زَمَنُ العُبْدَانِ وَالخَوَلِ بِدُورِ الضِّيَّافَةِ بِمُرّاكُش

قالت 'ماريون ماريشال لوبن' ابنة شقيقة رئيسة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليميني المتطرف الذي حصل على حوالي 30% من أصوات الفرنسيين في انتخابات المناطق في منتصف ديسمبر 2015، والمرشحة عنه في منطقة جنوب فرنسا: "لا نعيش في بلادنا بالجلباب...لسنا في أرض إسلام، وإن كان بعض الفرنسيين من أتباع الإسلام، فذلك بشرط أن يلتزموا بنمط العيش والعادات المطبوعة بتأثيرات إغريقية ورومانية وبستة عشر قرنا من الديانة المسيحية."
بطل معركة الزلاقة التاريخية الشهيرة...من قصر الحجر إلى هذه البناية الخربة 
قِــــــفْ بِي عَلَى قَــــــــــــبْرِ تَاشَـــفِـــيـــنَ مُنْـــحَـنِـيّاً       مِنْ هَـيْـــبَةِ القَــــْبرِ بَلْ مِنْ هَـيْـبَةِ البَطَـــــلِ
دَعْنِي أُنَادِي  الَّذِي مِنْ صَوْتِهِ  ارْتَعَدَتْ      فَرَائِـصُ الــــدَّهْرِ  وَالأَبْطَــــــــالِ  وَالـــــــدُّوَّلِ
لَعَلَّـــهـَــــــا رُوحــــــــــــــــــــــاً أُنَادِيـــــــــــهَا تُـــــــــــــزَوِّدُنِـي      بِالْــــــحَــزْمِ بِالْعَزْمِ بَعْدَ الأَيْــــنِ  وَالكَــــــلَــــــلِ
هَذَا الَّذِي لَمْ  تَزَلْ فِي الكَوْنِ  شُهْـــــــــرَتُهُ      لَـهَا دَويَانٌ مِـــــلْءَ  السَّهْــــــلِ  وَالــــــجَــبَـــــلِ
هـَـــــــــذَا قـَــــرِينُ صَـــلاَحِ الــــدِّينِ عَنْ ثِـــــقَــــةٍ      هَذَا  سـَمِّيهِ  بَنىَ  مَـجْــــداً  عَلَى  زُحَــلِ
هَـــــــذَا مُــــــجَـــدِّدُ أَمْـجَــــــــــــــــــادٍ بِأَنْــــــــــــدَلُــــــسٍ      رُبَّ النَّـــــدَى  وَالتُّقَى  وَالبِيضِ وَالأَسَــلِ
لَوْ أَبْصَــــــــــــــــرَ اليَــــــــــْومَ أَوْطَــــــــــــــاناً مُـجَـــــــــزَّأَةً      وَالْقَــــــــوْمَ كَالضَّـــــأْنِ وَالأَبْقَـــــــــارِ وَالإِبِـــــــلِ
لَوْ أَبْصَـــــــرَ اليَوْمَ أَحْفَـــــــاداً لِمَنْ سَلَفُـــــــــوا      أَمْسَوْا مِنَ الـذُّلِّ كَاْلعُبْــــــدَانِ وَالْــــــــخَـوَلِ
لَقَالَ يَا  أَرْضُ مِيـــــــــــــدِي بِالَّذِينَ غَــــــدَوْا      سُخْـرِيَّةَ الدَّهْــــــــــــرِ وَالأَجْيَـــــــالِ وَالْـــمِـلَـــــــلِ
يَا رَمْسَ تَاشَفِينَ تَاجُ الفَخْرِ فِيكَ هَوَى      صَـدَى الزَّمَانِ وَمَـــــجْدَ السَّـــــــــادَةِ الأُوَّلِ
مُـــرَّاكُــشَ فِي حِــــمَــاهَا الـــــدَّهْرُ مُـعْتَصِـــــــمٌ      يَشْكُـــــــو لـِمُعْــتَصِــــــــــــمٍ بِاللهِ  مُـبْـتـَـهِــــــــــــــــلِ
كَأَنـَّـــمَا هُـــــوَ  مَــــــــوْثُـــــــــــــورٌ وَمُـــــــــرْتَــــقِــــــــــبٌ      لِأَخْذِ ثَـــــأْرٍ  يَهُـــزُّ  الْكَوْنَ  مِنْ  وَجَــــــلِ
