العيش فوق شفرة حلاقة أو جنون البشر

"هناك أمران لا متناهيان: الكون والغباء البشري، ولكن فيما يخص الكون ليس لدي بعدُ اليقين المطلق" ألبرت أينشتاين
الفيلم التوثيقي 'متلازمة تيتانيك' Le syndrome du Titanic’' للمخرج والممثل والكاتب الفرنسي 'نيكولا هولو' 'Nicolas Hulo' هو نداء أو صيحة في واد للعقل والتعقل والفعل السياسي المسؤول حول الأزمات السياسية والاقتصادية والإيكولوجية والاجتماعية والأخلاقية التي تعصف بالعالم اليوم، وتكاد تقضي عما تبقى فيه من روح الجمال والنقاء والصفاء والمثل العليا، وتحوله إلى بركة آسنة تزكم الأنوف، وهو أيضا انتقاد صريح ومشروع للنموذج الاقتصادي المهيمن حاليا على سائر المعمور، والمتمثل في الرأسمالية الاستهلاكية المتوحشة التي تقتل في الإنسان كرامته وعزته، وتحوله إلى بضاعة وسلعة رخيصة لا تسمو على قطعة ورق نقدية عديمة القيمة، وهذا النموذج الذي أدخل البشرية حاليا إلى غرفة العناية المركزة، لم يكن في أي حال من الأحوال هو الحل لمشكلة العالم العويصة في وقتنا الحاضر كما يدعي كهنة المذهب المادي،  بل هو أساسا المشكلة في حد ذاتها، هذه الأزمات التي ما فتئت تتفاقم يوما بعد يوم وتنذر بالسكتة الدماغية للجسد المنهك للبشرية إذا استمرت التداعيات تسير على نفس الوثيرة الجنونية، فليس البصر من يرى إذا افتُقِدت البصيرة.
لقد استطاع هذا الفيلم الذي تم إبداعه بطريقة فنية ذكية مؤثرة، ورؤية ثاقبة، ولقطات واقعية من صميم الحياة تقطع الأنفاس، ويزداد وقعها قوة على المشاهد من خلال السرد الأخاذ بين الفينة والأخرى لمخرج الفيلم، الذي هو أقرب إلى خواطر وتأملات، لكنها مبنية على حقائق علمية وتحقيقات واقعية وتقارير عالمية.
يقول الراوي: مشاهدة الفيلم التوثيقي متلازمة تيتانيك هو مثل الغوص في محيط متجمد، والارتطام ارتطاما مميتا  بجبل جليدي، يعتصر القلبَ ألـمٌ  بعد ذلك حتى يغير المرء في الأخير نظرته الخاطئة للعالم الذي نعيش فيه، هذا العالم الذي لا نراه، والذي لا نمتلك الجرأة للنظر إليه وجها لوجه، نعم... لفهم متلازمة تيتانيك يكفي بكل بساطة أن ينظر المرء ببصيرته لما يحدث في العالم اليوم.
في هذا الكون الرحب أهم شيء نكتشفه هو أن الحياة ليست هي القاعدة، بل هي الإستثناء...فينا ومن حولنا كل شيء هو عبارة عن غبار نجوم، كل شيء عبارة عن ذرات، كل شيء يهتز...الذرات تشكل كل ما هو موجود: الهواء الذي نتنفسه، الطعام الذي نأكله، بل حتى الماء الذي نشربه، أبديٌّ تقريبا ويُعيد دورته بشكل مستمر في وردة أو شجرة أو كائن حي، كل واحد منا هو جزء من المجرة، هذا الماء الذي خَلَقَنَا وَوَهَبَنَا الحياة يجب محبته محبة الأم، منذ النشأة الأولى هي نفس الدورة المائية التي تتكرر باستمرار، أبديةٌ مُصَفَّاةٌ مُتَبَخِّرةٌ مُبْتَلَعَةٌ، إنها نفس المياه التي تخترق أعماق الأرض قبل أن يتم امتصاصها نحو السماء، كل من يتقاسم هذه المياه مقدس: الأسماك الفراشات الأزهار الحياة بكل بساطة، نقتسم معها نفس الموسيقي السائلة ونفس الميكانيكا الحميمية، على الأرض كل الظروف مواتية كي تتجمع الذرات القادمة من النجوم لِتُكَوِّنَ الجزيئات ثم الخلايا، كل الكائنات الحية تقتسم نفس المواد الجينية، إنه نفس الرمز الذي ينتقل من جيل إلى جيل، رقصة لا متناهية من أجل صياغة شيء واحد: الحياة....هذه الحياة المعلقة بخيط رفيع، والتي للأسف يقضي الإنسان فيها معظم أوقاته في المخاطرة بحياته باللعب بشفرة حلاقة.
لاجتناب رؤية البؤس في هذا العالم يحاولون أن يفرضوا علينا أحلام السلطة، أحلام الإخضاع، أحلام الخردة الرخيصة.... على طرقات العالم تتسكع في هذه اللحظة مليار سيارة ونصف، مليار ونصف من الأحلام الكيلومترية، مليار ونصف من أحلام العظمة والأنانية المفرطة، مليار ونصف من أحلام الوجود، مليار ونصف مرة من السخافة والتفاهة والعبث ...إنني أعارض هذا النمو الـمُسْتَهْدَف الذي ليس لديه طموح أكثر، وهذا الهوس الكميإنني أعارض فكرة أن الحضارة الغربية هي عملية تحسن خطية لا متناهية الهدف منها العالمية، أين هو التقدم عندما كل ما يربط بيننا ويميزنا عن بعضنا البعض يتآكل تحت وقع عالمٍ مُشَيَّءٍ وُمُسَلَّعٍ وَمُتَغَيِّرٍ، بدون تنوع تموت الكرامة، وفي إنكاره للتنوع فإن الإنسان في حقيقة الأمر يضمحل....كيف يمكن القبول بأن ثلاثة ملايير شخص في العالم يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، في حين أن حفنة من أصحاب الثروات من مصاصي دماء الضعفاء والمقهورين يستحوذون على ما يوازي الناتج المحلي الإجمالي لمجموع الدول الفقيرة على المستوى العالمي...ليس علينا القبول بأي شيء من هذا، لأنه بكل بساطة غير مقبول مطلقا...إننا نطفو فوق ارتباك عظيم..إننا في حقيقة الأمر ضحايا نجاحاتنا الباهرة.
كنت أعتقد في الوفرة ... واكتشفت في الأخير النذرة... تخيلت أن الأرض كوكبا بلا حدود ... وهي صغيرة لدرجة اليأس وهشة، إننا لا نستهلك ... بل نستنزف وندمر ونهلك! لأي مكان أذهب إليه أرى الطبيعة تحتضر ... أعرف  ...أعرف ... أنه إذا لم نغير تصرفنا اتجاهها ... فإنها لن تسألنا عن رأينا، وسوف تقوم بالتعديلات اللازمة! ولكن الإنسان هو الذي سيدفع الثمن وسيقاسي الأمرين ... و سيكون دائما في المقدمة أولئك الذين يعانون أصلا من الفقراء!  ولسوف يلحق بهم الآخرون من المترفين بعد وقت قليل على حدوث ذلك.
أعرف أنني لا أعرف الشيء الكثير، وعلاوة على ذلك لدي مؤاخذة على أولئك الذين يرون بوضوح وسط هذه الظلمة الحالكة وهذا الارتباك الكبير، تتجاذبني شكوك حول مستقبل البشرية والعلاجات خاصة في كيفية جعلها غير مرغوب فيها وفي نفس الوقت لا مفر منها، أي صدى للكلمات التي تحفر في جسدي: التغير المناخي-التنوع البيولوجي-التَّغَيُّر الإحيائي يمكن أن يكون له وقع في أذني عاطل عن العمل أو من باب أولى في أذني جائع:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق