: الحمد لله الذي أبقاك سليما حتى اليوم، إن هذا القط يسمنك كي يأكلك، ألا فلتعلم يا بني أن القطط هي عدونا اللدود، ونحن الفئران بالنسبة لها ألذ الأطعمة لديها، إنها متوحشة لا تعرف الرحمة وتفترس في كل لحظة، فإياك ثم إياك أن تعود للعب مع القط مرة أخرى، وإياك أن تخرج من الجحر إن رأيته على مقربة منه، فأوصته ونصحته كما أوصت ونصحت القطة ابنها الصغير.
وفي الصباح ذهب القط لملاقاة الفأر فاندهش حين لم يجده في انتظاره كما جرت به العادة، ثم بدأ يلعب لوحده ريتما يجيء الفأر، مضت ساعة ولم يخرج الفأر من جحره، غير أنه لصغر سنه كان يراقب القط ويود لو خرج ليلعب معه، فاقترب قليلا من فتحة الجحر، فرآه القط وناداه: تعال والعب معي، فرد عليه الفأر: لا، لقد أوصتني أمي، القط: بماذا أوصتك أمك؟، الفأر: أوصتني بأن لا ألعب معك، لأنك عدو لنا، وأنتم القطط تفترسوننا بغير رحمة وتأكلوننا نحن الفئران المساكين، نحن أعداء ومن المستحيل أن نصبح أصدقاء في يوم من الأيام، وأنت أيضا لا بد أن تكون أمك قد أوصتك بأكلي وافتراسي، القط: حقا إن القطط تأكل الفئران وهم أعداء، لكنني صاحبك وصديقك وألعب معك منذ أيام كثيرة، وقد أوصتني أمي أن آكلك، لكنني لن أنفذ رغبتها لأنني أحب اللعب معك وأن نظل أصدقاء، غير أن الفأر لم يجرؤ على الخروج، فقال القط: ما رأيك يا صديقي إذا عاهدتك بأن لا أخونك ولا آكلك وبذلك تضمن وفائي لك؟، الفأر: وكيف يكون العهد؟، القط: أضع يدك في يدي ونشبك أصابعنا ببعضها، ثم يقول كل منا للآخر أنه سوف يظل صديقه طول الحياة ولا يخونه أبدا، وكان الفأر الصغير يحن ويشتاق إلى اللعب فقال: إذن ستعطيني العهد، هات يدك، فأدخل القط يده داخل جحر الفأر وأمسك بيده وشبك كل منهما أصابعه بأصابع الآخر، فقبط القط قبضة قوية بيد الفأر ثم جذبه إلى الخارج وسخر منه قائلا: ألم توصيك أمك أن لا تأمن جانبي؟، ألم تحكي لك عن هذه الحيلة؟، أخذ الفأر الصغير المسكين يتضرع ويتوسل للقط أن يطلق سراحه، فقال القط: لا فائدة يا صاحبي، فلقد وعدت أمي أن أحضرك إليها وآكلك أمامها، فلا تتعب نفسك، ولا تفكر لحظة أنني سوف أتركك، فقد انتهت حياتك وسآخذك معي وآكلك أمام أنظار أمي، فقال الفأر: الأمر لله، وقد تأكدت الآن من مصيري المحتوم، وعلى أية حال مادمت سوف أموت فليأكلني صاحبي أحسن من أن يأكلني قط غريب، غير أنني أطلب منك أن تُسدي لي معروفا صغيرا لن يغير من الأمر شيئا، فقبل أن تأخذني إلى أمك سأجلس في حجرك بين يديك، وكل مأ اطلب منك هو أن نقرأ سويا سورة الفاتحة وتدعو الله معي أن يلهم أمي وأبي الصبر والسلوان بعد أن تأكلني حتى لا يبكيا علي كثيرا فيصابا بالعمى، فقرأ القط مع الفأر الفاتحة، ثم رفع الفأر يديه يدعو الله قائلا: اللهم ارزق أهلي الصبر والسلوان على فقدي، فرفع القط يديه وقال: آمين يارب العالمين، فانتهز الفأر الصغير الفرصة وجرى بسرعة ودخل الجحر ونجا من موت محقق، ثم سخر من القط قائلا: ألم توصيك أمك أن لا تقرأ أبدا الفاتحة مع الفأر؟.