                                                      الشاعر اللبناني عبدالمنعم موسى فحص رحمه الله (1905-1990)

إلى ماض غير بعيد كانت مدينة مراكش وردة الجنوب بالفعل، في ذلك الوقت لم تكن بناياتها متطاولة وكان علو جدرانها لا يتجاوز تواضع أهلها وتعففهم، وكانت حدائق المنارة وأكَدال وغابة الشباب وساحة باب الجديد وساحة باب الرُب تشكل أهم الفضاءات التي يرتادها سكان المدينة أيام الجمعة بعد الصلاة الجماعية قصد التنزه والترويح عن النفس، وكان مقهى المصرف الدائع الصيت آنذاك والموجود على بعد بضع خطوات من الضريح المتواضع والمتداعي لأمير المسلمين المجاهد يوسف بن تاشقين يُضفي على المشهد أجواء مميزة ومتناغمة مع الزمان والمكان يمكن اختزالها في مقولة المرحوم الفنان الحسين السلاوي 'مَحْلَى النْزَاهَة مْعَ النّاسْ لُقْدَامْ'، وكانت مدينة مراكش وردة ترقد على سفوح جبال الأطلس الشامخة بين أحضان حزام أخضر متناسق من النخيل يُسقى بواسطة الخطارات، وهو نظام لجلب المياه الجوفية بطريقة مبتكرة وطبيعية استعملها المرابطون ابتداء من القرن الحادي عشر الميلادي، بحيث تم تحويل أراضيها القاحلة إلى حواضر وحدائق غناء يضرب بها المثل في شمال افريقيا.
ولقد أحصى أستاذ وفقيه علم الاجتماع القروي المغربي الراحل 'بول باسكون' 'Paul Pascon' سنة 1972 في أطروحته لنيل الدكتورة حول حوز مراكش ما يفوق 567 خطارة (فلج) بطول إجمالي يصل إلى 700 كلم، كانت تعطي صبيبا مائيا باردا رقراقا يصل إلى 5.059 لتر/ثانية بصفة مستمرة، مكن من سقي 20.520 هكتار، أي ما يعادل 15% من المساحة الإجمالية المسقية بمنطقة الحوز آنذاك (134.879 هكتار)، بل كانت مياه هذه الخطارات مثل خطارة العباسية وخطارة الجنان الكبير وخطارة أكَدال وخطارة الحَارَة، التي يا ما استحممنا بمياهها الصافية الباردة في عز أيام الصيف القائضة في طفولتنا، تصل حتى داخل مدينة مراكش لتسقي الحدائق والعراصي وأشجار النخيل المحيطة بالمدينة وتنشر الحياة وتروي ظمأ ساكنة المدينة.
أما اليوم فمعظم هذا الإرث التاريخي والحضاري الذي يعود إلى ما يفوق تسعة قرون اندثر والقليل الباقي منه بنواحي المدينة لا زال يصارع الإهمال وفعل الزمن وفترات الجفاف المتتالية، ففقدت مدينة مراكش جمالها الطبيعي ورونقها وعفويتها وعوضت ما لا يقدر بثمن بجمال مصطنع معروض للبيع في سوق النخاسة والنخاسين، حيث لم يعد هنالك مجال آخر غير البيع والشراء ورنين النهود والنقود، فتكاثرت العمارات من خمس طوابق كالفطر في كل مكان حتى ضاقت بها مراكش بما رَحُبت، ولم يبق في الساحة إلا المضاربين العقاريين والسماسرة وآكلي السحت والربا، وأضحت 'شكارة' المراكشي المشهورة بكبرها وطول مجدولها غير قادرة على استيعاب بورصة الأسواق وأرقامها، فانسحب في صمت معبر، ولم تعد تراه إلا منزويا ومختليا في أماكن نائية عن البهرجة والتصنع عملا بقول الرسول الأكرم (ص):"الوحدة خير من جليس السوء".
و أصبحت الشقق تباع ب 4.000 درهم للمتر مربع (بدون نْوَارْ بالطبع) للمستضعفين المغلوبين الراغبين في شراء علب للاستحقار وليس الاستقرار بمساحة لا تتجاوز 50 مترا مربعا يُحشرون فيها حشرا كالسردين، يضيق بها الصدر لدرجة الاختناق، تغلي صيفا كالمقلاة وتتجمد شتاء كالثلاجة، بجدران ثرثارة تتكلم وتصيح وتشتم بالليل والنهار، وتقتضي ظروف الإقامة بها لضيق مساحتها تنظيم الصفوف دخولا وخروجا والانتباه الدائم ليلا ونهارا لتجنب حوادث السير التي هي في حقيقة الأمر ليست مقتصرة فقط على الطرقات كما تحدثنا به النشرات الإخبارية، أما من يبحث عن قليل من التحسن في ظروف السكن فيلزمه دفع 14.000 درهم للمتر مربع على الأقل، وأصبح الهكتار الفلاحي الذي كان إلى غاية سنة 1997 لا يتعدى ثمنه 20.000 درهم يتأرجح ثمنه حسب الموقع والبعد أو القرب من مراكش ما بين 600.000 و 5.000.000 درهم، وأصبحت مراكش من أغلى المدن المغربية من حيث العقار.
ولم يعد أمام المستضعف ممن لا سكن له، وسط هذه السوق المعولمة المليئة بأولاد الحرام من المضاربين الجشعين وآكلي السحت في مجالات العقار، الذين ليس لديهم من مهمة في هذه الحياة سوى تجميع المزيد من الفلوس إلى ما لا نهاية في انعدام تام للحس الإنساني و الأخلاقي، إلا حلين إما الاستسلام والرضوخ للشروط المفروضة المملاة من طرف الأبناك الربوية الخسيسة للاستفادة من سلف يؤديه أقساطا طول حياته وكأنه لم يخلق إلا لهذه الغاية، أو الإنسحاب على هامش الطريق السيار طلبا للسلامة حتى 'لا يجيبها فراسو'، وأصبحت الحياة مثل بيداء مقفرة لا هادي للمرء فيها إلا إرادته ليتحمل تبعات ما لم تجن يداه.
و على الجانب الآخر من المشهد المراكشي الكئيب بالرغم من بعض مظاهر الزينة الخارجية الخادعة التي تتوشح بها المدينة مثل ماكياج الشيخات المدخنات، تكاثرت ما يُسمى ب 'دور الضيافة' حتى أصبحت الضيافة كالبيض الفاسد النتن الذي زكمت رائحته العطنة سكان مراكش الأصليين، وجعلتهم غرباء في بلدهم من طرف حفنة من أخبث وأتفه حثالة اليهود والنصارى من الطغمة الفاسدة، التي وجدت التربة الخصبة والظروف المواتية  فاشترت البشر والحجر والشجر  بالأموال القذرة.
ودور الضيافة هذه في البعض منها على الأقل هي عبارة عن أوكار للشيطان تسللت بقوة المال وشراء ذمم ضعاف النفوس من الذيوت والبغايا والمخنثين والمخنثاث، فسرت بليل بهيم حالك الظلام في جسم أحياء المدينة العتيقة ودروبها كالسرطان المدمر، محدثة دمارا وخرابا للنسيج الاجتماعي المراكشي لم يسبق له نظير، وهذه الأوكار الشيطانية على ما يبدو من التسيب الذي تترنح فيه والليالي الحمراء التي تُقام فيها لا تخضع لأية رقابة دورية من طرف الجهات المختصة،  نظرا للدور الخطير والهدام والقذر الذي تقوم به داخل المجتمع المغربي والمراكشي عل الخصوص، هذا المجتمع الذي بدأت أواصره وعاداته وتقاليده تتفسخ وتتكسر على الصخور الصلدة للأموال الفاسدة، وبذلك استطاع رعاع وحثالة وسفهاء النصارى واليهود ومن يآزرهم من العربان من المخنثات والمخنثين، الذين يظنون أن كل واحد من المغاربة يمكن شراؤه على أكثر تقدير ب 200 درهم، أن يفعلوا بالمجتمع المغربي مال لم يستطع أحد فعله من قبل في أي وقت من الأوقات لما كان المراكشيون الحقيقيون أعفاء، أعزاء النفوس وأحياء الضمائر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق